محمد بغدادي
أوفي المشير بوعوده.. فهل سيفي الإخوان بعهودهم؟!
ببساطة ونُبل الفرسان سلم المجلس الأعلي للقوات المسلحة السلطة للرئيس المنتخب محمد مرسي في ذات الموعد الذي قطعه المشير علي نفسه.. عندما أعلن هو ورفاقه في المجلس العسكري أنهم لا يريدون السلطة.. وسيسلمونها للرئيس المنتخب - أياً كان - في الثلاثين من شهر يونيو 2012.. وقد صدقوا ما وعدونا به.. وفي ظل مراسم عسكرية عريقة وبسيطة أعلن المشير طنطاوي في كلمة قصيرة وبسيطة تسليم السلطة للرئيس محمد مرسي.. ولأننا شعب ينسي دائماً ماذا تناول في طعام الإفطار.. قبل أن يحين موعد الغداء.. فقد حاول المجلس العسكري عبر فيلم تسجيلي وثائقي قصير أن يذكر جماعة الإخوان المسلمين.. ورئيسها المنتخب د.محمد مرسي.. ويذكر كل القوي السياسية الأصيلة منها والمغامرة.. التي تمتلك رؤية سياسية وطنية.. والمصاب منها بداء «الطفولة الثورية».. أقول حاول المجلس العسكري بهذا الفيلم القصير أن يذكرنا جميعاً بما قامت به قواتنا المسلحة عبر 17 شهراً من تسلم إدارة شئون البلاد في 11 فبراير 2011 حتي تسليم السلطة للرئيس المنتخب في 30 يونيو 2012.
وعلي الرغم من أن الفيلم استعرض لمحات سريعة وعناوين عريضة لجهود المجلس الأعلي للقوات المسلحة في العبور بمصر إلي بر الأمان.. إلا أنه لا يستطيع أي جاحد أن ينكر المجهودات العظيمة لقواتنا المسلحة المصرية والوطنية.. في قيامها بأهم المهام وأشرفها ولعل أهم ما تؤكده مشاهد الفيلم:
1 ــ حماية الثورة الشعبية.. والدفاع عنها.. بما لا يدع مجالاً للشك بأنه لولا احترام القوات المسلحة للإرادة الشعبية. واحتضانها للثورة وحمايتها لغرقنا جميعاً في بحور من الدماء لا يعلم إلا الله وحده كيف كانت ستنتهي بنا الأمور.. وهل كنا سنتحول إلي النموذج الليبي أم اليمني أم السوري؟!
2 ــ إن جهود رجال القوات المسلحة بعد الغياب التام للشرطة.. في حماية الجبهة الداخلية والحفاظ علي أرواح المواطنين وممتلكاتهم الخاصة والعامة وحماية تراث مصر من الحرائق المتعمدة لهو حفاظ علي الدولة المصرية من الانهيار.
- إن القوات المسلحة المصرية ساهمت في حل كل الأزمات المفتعلة وغير المفتعلة من أزمات في الوقود والخبز.. والمرور.. والوقفات الاحتجاجية والإضرابات والاعتصامات.. والانفلات الأمني.. والأزمات الخارجية.. والتفجيرات.. والمحاكمات، وكل هذه الملفات التي ألقيت فجأة وبلا مقدمات علي عاتق هؤلاء الرجال الشرفاء المخلصين الذين تحملوا فوق طاقتهم من المهام والإهانات.. والبذاءات.. والتطاول والسب والقذف.. وعدم الفهم سياسياً وقومياً ووطنياً.. من أفراد لم يدركوا.. أن العقيدة القتالية لدي هؤلاء الجنود والضباط والقادة هي: «حماية الوطن واستقلاله وسلامة أراضيه.. وأن عدوهم الأساسي خارجي وليس داخلياً»، ولذلك دافعوا عن مصر وشعبها العظيم طوال الفترة الانتقالية دون كلل أو ملل أو تبرم أو تنصل من المسئولية.. وبإيمان مطلق بدورهم الوطني والقومي.
وبهذا المشهد الختامي لدور القوات المسلحة العظيم أوفي المجلس الأعلي بما عاهد به شعب مصر.. ولعل أهم هذه الالتزامات وأجلها هو حماية الشرعية.. والإشراف الكامل علي العملية الانتخابية بنزاهة وشفافية.. وإشراف قضائي تام تحت سمع وبصر ورقابة كل المنظمات والجميعات الحقوقية.. المصرية والدولية.
ولكن بعد أن تسلم الرئيس المنتخب سلطة البلاد.. هل سيلتزم الإخوان بتعهداتهم ووعودهم لشعب مصر.. ولأجهزة الدولة المصرية ومؤسساتها.. هل سيلتزمون بتأدية الاستحقاقات الثورية لباقي القوي السياسية وشركاء الوطن.. لتبقي مصر دولة مدنية؟!
إن القراءة السريعة لعدة مشاهد طالعناها جميعاً بالأمس تؤكد عدم حسن النوايا.. وتشير إلي انطباعات سلبية شديدة الخطورة.. ومنها علي سبيل المثال لا الحصر:
- أن الرئيس محمد مرسي.. أقسم اليمين الدستورية أمام ثلاث جهات مختلفة.. وفي ثلاثة مواقع متباينة.. فقد بدأ القسم الأول بالتوجه إلي «أهله وعشيرته» وهم أعضاء جماعة الإخوان المسلمين وأعضاء حزب الحرية والعدالة وأعضاء حزب النور والسلفيين في ميدان التحرير.. ووجه لهم خطاباً عاطفياً انفعالياً عالي النبرة.. ورغم ارتجاله الخطاب إلا أنه عندما جاء وقت القسم أخرج من جيبه النص الرسمي للقسم الرئاسي.. وأقسم أمام «أهله وعشيرته»، قسم تولي السلطة.. وحتي يلهب مشاعر الجماهير منعشاً ذاكرة الأمة المصرية بمشهد إطلاق الرصاص علي عبدالناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية في بداية ثورة يوليو 1952.. فتح الجاكت وقال للعالم أجمع: «أنا لا أرتدي واقياً من الرصاص لأنني لا أخاف إلا الله» علي الرغم من أنه لم يكن هناك رصاص «!!» ولم يكن هناك أي تهديدات تلقاها الرئيس مرسي من أي جهة معادية له «!!» ونسي أن الفارق بين هذا المشهد.. ومشهد عبدالناصر.. أن عبدالناصر بالفعل أطلق عليه الرصاص.. وثبت علي المنصة ولم يغادرها وأكمل خطابه.. ولم يكن أيضاً يرتدي سترة واقية من الرصاص.. وأن من أطلق الرصاص علي عبدالناصر هم جماعة الإخوان المسلمين وأعضاء التنظيم الخاص.. كما أطلقوه من قبل علي الزعيم الوفدي محمود فهمي النقراشي رئيس وزراء مصر قبل الثورة.. ولكن الرئيس مرسي لم يفته أن يغمز ويلمز علي عبدالناصر.. فتحدث عن الستينيات قائلاً: «وما أدراك ما الستينيات».
أما القسم الثاني فكان هو القسم الرسمي الذي بموجبه يمنح سلطات رئاسة البلاد.. ويا للمفارقات المريبة.. تعطل القسم لأكثر من ساعة لأن الدكتور مرسي كان رافضاً رفضاً باتاً إذاعة مراسم القسم علي الهواء.. ورافضاً تسجيل القسم تليفزيونياً.. ولسان حاله يقوله إنه لا يريد أن يراه «أهله وعشيرته» وهو يخل بوعوده لهم بأنه لن يقسم أمام الدستورية العليا.. لأن بقسمه هذا سيكون قد اعترف ضمنياً بالإعلان الدستوري وبكل أحكام المحكمة الدستورية العليا التي قضت ببطلان انتخابات مجلس الشعب فصدر القرار التنفيذي بحله من المجلس الأعلي للقوات المسلحة.
ورفض د.مرسي دعوة الصحفيين والشخصيات العامة الرسمية لحضور مراسم القسم كما هو مفترض أن يحدث.. وكأنه كان يريد للقسم الرسمي أن يكون سرياً لا يراه أحد «!!!» وهذه تصرفات تشوبها نوايا غير طيبة.. ولولا إصرار ثلاثة من المستشارين علي رأسهم نائبة المحكمة الدستورية العليا المستشارة تهاني الجبالي علي علانية القسم وإذاعته تليفزيونياً وانسحابهم من الجمعية العمومية، لما رضخ الرئيس لتنفيذ هذا الشرط العلني.. وحسناً فعلت المستشارة تهاني الجبالي فهذا موقف من سيدة مصرية وطنية عظيمة.. إنها حقاً امرأة بمائة رجل.
أما القسم الثالث فقد جاء أيضاً بين «أهله وعشيرته» من أعضاء مجلس الشعب المنحل وهو المجلس الذي منحه الرئيس مرسي شرعية العودة بلا مسوغات قانونية.. وهذا المجلس وهذا الجمع من أهله وعشيرته استقبلوا المشير طنطاوي والفريق سامي عنان بهتاف هجومي لا يليق بنفوس وطنية تسعي للمصالحة الوطنية عندما هتفوا أثناء دخوله: «يسقط يسقط حكم العسكر».. ناسين أن هؤلاء العسكر هم الذين مكنوا الرئيس مرسي من الجلوس علي عرش مصر.. ولولا إصرار هذا المجلس الوطني الشريف علي إتمام المرحلة الانتقالية بهذا القدر من النزاهة والشفافية لما وصل الإخوان إلي القصر الرئاسي المصري.. ولو «لحسوا كوعهم كما يقول المثل اللبناني».. ونترك هذه الصغائر.. لنفاجأ بأن تنظيم الجلوس داخل القاعة أخل به جماعة الإخوان والمنسقون لتحركات الرئيس من رجال «الحرية والعدالة».. فإذا بالسيد سعد الكتاتني يكسر كل قواعد البروتوكول ويجلس بجوار المشير طنطاوي وكأنه مازال رئيساً للبرلمان الذي انقضي وجوده بحكم المحكمة الدستورية «!!» الأمر الذي جعل الشيخ الجليل فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الجامع الأزهر ينسحب هو وهيئة علماء الأزهر مغادرين قاعة الاحتفالات الكبري.. بعد أن وجدوا مقاعدهم في الصفوف المتأخرة دون أن يقدم له أي أحد الاعتذار الواجب.. أما القشة التي قصمت ظهر البعير، وأكدت أن جماعة الإخوان لم تف يوماً ما بوعودها.. ولن تفي بعهودها فيما نعتقد.
إن الدكتور مرسي في كلمته الخماسية قال إنه سيعيد المؤسسات التشريعية المنتخبة.. مشيراً إلي مجلس الشعب المنحل.. ومؤكداً صلاحية الجمعية التأسيسية للدستور التي تحمل بداخلها عوامل عدم شرعيتها مثلها مثل الدستورية الأولي التي قضت المحكمة الدستورية من قبل ببطلانها.. وكأنه يريد أن يقول لـ«أهله وعشيرته» إننا سنعيد لكم ما أخذته منكم الأحكام القضائية التي أقسم منذ قليل أنه سيحترمها هي والدستور.
إن التلاعب بالقسم الرسمي علي هذا النحو لا يطمئن.. ولا يبشر بالخير.. وكل هذه الخروقات والتحدي لأحكام المحكمة الدستورية العليا.. وتحطيم البروتوكولات الرسمية في جلوس الشخصيات العامة وفقاً للمراسم والترتيبات الرئاسية سيزيد شكوكنا حول قدرة جماعة الإخوان وعشيرة الرئيس علي الوفاء بوعدهم.










