الخميس 18 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
الربيع الليبي.. والخريف المصرى ..  ونجح الليبيون فيما فشل فيه المصريون

الربيع الليبي.. والخريف المصرى .. ونجح الليبيون فيما فشل فيه المصريون




 
 
 يبدو أن الذات المصرية للنخب السياسية والثقافية فى مصر تضخمت.. وتضخمت.. حتى صارت عبئاً على أصحابها أولا.. ووبالاًَ على شعب مصر الذى ائتمنهم على مصر ومستقبلها السياسى ثانياً.. ففى الوقت الذى تجرى فيه انتخابات ديمقراطية لأول مرة فى تاريخ ليبيا منذ نشأتها حتى يومنا هذا.. وفى الوقت الذى عانى منه الشعب الليبى من كبت الحريات وظل طوال 42 عاما يرزح تحت حكم ديكتاتور قدم نفسه للعالم على أنه نصف إله ونصف مجنون.. حتى صارت أيامه مثل كوابيس الخرافات وفصول متصلة من مسرحية هزلية من الكوميديا السوداء.. ورغم ذلك كله نجح الشعب الليبى فى توجيه بوصلته ناحية الاختيار الأفضل لمستقبل ليبيا.. فاختار الليبيون بأغلبية ساحقة التحالف الوطنى الليبرالى المعتدل المؤلف من 60 حزبا صغيرا.. وتم سحق الأحزاب الإسلامية وفى مقدمتها حزب «العدالة والبناء» الذراع السياسية للإخوان المسلمين فى ليبيا.. فمن ينظر للنتائج الليبية وفارق الأصوات الشاسع بين ما حققه (التحالف الوطني) فى مواجهة الإخوان يصاب بدهشة لا تخلو من الحسرة.. فمصر التى بدأت فيها الحياة النيابية منذ عهد الخديو إسماعيل أى فى الربع الأخير من القرن التاسع عشر لا يستطيع شعبها وهو يختار نوابه وقائدة أن يعرف من الذى سيدفع بمصر نحو النور على طريق النهضة الشاملة ومن الذى سيعيدها إلى كهوف التاريخ المظلمة.. حتى كاد المرأ أن يصدق مقولة أحمد نظيف وعمر سليمان التى تقول: «إن الشعب المصرى غير مؤهل لممارسة الديمقراطية».. وهى مقولة لا نتفق على صحتها.. ولكن الكارثة التى ابتلانا الله بها هم نخبة هذا الوطن السياسية الذين لم يخرجوا بعد من إطار التعامل مع القضايا المصيرية الكبرى بمنظور (السبوبة) ومنظور (الشو الإعلامي).. ومنظور المصلحة الشخصية الخاصة.. بل وصل الأمر عندما صارت الثورة المصرية مثل (الصيد الثمين) كل فريق يريد أن يهبر له هبرة تليق بما يراه فى نفسه من قدرة على الفهلوة والشطارة واللعب بالبيضة والحجر.. فإذا ألقينا نظرة على النتائج الأولية لانتخابات ليبيا وبقراءة متأنية تأملنا الأرقام سنكتشف بسهولة أين كان يكمن خطأ القوى السياسية والنخبة المثقفة المصرية.. تعالوا لنري:
 
 
 حصد ( التحالف الوطني) الليبى معظم المقاعد الثمانين المخصصة للأحزاب.. فى الدوائر الأساسية الثلاث عشرة بما فيها طرابلس وبنى غازى وسبها.. ويراهن الآن على الفوز بأغلبية المقاعد الفردية البالغ عددها 120 مقعدا.. وجاءت النتائج الأولية مخيبة لآمال الأحزاب الإسلامية ومخيبة للآمال القطرية ومخطط برامجها (الثورية) الشيخ حمد بن جاسم رئيس وزراء دولة قطر التى ساهمت بالعتاد والسلاح والجنود فى مناصرة التيار الإسلامى للاستيلاء على السلطة بمشاركة مادية وفعلية مع قوات (حلف الناتو).. وإليكم الأرقام:
 
 
 فى وسط طرابس فاز التحالف الوطنى المكون من (60 حزبا صغيرا!) بـ(46 ألف صوت) فى مقابل 4 آلاف صوت فقط لحزب العدالة والبناء الإخوانى.. وفى دائرة ناجوراء حصل التحالف على (78 ألف صوتً) وفى عين زارة (60 ألف صوت).. وحصل حزب «العدالة والبناء» على بضعة آلاف ضئيلة.. وقد تأكد من خلال النتائج الأولية أن الائتلاف الوطنى الليبرالى قد هيمن على معظم مقاعد المؤتمر الوطنى المكون من 200 مقعدً.. ورغم أن قائد هذا التحالف لم يرشح نفسه.. وهو الدكتور محمود جبريل رئيس الوزراء الأسبق فى الحكومة الانتقالية.. وبالمناسبة فهو بمنظور (النخبة السياسية المصرية الفاشلة) يعتبر من فلول القذافى إذ إنه كان مستشاراً سياسيا وخبيراً اقتصاديا لسيف الإسلام القذافي.. أى كان من المقربين لرأس النظام الليبى الفاسد.. وانشق فى بداية الثورة عن مؤسسة الحكم.. وعاد رئيسا للوزراء ثم استقال.. ودعا كل القوى الوطنية والأحزاب الصغيرة للائتلاف فى جبهة واحدة فى مواجهة تغول التيار الإسلامى المدعوم من أمريكا والناتو وقطر وهناك رسائل نشرت من الموساد تؤكد تمويلهم بالسلاح وقد نشرتها بعض الصحف المصرية فى بداية الثورة الليبية.. ولم ينظر الشعب الليبى إلى الدكتور محمود جبريل رغم أنه عمل مع القذافي مستشاراً وكان له مكانة مرموقة في نظام القذافى.. ولكن الشعب الليبى الأكثر وعيا من (زجاجة الزيت وشكارة الأرز) اختار التيار الوطنى الليبى المعتدل.. والذى يرسى دعائم الدولة المدنية الحديثة.. أما النخبة السياسية المصرية الفاشلة فقد تدلى لساننا وانهكت أقلامنا وبح صوتنا ونحن نطالب كل القوى الثورية والأحزاب الصغيرة بائتلاف وطنى واحد.. وجبهة وطنية مصرية واحدة.. وقد حضرت مناظرة سياسية فى فندق شبرد بين أربعة أحزاب جديدة.. وهي:
 
 
 حزب المصريين الأحرار (نجيب ساويرس).. وحزب المصرى الديمقراطى (د.محمد أبوالغار).. وحزب الجبهة الديمقراطة (د.أسامة الغزالى حرب).. وحزب العدل (مصطفى النجار).. وطالبناهم بحضور أكثر من خمسة آلاف مواطن فى مؤتمر عام رسم دخوله كان عشرين جنيهاًَ.. طالبناهم بائتلاف وطنى والالتفاف حول برنامج (حد أدني).. ليكونوا نواة لانضمام جميع الأحزاب الصغيرة التى تضاعف عددها كالأرانب.. ليكونوا فيما بينهم جميعا تحالفا لجبهة وطنية واحدة فى مواجهة تيار الإسلام السياسى المتغول والممول بأموال لا يعلم إلا الله من أين تأتى والى أين تذهب.. ولكنهم رفضوا.. لأن كل واحد منهم رأى فى نفسه زعيماً للأمة وبطلا قوميا.. وكيف لا.. وقد أصابتهم برامج (التوك- شو) بجنون العظمة.. وحب الظهور.. حتى صاروا (سوبر استار) ينافسون نجمات السينما.. ونجوم الكرة العالميين.. باستثناء تحالف (الكتلة المصرية) الهزيل الذى لم ينجح فى مواجهة تغول حزبى النور والعدالة المدربين على أساليب (الحزب الوطني) فى الانتخابات.. ونجح الإخوان والسلفيون.. ورسب الليبراليون فى الامتحان.. وفى انتخابات الرئاسة لم تنجح القوى الثورية فى الالتفاف حول رمز مصرى يقدره الجميع مثل (عمرو موسي).. كما فعل الليبيون والتفوا حول (محمود جبريل) رغم أن جبريل ترك نظام القذافى أثناء الثورة وعمرو موسي.. تخلى عنه نظام مبارك قبل الثورة بعشر سنوات كاملة.. إلا أن غباء القوى السياسية المصرية قاوموا تقدمه واتهموه بأبشع التهم.. واعتبروه من (الفلول) واتهموه بأنه تواطأ مع نظام مبارك فى حرب إسرائيل على غزة.. واتهموه بأنه تواطأ مع الأمريكان ضد العراق.. إنها تهم رخيصة وأفكار صبيانية.. دفعت بنا جميعاً إلى حلق (الغول) ليلتهمهم جميعاً الواحد تلو الآخر كما تقول الحكاية الشعبية (التيران الأربعة).. حيث التهمهم الأسد الواحد تلو الآخر.. عندما نجح فى تفريقهم عن بعضهم البعض بعد أن كانوا يشكلون فريقاً واحدا يخشاه الأسد ويحسب له ألف حساب.. وصارت مثلا (قتلت يوم قتل الثور الأبيض)!
 
 
ولمن لا يعرف أن د.محمود جبريل تخرج فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة أى أنه استقى العلوم السياسية والاقتصادية على أيدى أساتذة مصريين وتخرج فى ذات الجامعة ونفس الكلية التى خريجوها يملأون شاشات التليفزيون والساحات السياسية المصرية.. ولكنه هو درس وتعلم وعرف كيف يستخدم علمه لصالح وطنه ليبيا.. ولكن نخبتنا أو خيبتنا السياسية درست وتعلمت كيف تستثمر علمها فى بيزنس السياسة وبيزنس الشو الإعلامي.. ويا مائة ندامة عليكى يا مصر.. ومبروك على الليبيين ربيع ثورتهم العظيمة.. ويامائة خسارة يا مصريين.. مبروك عليكم الخريف العربي.. بذمتكم فى حد فى الدنيا عمل ثورة وانتهت بأن التيار الأصولى هو الذى يستولى عليها.. وهو يستحق مائة ثورة على أفكاره السحيقة فى القدم.. عجبت لك يا زمن!