محمد بغدادي
الانفلات السياسى والانفلات الأمنىوجهان لعملة واحدة
قبل أن نلوم جيوش البلطجية المنطلقة فى شوارع مصر.. بلا خوف من حساب.. ولا رادع.. ولا قانون.. وقبل أن نحلل سيكولوجية الإنسان المصرى بعد الثورة.. وكيف انتهينا إلى ما نحن فيه من فوضى فى كل شىء: الأمن.. المرور.. والخبز.. والبطالة.. الكهرباء والوقود.. وقد كنا نتباهى فى بداية الثورة أن ثورتنا جاءت على غير كل التوقعات سلمية.. فلم تكن ثورة جياع.. ولكنها ثورة الشباب المتعلم من أبناء الطبقة المتوسطة.
ولكن بعد انهيار الاقتصاد.. والسياحة.. والبورصة وهروب الأموال والمستثمرين إلى خارج الحدود انقطعت أسباب الرزق.. وبرزت على السطح ثورة الجياع.. ولكن لم تكن هذه المرة فى شكل ثورة ولكن فى شكل بلطجة عنيفة دامية وقاسية.. ولا ضمير ولا أخلاق.. وقبل أن نحاسب البلطجى على انفلاته الأمنى.. وقبل أن نحاسب الشرطة على يدها المرتعشة أو خوفها من الحساب.. أو تقصيرها المتعمد.. قبل كل ذلك لا بد أن نحاسب السياسيين على انفلاتهم السياسى أيضًا.
فكما توجد بلطجة غاشمة فى الشارع المصرى توجد أيضا بلطجة سياسية يلعب دور البطولة فيها رجال السياسة الذين أفرزتهم الثورة وصاروا نجومًا سياسيين يملاءون الشاشات والصحف والمجلات ويتصدرون المشهد السياسى.. فالانفلات السياسى والانفلات الأمنى وجهان لعملة واحدة.. وبلطجة الشارع المصرى.. وبلطجة السياسى.. أيضًا وجهان رديئان لعملة واحدة.. عملة سيئة السمعة.. ذات رائحة كريهة نزكم الأنوف.
فعندما يلتهم كلب فى شبين الكوم «دكر بط» فيقوم صاحب «دكر البط» بضرب صاحب «الكلب» بطلقات خرطوش فى الرقبة فيرديه قتيلاً فى الحال.. وعند يقوم خمسة ذئاب باختطاف فتاة عمرها 26 سنة فى السويس ويتناوبون اغتصابها فى شهر رمضان.. ناهيك عن المعارك الكبرى والمواجهات الجماعية فى أسيوط وسوهاج وبنى سويف والمنيا ودهشور والإسماعيلية والقائمة طويلة وموجعة للقلب والأعصاب.. عندما نتأمل المشهد الإجرامى الدامى.. قد تتألم وتصاب بالإحباط واليأس فى إصلاح أى شىء.
ولكن إذا نظرت للوجه الآخر من العملة وتقرأ المشهد السياسى جيدًا.. ستصاب بقدر أكبر من الإحباط واليأس فى إصلاح أى شىء أيضًا.. ففى الوقت الذى يغتصب فيه الذئاب الخمسة فتاة بعد اختطافها.. والجريمة هنا تقع آلامها على تلك الضحية المسكينة وأهلها وذويها.. ولكن عندما يختطف دستور بلد بأكمله بحجم مصر.. ويغتصب الدستور ويتم كتابته على هوى فصيل سياسى واحد امتلك «الأغلبية» فى غفلة الزمان.. بواسطة إجراء انتخابى باطل.. وتشكل الجمعية التأسيسية من قبل برلمان منعدم الوجود بحكم قضائى نافذ.. وتشكل الجمعية للمرة الثانية وهى مطعون فى سلامة تشكيلها.. وينسحب منها فقهاء دستوريون محترمون.. وتصر الجمعية على مواصلة عملها.. ويصر الإخوان المسلمون والسلفيون على مواصلة العمل وكتابة الدستور رغم أنف الجميع.. ومن لا يعجبه ذلك فليشرب من البحر.. أليست هذه بلطجة سياسية.. وانفلاتًا سياسًا أشد خطرًا وجرمًا من بلطجة السيوف والخرطوش والمولوتوف.. فمن يغتصب فتاة يؤذى أسرة.. ولكن من يغتصب دستورًا فهو يؤذى 85 مليون مواطن مصرى لهم نفس حقوق أعضاء هذه الجمعية المحكوم ببطلانها من قبل جمعية.. يصر الإخوان والسلفيون على الإسراع بتفصيل دستور مصر على هواهم.. ولم يقبلوا حتى بتأجيل أعمال الجمعية حتى يتم الفصل قضائيًا فى أمر هذه الجمعية.
فعندما التهم «الكلب».. و«دكر بط».. قام صاحب دكر البط بقتل صاحب الكلب.. فبالله عليكم.. ماذا يفعل المواطن المصرى إذا علم أن هناك فصيلاً سياسيًا إلتهم الدستور بأكمله؟.. والآن يلتهم الإعلام.. وفى سبيلة لالتهام التعليم.. والشباب والرياضة.. والشرطة ويريد أن يحول الجيش إلى جيش تشريفات وفرق لمقاومة الإرهاب والبلطجة.
هنا بلد بأكمله يُلتهم.. ويُغتصب دستوره عنوة.. والآن نحن فى طريقنا إلى مرحلة تكميم الأفواه.. وقصف الأقلام.. وإلغاء القنوات.. ومنع المعارضين من الظهور فى تليفزيون الدولة.. نحن مقبلون على أخَوَّنة كل أجهزة الدولة.
لقد قضى الأمر يا ملك.. السجن لى.. والقهر لى.. ومُلك مصر لك.. لك.. لك وحدك.
لقد وعدونا بحكومة «تكنوقراط».. فإذا بها.. حكومة «تكنو إخوان».. وعندما يتم إدخال أبناء السياسيين والأصوليين والمتطرفين إلى كليات الشرطة والكليات الحربية: فأنت تهدم أول ركن من أركان المؤسسات الأمن الوطنى.. فالحياد هو ركن أصيل فى جنود مصر وضباطها وصف ضباطها.. وتلوينهم بالسياسة سيكون أول مسمار يُدَق فى نعش هذه المؤسسة العريقة التى تصدت للعدوان الخارجى الذى وقع على مصر وعلى الأمة العربية والإسلامية.. لقد كان ومازال وسيظل «بإذن الله» جيش مصر هو درع مصر والأمة العربية منذ الحيثيين والهكسوس.. فهذا الجيش العظيم تصدى للتتار والمغول والصليبيين والصهاينة بفضل حياده وعدم تبعيته لتيار سياسى بعينه.. إنه جيش مصر الوطنى الذى يتصدى للدفاع عن تراب مصر.. وعندما تدخل إليه كل ألوان الطيف السياسى فنحن سنحوله لجيش عميل للسلطان.. وبدلاً من الدفاع عن الوطن سيدافع عن الحاكم الظالم أو حتى الحاكم العادل.. أى أنه سيتحول مثل الجيوش التى سقطت عند أول صرخة فى وجه الظلم.. ولكن من أسباب نجاح ثورة 25 يناير.. أن هذا الجيش لم يمتثل لأوامر مبارك.. ورفض أن ينفذ أوامره بضرب المتظاهرين.. وأجبره على التنحى حماية لأوراح المصريين.
أليست محاولات تلوين الشرطة والجيش بألوان تيار الإسلام السياسى بداية لتلوين الولاء.. وتفتيت الجيش لقد منع الدستور فى جميع مراحله عمل أفراد القوات المسلحة والشرطة بالسياسة.. ومنعهم من المشاركة فى الانتخابات لا بالتصويت أو الترشح إلا إذا زالت عنه صفة الانتماء للمؤسسة العسكرية أو الشرطية.. والآن سنقضى على هذا الحياد.. وسنحول الولاء للوطن إلى ولاء لتيار سياسى.. وهذه هى بداية النهاية لمؤسسات عريقة شهد لها العالم كله بالكفاءة والشجاعة والبسالة والوطنية والانتماء.. منذ رمسيس الأول حتى نابليون وهتلر.
وعلى الجهة الأخرى.. أمامنا عدة أجيال سوف يتم تسييس أفكارهم منذ دور الحضانة والمدرسة الابتدائية ومرورًا بالمرحلة الإعدادية والثانوية.. ونهاية بالجامعة.. كل الأجيال المقبلة سيتم «اللعب فى دماغها» وتسيسها.. وكما تم غسيل مخ المصريين على مدى 3 عقود فى دول النفط.. ستبدأ عمليات غسيل المخ عينى عينك داخل مصر.. وبواسطة وزراء الإخوان الذين سيصنعون سياسة التعليم وفقًا لبرنامج الحرية والعدالة.. ومناهج مكتب الإرشاد ليضمنوا ولاءهم على مدى الأجيال المقبلة.
وهذا ما سيحدث أيضًا فى المجلس الأعلى للشباب والرياضة.. وهنا سيكون الخطر أكبر.. حيث برمجة الشباب فى عمر مبكر بلا ضوابط ولا مناهج ولا معايير علمية قد تكون ملزمة فى العملية التعليمية.. أما فى مراكز الشباب والرياضة فحدث ولا حرج.. وفى الإعلام فينتظرنا جميعًا ترسانة من القيود والأحكام المكبلة للحريات ربما يصل الأمر إلى تصفية اتجاهات بعينها وإقصائها من المشهد الإعلامى لصالح أخونة الدولة المصرية.
نحن نلوم البلطجى الذى اغتصب فتاة أو التهم كلبه «دكر بط».. ولا نلوم السياسى الذى التهم بلدًا واغتصب دستور وطن تعداده 85 مليون مواطن.. إننا فى منعطف خطير.. فانتبهوا أيها السادة.. فالانفلات والبلطجة السياسية أشد خطرًا من الانفلات الأمنى وبلطجة الشارع المصرى.. ولك الله يا مصر.. ولا عزاء للشهداء والمصابين.. فقد قضى الأمر.. فاستعدوا لثورة جديدة لن تكون أبدًا سهلة.










