الجمعة 29 مايو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
احمد باشا
روزاليوسف واليوم الأخير!

روزاليوسف واليوم الأخير!

أظن أن الساعات الأخيرة فى حياة السيدة «رزواليوسف» وقبل وفاتها بساعات كانت ملحمة إدارة فى حب الحياة وعشق العمل وغرام لا ينتهى بمجليتها روزاليوسف وصباح الخير.



كانت روزاليوسف فى سنواتها الأخيرة تعانى من عدة أمراض وحسب اعترافها «أعانى بلا خطورة من المرارة وأعالجها علاجًا بسيطًا، كما أننى مريضة بضيق فى شرابين الساقين لكنى أقف صلبة أمام المرمض ومن صلابتى أستمد شقائى!! وحتى يوم وفاتها يوم عشرة إبريل سنة 1958 كانت فى دار روزاليوسف تباشر عملها بغير كلل أو مللل وعن تفاصيل اليوم الأخير كتب الأستاذ «إحسان عبدالقدوس» يقول:

الحياة تسير فى يسر والنشرة الجوية تؤكد أن الجو معتدل وأن الدار كلها تبتسم وتحملنى الابتسامات إلى مكتبى واجلس فى استرخاء أقلب فى الصحف وأرشف فنجان القهوة وأنفث دخان سيجارتى.. لا شيء يقلقنى ولا شيء أخافه، إنى مطمئن.. مطمئن إلى يومى ومطمئن إلى غدى..

ويسرى فى الدار صوت رقيق عذب كأنه صوت طفة كل ما يميزه عن صوت البنات أن فيه رنة حزم ونبرة ثقة، لم يكن صوتًا عاليِا ولكنه كان صوتًا لا يذوب تتسع موجاته فى هدوء وتتعدى الجدران حتى تصل إلى بعيد، ووصل الصوت العذب إلى مكتبى فطويت الصحف بسرعة وأبعدت عنى فنجان القهوة، وأسقطت السيجارة من بين أصابعى وأمسكت بقلمى وبدأت أعمل كالتلميذ عندما يحس بمقدم أستاذه!

لقد وصلت الأستاذة إلى الدار وسمعت صوت أقدامها تصعد السلم ربما سمعته بخيالى ولكننى سمعته وجاءت سكرتيرتى «نرمين» تقول لى : الست طلعت فوق فى الإدارة!

وبعد فترة سمعت صوت أقدامها وهى تنزل وجاءت «نرمين» تقولى لى: الست نزلت تحت فى المطبعة!!

ثم سمعت صوت أقدامها تصعد مرة ثانية وقالت لى نرمين: الست فى مكتب الأستاذ «بهاء» «رئيس تحرير مجلة صباح الخير»

ثم جاءت «نرمين» بعد فترة لتقول: الست فى أوضة الرسامين! 

ولم أكن فى حاجة ليقول لى أحد أين أستاذتى.. إنى أتبعها بقلبى أينما كانت انى أحس بها فى كل مكان تكون فيه. وفى هذا اليوم الذى كنت أشعر فيه بالاطمئنان على يومى وغدى.. كنت أنتظرها لتدخل إلى مكتبى كعادتها بعد أن تتم جولتها فى الدار.. كنت أنتظرها وقلبى يدق كأنى على موعد حبيبتى، وهى حبيبتى، وجاءت حبيبتى.. ووقفت قافزًا كأنما جاء فى ركابها موكب العظماء، وخطوت إليها وأنحنيت أقبل يدها وأرفعها إلى جبينى كما عودتها.. وقبلتنى فى جبينى كما عودتنى، ثم ضمتنى إلى صدرها.. إلى قلبها.. القلب القوى الذى تفيض نبضاته حتى تشمل الحياة كلها.. القلب الذى استمع إليه طبيب منذ شهرين فقط وقال إنه قلب فتاة فى العشرين.

وكان معى صديق انحنى هو الأخر يقبل يدها ويرفعها إلى جبينه.. إن كل أصدقائى منذ كنا صغارًا يقبلون يدها.. أمومتها كانت تسعنا جميعًا.. والتفتت إلى وبين شفتيها ابتسامتها الحلوة وقالت: إزيك النهارده يا حبيبى؟!

إنها تنادينى دائما حبيبى، قلت وأنا أشعر بصباى.. إنى لا أشعر أبدًا بكهولتى ما دام لى أم: الله يسلمك يا ماما:

إن لفظ ماما وحده يكفى ليصون لى صباى وشبابى قالت وابتسامتها تتسع: مبوز النهارده واللا بتضحك؟!

قلت: بأضحك: قالت: أوعى تبوز عايزة أشوفك بتضحك دايمًا!

وكان لا يضايقها منى إلا أن ترانى «مبوزًا» وأنا «أبوز» عادة وأنا أعمل وأنا أقرأ وأنا أكتب وقد ظلت طول حياتها تقاوم هذه العادة.. كانت تريدنى دائما ضاحكًا.

وكنت على موعد لعقد اجتماع خاص بالشئون الادارية فأصرت على أن أترك المكتب وأذهب إلى النادى لأستريح، قالت فى صوتها الرقيق الذى تميزه رقة الحزم:

- الساعة بقت إتنين.. انزل أنت وأنا أحضر الاجتماع وحاولت أن أعترض ولكنها أصرت وتركتنى على وعد منى أن أذهب إلى النادى ولكنى لم أذهب وبقيت حتى الساعة الثالثة ثم استنتجت أن الاجتماع لن يعقد فتركت مكتبى واتصلت بها بالتليفون بعد نصف ساعة فوجدتها لا تزال فى مكتبها، وألححت عليها أن تذهب إلى البيت فرفضت وأصرت على الرفض إلى أن استسلمت لرفضها.. 

وكان هذا آخر ما رأيته وما سمعته من حياة أمى! وللحكاية بقية!