الإثنين 3 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
احمد باشا

«ليلتكم سعيدة» إبداع تجاوز خيال المؤلف!

دأب المخرجون على إعادة قراءة وصياغة الأعمال المسرحية العالمية أو الروايات الأدبية، فى قالب فنى يوائم المجتمع المصرى مع الاحتفاظ بنكهة كاتبها الأصلي، أو قد يحتفظ بالعمل ولا يقترب منه بالحذف والإضافة، بينما أحيانا قد يضيف البعض رؤية مناقضة لرؤية المؤلف، أو قد يسطح رؤيته من الأساس وتضيع ملامح المعنى المقصود، لكن نادرا ما يمتلك الكاتب والمخرج خيال لاستكمال ما أبدعه المؤلف أو إتمام ما نقص منه فى روايته، أن يكمل له ما لم ير هو نفسه أهمية لإكماله وإتمامه هذا ما فعله تحديدا المخرج والكاتب المسرحى خالد جلال فى عرض «ليلتكم سعيدة» المأخوذ عن «مغنية الكورس» لأنطون تشيكوف.



كتب تشيكوف مجرد ملامح لأزمة زوجة اكتشتفت خيانة زوجها، وذهبت إلى المطربة الشهيرة كى تواجهها بخيانته معها وتبتز مشاعرها، بالتوسل والركوع أمامها، كى تمنحها جزءا من الهدايا التى اكتنزتها من زوجها، لتفك بها الضائقة المالية التى تتعرض لها بسبب اختلاسه أموالا من عمله، لأنه على حد قولها مهدد بالسجن وترك أبناءه يموتون جوعا بسببها، فى هذه اللحظة وبعد توسلها وركوعها يخرج الزوج من مخبأه حزينا دامعا، على ما وصل إليه حال زوجته الطاهرة الشريفة ابنة الأصول تركع أمام غانية، هذا ما استوقفه وجعله يخرج هاربا من عش عشيقته وهو يبكى.

«ليلتكم سعيدة»

انتهت هنا أحداث قصة تشيكوف القصيرة المختزلة التى استعرض فيها أخلاقيات وتناقضات اجتماعية ومشاعر إنسانية فى سطور وصفحات قليلة، ربما تقرأ هذه القصة وتفهم من بين سطورها، أن الزوج بالفعل أشفق على زوجته، وشعر بالخزى والعار مما اضطرت إلى فعله أمام عشيقته حتى وصل بها الأمر إلى ابتزازها وسرقة كل ما تمتلكه من أشياء ثمينة مقابل خيانتها معه، وبالتالى يشاهد الزوج زوجته الشريفة عالية المقام فى وضع شديد الانحطاط، ربما تصبح فيه أقل قدرا من الغانية فى عينه، أو ربما تقرأها بأن كليهما الزوج والزوجة اتفقا على هذه السيدة وقرروا سرقتها وابتزازها وبالتالى التمثيل عليها، لكن كيف قرأ وقدم خالد جلال هذه الملامح القصيرة والخطوط العريضة لقصة قد تحتمل أكثر من معنى، مثل «الترزي» الذى تمنحه قطعة قماش فاخرة صغيرة الحجم، لكنه يتمكن من تهيأتها وتوضيبها وتفصيل ثوب شديد الأناقة والجمال، مفعم بالتطريز والتفاصيل فى حين أنه كان مجرد قطعة قماش صغيرة فى عينك، لا توحى لك بأن تثمر هذا الثوب العظيم!

من الرواية للمسرحية

فى «ليلتكم سعيدة» فرد جلال قطعة القماش الصغيرة وكبرت بين يديه لتصبح «توب كبير»، فى منزل الراقصة درية وعشيقها فريد يتردد عليهما فى كل مرة شخص يدعى أن زوجة العشيق استأجرته، كى يكشف لها حقيقة خيانة زوجها، فى المرة الأولى بدأت بمحقق لا يترك المكان سوى بعد حصوله على ثلاثمائة جنيه مقابل صمته عن الحقيقة، ثم تأتى صاحبة الأتيليه التى تتعامل معها درية وتساومها فى مقابل أن تصمت عن ضبطهما معا بمنزلها وتهددها بأعمامها الكثيرون، ثم تأتى ابنة الزوج وتفعل مثلهم، وفى النهاية تأتى الزوجة نفسها والتى تكون أشد ابتزازا وعنفا فى الحصول على جميع مجوهرات الراقصة، وفى المشهد الثانى نكتشف أنهم عائلة واحدة قررت عمل تشكيل عصابى وسرقة أموال الراقصات الزوج والزوجة والابنة وخطيبها وأخت الزوجة، وينتهى بهم الحال فى السجن بعد فضح أمرهم على يد الراقصة درية!

دراما لم تكتمل

فتح الكاتب مساحات لشخصيات أخرى لم يرد الإشارة إليها ولو من بعيد فى القصة الأصلية أو ربما لم يخطر بذهن مؤلفها أن تتحول يوما إلى كوميديا اجتماعية ساخرة على خشبة المسرح، وكأن خالد جلال قرر أن يكمل دراما لم تكتمل فى «مغنية الكورس»، ما لم يفصح عنه تشيكوف فى قصته القصيرة أضافه جلال فى مسرحيته الكبيرة، التى برغم الظروف والشكل الذى قدمت فيه إلا أنه قدمها مكتملة العناصر والأركان سواء فى الرؤية الكوميدية التى قدمت بها أو فى اكتمال عناصر الصورة بالملابس والديكور والإيقاع شديد الدقة والانضباط وبراعة التحويل من رواية صغيرة الحجم إلى مسرحية حقيقية، فيها طعم ومذاق الكوميديا المغزولة بحس عال، عن طريق استخدام جمل والفاظ ومنهج تكرارها ثم اختيار شكل الأداء التمثيلى القريب من الافتعال كعهد الأفلام السينمائية فى وقت سابق، أقيم العرض فى ظروف استثنائية نظرا لأزمة جائحة فيروس كورونا وتم تصويره للعرض على شاشة قناة وزارة الثقافة باليوتيوب على خشبة المسرح القومي، لكنه قدم وكأنه عرض مسرحى حى سيشاهده الجمهور داخل قاعة العرض، لم يستسهل المخرج، أو يتهاون فى أى عنصر من عناصره الفنية خرج فى قالب فنى ممتع بديع.

شخصيات الكاريكاتيور

استخدم الممثلون منهجا فاتنازيا، أقرب للشخصيات الكاريكاتيورية فى أداء أدوراهم، علت نبرة الأداء الكاريكاتيورى المبالغ فيه من الزوجة مريم السكري، وفى تريديها الدائم لجملة «إذن صحيح؟!».. لصنع مزيد من الضحك والسخرية فى افتعال ثورتها على زوجها، وكذلك أخت الزوجة مروة عيد التى ادعت أنها صاحبة أتيليه ملابس لسيدات مجتمع محترمات، ثم انخفضت النبرة لدى باقى الممثلين وكأنهم بالفعل مجموعة من الكورس صنعوا كوميديا اعتمدت على التضخيم والمبالغة بالجمع بين اللغة العربية الفصحى والعامية القديمة، مزيج ممتع صنعوا منه كوميديا غير تقليدية جديدة على المسرح، التزمت الشخصيات بهذه النبرة الساخرة لأنهم فى الواقع شخصيات كاذبة تشعر بنشوة الانتصار وتجلى الزيف أمام تلك الراقصة التى جردت مما تملك أمام ابتزازهم لها، استطاعت مريم السكرى أن تلفت نظر الجميع بأدائها الكاريكاتيورى الساخر المبالغ فيه، والذى رسم لها ملامح وشكل جديد فى صناعة كوميديا من طراز رفيع بحركة الجسد ونبرة الصوت العريضة، وكذلك كانت مروة عيد التى اتقنت واحسنت أداء دور النصابة صاحبة الأتيليه الفضولية بشكل آخر وأداء مختلف لم تتشابه فيه مع نظيرتها السكري، وإن اشتركا فى نفس نوع التضخيم والمبالغة بالأداء الكاريكاتيورى، ثم تحول هذه الشخصيات فى المشهد الثانى إلى كائنات بسيطة يعيشون فى منزل قديم، ليتبدل هذا الأداء الفخم لأصحاب المقامات العالية إلى مجموعة من الطبقات الشعبية السوقية، بالطبع انخفضت نبرة المبالغة مع محمد على رزق أو فريد الزوج المتآمر لكنه حرص بالحفاظ على اتزان الأداء الذى يحمل شبهة الإفتعال وهو شكل الأداء التمثيلى فى حقبة زمنية معينة والذى أصبح مثار سخرية اليوم، ثم خفة ورشاقة روحه على المسرح فى تحوله إلى حقيقته كرجل سكير نزل من مقامه العالى إلى احط الطبقات الشعبية، وهنا يؤكد رزق ويبالغ فى التأكيد على انه ممثل متنوع يجيد لعب كل الأدوار بمهارة وحنكة واحتراف وكأنك تشاهد فنان كبير امتلك من الخبرة ما مكنه من مفاتيح مهنة التمثيل، ونديم هشام المحقق النصاب الذى قدمه بأداء ممتع رشيق ثم نراه وهو خطيب الفتاة الصغيرة شخصا آخر، بسنت صيام الراقصة المخدوعة التى تقدم نفسها بتركيز وقوة فى أول عمل مسرحى احترافى على خشبة المسرح القومي، وكذلك ألحان المهدى الطفلة الصغيرة الرشيقة التى كانت تنتقل بخفة وعذوبة بين المبالغة والزيف والأداء الطفولى ثم الفتاة فى حى شعبي، مواهب متنوعة متعددة الأطياف والأمزجة اتحدت فى لوحة كاريكاتيورية ساخرة رسمها خالد جلال بريشته وعقله المسرحى المدبر، بدأت من افيش العمل الذى اجتمعوا فيه وكأنه إعلان عن أقتراب موعد افتتاح أحدث فيلم سينمائى قادم من القرن الماضي، ثم إكتمل بريق هذه اللوحة بأزياء وألوان مصممة الملابس هالة الزهوى التى استطاعت تقديم تحول الشخصيات فى الشكل والملابس بدقة شديدة، وكذلك مصمم الديكور عمرو عبد الله الذى صنع حلولا سحرية على المسرح القومى كى يربط بين مشاهد الزوجة التى تظهر لنا فى أحد جوانب المسرح، وكأنه منزلها الفاخر وبين انتقال الزوج وهو فى منزل الراقصة، لحظة تخيل حكى ابنته لها عن مدى حب وانسجام والدها ووالدتها معا فى ليالى أنسهما، يظهر الزوج فى مشهد وكأن الفتاة تستعيده من الذاكرة، لنرى فريد مع زوجته فى المنزل بينما هو أمام الجمهور مختبىء وراء البار، ثم يعود لوضع اختباءه من جديد دون أن يلحظه الحضور، وكأنك تشاهد خدعة سينمائية على خشبة المسرح، دقة وبراعة واتقان وإجادة عالية وخيال غير محدود فى تحويل وصياغة قصة قصيرة ليولد منها عرض مسرحى متماسك، من «مغنية الكورس» إلى «ليلتكم سعيدة» إبداع لم يحده خيال مؤلف!