د.عزة بدر
سر الحياة
نحن جميعًا أبطال وجودنا، وغالبًا ما يكون الأبطال المجهولون هم من يتركون البصمات الأكثر «ديمومة»، ويصف باولو كويليو الأديب البرازيلى الشهير هذه البطولة بأنها الأسطورة التى يصنعها كل واحد لنفسه، ويسمى كل باحث عن الأمور الدائمة بفارس النور الذى يحرص على الأواصر التى نشأت بقوة مع الزمن، ويحسن التمييز بين العابر والأبدى.
ويحكى فى كتابه «كالنهر الذى يجرى»، الذى صدر عن المجمع الثقافى المصرى، وترجمه إلى العربية خالد صاوى فيقول كويليو: إنه عندما تقدم بترشيحه للأكاديمية البارازيلية للآداب، ودخوله فى تواصل مع أعضائها سمع الأكاديمى خوسيه مونتيللو يقول: «على كل إنسان أن يسير على الطريق المار بقريته».
ويفسر كويليو لماذا؟، وما فى هذا الطريق بأنه تلك القوة التى تدفعنا نواجه التحديات، ونحن نعلم أن مجد العالم عابر، وهذا الدافع الداخلى هو البحث عن معنى الحياة، فالاختيار الذى نقوم به لاتباع أسطورتنا الشخصية، والإيمان بالنضال من أجلها هو المهم، ويشبه الحياة وكأنها سباق دراجات كبيرة هدفه إنجاز الأسطورة الشخصية، وهى مهمتنا على هذه الأرض كما يقول قدماء الخيميائيين، وفى سباقنا الوحيد على الدراجات يجب أن نتصرف وكأننا نملك الوقت، وأن نبذل ما بوسعنا لتقييم كل ثانية، وأن نستريح عندما تكون الاستراحة ضرورية، لكن يجب علينا أن نواصل طريقنا نحو النور الإلهى.
ويستعين كويليو بقول المتصوف المصرى ذى النون «المتوفى عام 861م»، عن الموقف الإيجابى فى الحياة «يا إلهى عندما أُعير سمعى إلى حفيف أوراق الأشجار، وإلى خرير المياه وإلى زقزقة العصافير، وأصوات الحيوانات، وإلى عصف الرياح وهزيم الرعد أرى فيها دليلًا على وحدانيتك، فأشعر أنك القوة العليا، العلم الكُلى، والحكمة الكاملة، والعدل الكُلى».
ثم يعود لفارس النور الذى يدرك عميقًا كل ذلك، ويعرف أن عليه واجبات ومسئوليات وحين يؤدى واجبه، ويُحوِّل نيته إلى حركة، لا يعود لديه ما يخشاه فلقد قام بكل ما يجدر به أن يقوم به، وكويليو الذى صنع أسطورته يعشق عالم الكتابة، ويعيش حياته فى عالمين مختلفين هما عالم الحاسوب وتقنياته، وعبيرالأعشاب، وصوت الراعى الذى يُعيد نعاجه إلى الحظيرة قرب الطاحونة، ويرى فى هذا الاختلاف بين العالمين متعة عظيمة، ومن الطريف أن كويليو يحب الكتابة بالقلم الرصاص، ويعلل ذلك بأن ما يهمه فى القلم الرصاص ليس الخشب أو شكله الخارجى بل الجرافيت الموجود بداخله فاعتن دائمًا بما يحدث فى داخلك، ومن مميزات القلم الرصاص أنه يترك علامة دائمًا، وكذلك كل ما تفعله فى الحياة سيترك أثرًا.
وعن روايته الشهيرة «الخيميائى» يقول فى مقاله بعنوان: «كيف يمكن أن يوجد الكل فى الجزء؟»:
هذه الفكرة آتية من الخيمياء وهى أن كل واحد منا يحتوى فى داخله الكون بأكمله، وأنه مسئول عنه.
إنها الفكرة التى يؤكدها الشعر ونحفظ منه: «دواؤك فيك وما تبصر/ ودواؤك منك ولا تشعر /أتزعم أنك جرم صغير /وفيك انطوى العالم الأكبر».
وعن صراعه مع الكلمات يقول:
«الرسام الذى كان يُصغى إلىّ بصمت دعا الجميع إلى النظر من النافذة، وسأل:
- ماذا ترون؟
أجاب أحدهم: شارعًا فى الطريق فالصق الرسام ورقته على زجاج النافذة حيث لا نرى الشارع ثم قصِّ مربعًا صغيرًا فى الورقة وقال: وإذا ما نظرنا الآن فماذا سيرى؟
وأجاب ضيفه: الشارع نفسه، فقسًّم الورقة إلى عدة مربعات وقال: مثلما يحوى كل ثقب صغير فى الورقة الشارع نفسه فإن كلًا منا يحتوى الكون نفسه فى داخله»، ولم يكتف كويليو بتسليط الضوء على أسطورته فى الحياة والكتابة، وإنما تحدث فى كتابه عن أسطورة «نورما» البرازيلية التى تعيش فى مدريد، وقد ناهزت الستين من عمرها، ولا تكف عن تنظيم الاحتفالات والأمسيات الموسيقية، وعندما سألها:
من أين تأتى بكل هذا النشاط أجابت بأن لديها روزنامة «نتيجة حائط»، وكانت تقويمًا قديمًا مخربشًا تملكه، وقالت: “حسنًا اليوم هو يوم اكتشاف اللقاح ضد شلل الأطفال فلنحتفل لأن الحياة جميلة»، وكانت نورما قد نسخت على كل يوم من أيام السنة شيئًا جميلًا، كان قد حدث فى ذلك اليوم، فالحياة لديها مبعث دائم للفرح.
أما كويليو فيقول لكل واحد منا: لتكن كالنهر الذى يجرى، ولا تكن كالبركة الراكدة، فالنهر يجرى بسر الحياة، وسر الحياة فى جريانه.
وتلك هى كتاباته تسعى دائمًا نحو النور كالنهر الذى يجرى: «بريدًا.. أسطورة الحب والحرية»، و«إحدى عشرة دقيقة»، و«مكتوب»، و«الزهير»، «الجبل الخامس»، وغيرها، فعالمه الثرى يجرى بسر الحياة.







