رشاد كامل
إحسان عبدالقدوس: لن أرشح نفسى فى مجلس النواب!
فى شتاء عام 1957 بدأ الاستعداد لإجراء أول انتخابات نيابية فى مصر منذ قيام ثورة يوليو 1952 فقد نص الدستور الذى تم الاستفتاء عليه فى يونيو 1956 على انتخاب مجلس أمة يمثل السلطة التشريعية فى البلاد.
وفوجئ الأستاذ إحسان عبدالقدوس «بالناس والقراء يطالبونه بالترشح ليكون عضوًا بالبرلمان «مجلس الأمة»، وفى كل مكان يذهب إليه إحسان كان نفس السؤال يطارده ولما زاد الإلحاح عليه، قرر أن تكون إجابته مقالًا فى مجلس «روزاليوسف» عنوانه «لن أرشح نفسى» قال فيه:
بدأ الحديث عن الانتخابات.. وبدأ الناس يسألوننى: هل ترشح نفسك؟! والجواب دائما: لا!! لا لأن النيابة عن الأمة ليست منصبًا شرفيًا كما كانت تعد قديمًا.. ولأن حضرة النائب المحترم لا يمكن أن يكون محترمًا لمجرد أنه نائب.
إن النيابة عن الأمة مسئولية فخمة تستنزف مجهودًا عنيفًا، وحضرة النائب لا يكون محترمًا إلا إذا أخلص فى حمل هذه المسئولية ولا يمكن أن يخلص فى حملها إلا إذا تفرغ لها تفرغًا كاملًا.
ومنذ عشرات السنين وفقهاء القانون الدستورى يتساءلون «هل النيابة عن الأمة وظيفة؟! أم شرف؟!»
إذا أعتبرناها وظيفة يكون من حق الناخبين أن يطالبوا نائبهم بأن يتفرغ لمهام النيابة عنهم ويكون من حق النائب أن يطالب برفع مكافآت البرلمانية بحيث يستطيع أن يعتمد عليها فى حياته.
وإذا اعتبرناها شرفًا.. كان من حق النائب أن يجمع بين النيابة وبين مهنته الأصلية أو أى مهنة أخرى يختارها لا تتعارض مع الشرف، ولا يعود من حقه أن يطالب برفع قيمة مكافآت البرلمانية لأن الشرف لا يدفع عليه أجر، ولأن المكافأة البرلمانية فى هذه الحالة لا تمثل إلا بدل الانتقال من مقر الدائرة الانتخابية إلى مقر البرلمان أو هى مجرد بدل تمثيل واستقبال.
ويمضى مقال الأستاذ إحسان فيشرح وجهة نظر أعضاء البرلمانات أنفسهم خاصة البرلمان البريطانى ويحدد موقفه فى هذه القضية بقوله:
إن النيابة عن الأمة وظيفة وأن النائب يعتبر موظفًا لا موظف حكومة بل موظف «أمة»، وهى وظيفة لا يصح الجمع بينها وبين أى عمل آخر لأنها أكبر وأضخم من أن تفسح مجالًا أمام أى إنسان للقيام بأى عمل آخر إذا أراد أن يكون مخلصًا، وقد أخذ الدستور المصرى بهذا الرأى فرفع المشرع مكافأة النائب إلى خمسة وسبعين جنيها فى الشهر، وهو لم يرفعها إلا ليغنى النائب عن القيام بعمل آخر قد يعوقه عن أداء مهمته كنائب أداءً كاملا نزيها.
ولا أظن أن هناك إنسانا يشتغل بالصحافة والكتابة ويحاول أن يكون ناجحًا ثم يجد فى وقته متسعًا ليكون نائبًا، وجميع الصحفيين والكتاب المصريين الذين رشحوا أنفسهم ودخلوا البرلمانات السابقة فشلوا كنواب فشلًا ذريعًا ولم ينجح منهم إلا الأستاذ «فكرى أباظة» وأخشى أن أقول إن نجاحه كان على حساب عمله الصحفى!
ثم أننى أؤمن بالتخصص كطريق للنجاح، وكلما ضاقت دائرة التخصص أصبح النجاح أسهل، أنا أرفض أن ألقى محاضرات لأننى متخصص فى الكتابة، وأرفض أن أكتب القصص السينمائية أو الإذاعية لأننى متخصص فى كتابة القصة المقروءة، ورفضت أن أشتغل بالمحاماة لأنى اشتغل بالصحافة.
ولهذا لا أستطيع أن أكون نائبًا لأننى لا أستطيع أن أتخصص فى النيابة عن الأمة ولأنى لا أريد أن أكون نائبًا فاشلًا.
وهذه هى الأسباب التى تجعلنى أقول لا كلما سألنى الناس هل ترشح نفسك فى الانتخابات؟!
وكلها أسباب عامة قد يقتنع بها كثيرون ممن يفكرون فى ترشيح أنفسهم فيعدلون عن الترشيح، يجب قبل أن ترشح نفسك أن تتخلص من أنانيتك وأطماعك الشخصية وأن تسأل نفسك فى إخلاص: هل أصلح لأكون نائبًا؟! وحاول أن تحاسب نفسك طويلًا قبل أن تنتهى إلى قرار.. فالناس ستحاسبك منذ اليوم الأول الذى تدخل فيه البرلمان.. وسيكون حساب الناس عسيرًا قاسيًا أقسى مما تتصور!
انتهى المقال المنشور فى مارس 1957، ولم ينته الدرس






