الأربعاء 25 نوفمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا

سعيد الكفراوى راهب القصة يودع محراب الأدب

شغف كتابة القصة القصيرة تملكه حد أنه كلما حاول كتابة الرواية شغل عنها بقصة أخرى.. كذلك الموت شغل به وبتفاصيله فى قصصه عن الحياة حتى أفرد له مساحات فى جدلياته عن الموت والحياة، الطفولة والكهولة، الأسطورة والواقع ولأنه ابن القرية البار لم تخل قصصه من حكايات الصبر فأهلها يزرعون ويحصدون وأهل المدينة يأكلون ويدخرون للفقراء نصيبهم فى الآخرة ..تلك كانت حياة الراحل سعيد الكفراوى راهب القصة القصيرة فى محراب الأدب منذ أن شد رحاله من قريته كفر حجازى متجها إلى القاهرة حتى استقر به الحال فى إحدى زوايا مقهى ريش منصتاً إلى زعيم الحرافيش الأديب نجيب محفوظ .. وبدأت الرحلة. 



سعيد الكفراوى الذى رحل عن عالمنا فى الـ14 من نوفمبر هو من مواليد قرية كفر حجازى عام 1939 لأسرة من الأُجراء التحق بالكُتاب ثم المدرسة الابتدائية وعن قريته قال الكفراوى «منها تعلمت الصبر على الأصدقاء وعلى المنافسين، وعلمتنى أنه لا شيء يضيع ولا شيء يفنى، وأنت وما تقدمه، كما علمتنى كيف أتصدى لأية مظالم. وعلمتنى الكتابة الجيدة، التأمل والسؤال، فالوجود والعدم موجودان فى هذا المكان، وفيه اكتشفت سؤالى الأول، هى قهر للسعادة وصبر للمجموع، والبيوت القديمة مأوى لأحزان الناس وتطلعاتهم، وإحساسهم تجاه الواقع، فالحياة رحلة تقضيها، ثم تقابل وجه رب كريم.

 

حياة القرية

 

وعن تلك الفترة فى حياته قال سعيد الكفراوى فى حوار سابق له مع «روزاليوسف» لم يكن فى قريتى أحد مولع بالقراءة وحبى لها لم يكن بوعى للدخول إلى عالم الكتابة هو استهواء.. فأبناء جيلى كانوا يلعبون الكرة ويسبحون فى الترعة وأنا أجلس على الشاطئ أقرأ للمازنى وعباس العقاد وعبدالرحمن الشرقاوى ومحمد عبدالحليم عبدالله ثم ظهر نجيب محفوظ ويوسف إدريس ويحيى حقى، حب القراءة فك عقدة لسانى منحنى قدراً من الفصاحة والاختلاف، والقراءة الأولى دفعتنى إلى السينما فى المحلة الكبرى التى كانت تبعد عن قريتنا 5 كيلومترات ونهر وبها أربع سينمات، ضاع بها ربع عمرى تقريباً من منتصف الأربعينيات كنت أشاهد ثلاثة أفلام متتالية تنتهى فى منتصف الليل، أقف على شط النهر ولا أجد من يعيدنى للمنزل ثانية فأضطر للعودة إلى المحلة لأسلك طريقاً آخر فأجد والدى قد أغلق أبواب المنزل ولا أجد لى مأوى إلا المسجد وفى الطريق المظلم عشرات القصص التى تستحق الكتابة وهذا ما أسميه بإحساس الفقد، حبك لشىء لا تستطيع تملكه وحرمانك منه.

الإبهار هو الحالة التى تملكت سعيد الكفراوى عند وصوله إلى القاهرة فى أحد أعياد ثورة يوليو فى الخمسينيات وكان لديه شغف فى مقابلة نجوم السينما فى استقباله يسيرون بشكل عادى فى شوارع القاهرة، وأدهشه طول الشوارع وقلة السيارات المارة.. وكأى قروى فى زيارته الأولى للعاصمة جلس تحت تمثال سعد زغلول يسأل نفسه إلى أى منزل «من النجوم» ينتهى هذا الطريق أو ذاك.. وميدان التحرير كان به النافورة وأشجار مفتوح على النيل والمصريون فى الميدان يغنون أغنية نجاة «يا حمام البر رفرف» كلمات صلاح جاهين فكرت وقتها أن أصرف ما فى جيبى وأعود إلى قريتى سيراً على الأقدام لكننى تراجعت.

 

جيل الستينيات

 

وعن جيله من الكتاب النازحين إلى القاهرة فى الستينات قال الكفراوي»جيل الستينيات من الكتاب نزل إلى القاهرة يحمل حلماً بتغيير العالم ثورة الطلاب فى فرنسا 1968 وكانت هزيمة يونيه 1967 المروعة وقبل لقائى بأبناء جيلى كنت متابعاً للمسرح شاهدت أعمالا ليوسف إدريس نعمان عاشور ميخائيل رومان ومحمود دياب ولطفى الخولى نجوم الستينيات وزهوة المسرح المصرى فى هذا الزمن.. لم أعرفهم فى الواقع أو أماكن تجمعهم وعندما نزلت مجلة جاليرى 68 معبرة عن هذا الجيل فاندهشنا فى الكتابة فيها ورأينا أسماء مثل صنع الله إبراهيم عبدالحكيم قاسم إبراهيم أصلان أمل دنقل محمد عفيفى مطر.. إبراهيم منصور.. ويحيى الطاهر عبدالله ومحمد مستجاب والأبنودي.. فإحدى الليالى فى حديقة الأزبكية رأيت شابا أسمر نحيلا كان جمالى الغيطانى واقف يتحدث إلى شخص آخر عرفته بنفسى فوجدته يعرفنى ويقول أنه قرأ لى قصة قصيرة فى مجلة نادى القصة فسألته أين يجلس الأدباء الشبان على مقهى ريش مع الأستاذ نجيب محفوظ انتظرته يوم الجمعة وذهبنا سوياً كانت موائدها مثبتة فى الأرض مفتوحة على الشارع ونجيب محفوظ يجلس ويلتف حوله ما يقرب من أربعين كاتب.. أنا لم أبرح مكانى فى ريش منذ ذلك اليوم.. سافرت إلى المحلة ونقلت عملى فى بنك التسليف إلى نظيره فى بنها واخترت المرج أقرب مدينة فى القاهرة «وظيفتى التجارة»، اخترت التجارة لأن الظروف لم تتح لى اختيارا آخر. سكنت عزبة النخل القريبة من المرج كنت آخذ القطار إلى وسط البلد.. ليلحق اسمى بركب هذا الجيل.

 

إبداع سعيد الكفراوى

 

أصدر الكفراوى مجموعات القصص التالية: مدينة الموت الجميل، سترة العورة، سدرة المنتهى، مجرى العيون، دوائر من حنين، بيت للعابرين، كشك الموسيقى، البغدادية، حكايات عن ناس طيبين، يا قلب مين يشتريك؟ وشفق ورجل عجوز وصبي. ولديه قصة قيد النشر هى “قمر فى حجر الغلام”. وقد ترجمت أعماله إلى الإنجليزية عبر مجموعات كاملة، وكذلك إلى الفرنسية والألمانية والعبرية.

وأنتجت مؤسسة السينما العراقية فيلماً عن قصته “الفلاح والرئيس”، بعنوان “مطاوع وبهية”. كما حصل الكفراوى على جائزة السلطان قابوس للقصة القصيرة.

ينسج القاص سعيد الكفراوى قصصه على مهل، من خيوط الحياة والموت، الواقع والأسطورة، القرية والمدينة، ليلامس بهذا العديد من جدليات الحياة وتناقضاتها. وهو يرى أن الفنون جميعها وسائط يحقق الإنسان من خلالها شغفه، ويجد فى القصة القصيرة الشكل الأمثل لما يريد أن يكتبه. هذا الإخلاص جعله من رواد القصة، إذ برزت تجربته فى الستينات من القرن الماضي، وعرفها الناس فى العالم العربى بتوسع كبير، كما ترجمت إلى لغات مختلفة.

جمع سعيد الكفراوى فى «حكايات عن ناس طيبين»، مجموعة من الإضاءات التى سبق أن نشرها فى مناسبات متفرقة، ويجمع فى كتابه هذا عبر 242 صفحة من القطع المتوسط، ذكرياته الممتدة من الطفولة، وقال فى حديثه عن كتابه هذا: “رحم الله ذلك الشاعر القديم الذى رأيته غلاماً، والذى كان يقف بهياً وسط احتفالية مولد سيدى إبراهيم الدسوقي.

وعن إلهامه فيما يكتب قال الكفراوى «نحن لا نكتب، الحياة تعلمنا كيف نكتب، كما يقول أحد الأدباء، نكتب مستعينين بالخبرة وليس بالواقع، ونحن لا ننقل الواقع، بل يمر من خلال مخيلتنا ليكون فناً.

 

بطل الكرنك

 

عن قصته مع رواية الكرنك لنجيب محفوظ قال الكفراوى «عمق العلاقة مع نجيب محفوظ كانت عندما تم القبض على فى المحلة أوائل السبعينيات وسُجنت فى القلعة لمدة 6 أشهر وخرجت بعد وفاة عبد الناصر بأسبوع.. ذكرى خروجى من المعتقل هذه الأيام ذهبت إلى مقهى ريش وجدت الأديب الكبير يجلس وحده وطلب منى أن أقص عليه قصة اعتقالى بأدق التفاصيل فأخبرته بعدها فاجأنى محفوظ بقوله «يا كفراوى أنت إسماعيل الشيخ»، الدور الذى جسده نور الشريف فيما بعد فى فيلم الكرنك.. وشرفنى اختياره لشخصى بطلاً لروايته.