رشاد كامل
لماذا رفض إحسان طلب يوسف السباعى؟
ذات يوم فوجئ الكاتب إحسان عبدالقدوس بصديقه الأديب الكبير يوسف السباعى يطلب منه كتابة بحث فى الأدب العربى ليشارك به فى مؤتمر الأدباء العرب الذى سينعقد فى دمشق.
رفض إحسان عرض يوسف الذى غضب بشدة، وبعد أيام كان إحسان يشرح مبررات رفضه فى مقال نشره فى «روزاليوسف» بعنوان: «فن أو لا فن» قال فيه: الأدب عندى ليس بحثًا ولكنه إنتاج.. إنه قصة أو قصيدة وليس بحثًا.. إنه فن وليس نقاشًا.
وأنا لا أحاول أن أضع إنتاجى الأدبى ضمن إحدى المدارس الأدبية، لست هادفًا أو غير هادف، ولست رومانسيًا، ولا واقعيًا ولا صريحًا ولا سيرياليا ولا برجوازيا ولا بروليتاريا.. وقد يضعنى النقاد فى هذه أو تلك ولكنى عندما أكتب لا أضع نفسى فى إحداها بل أحرر نفسى من كل هذه القيود وأهدم كل هذه الحوائط وأنفض عن رأسى كل ما قرأته من أبحاث ثم أكتب.
وليس عندى إلا أساس واحد للأدب أو من به أساس لم يتغيز ولم يبتذل منذ كتبت أول قصة فى تاريخ الإنسان، ولم تستطع كل حذلقة أصحاب الأبحاث أن تغير منه شيئا، هذا الأساس هو الإنسانية نفسها.. أن يكون أدبًا إنسانيًا صادقًا.. أن يعرض الإنسان على حقيقته بكل ما يه من خير وشر، فالأديب ليس قاضيًا ليحكم على القاتل بالإعدام، بل هو يعرض نفسية القاتل فى أمانة ولو انتهى عرضه بتبرئته.
والأديب ليس سياسيًا.. ليس مطلوبًا منه أن يكون شيوعيًا أو اشتراكيا أو رأسماليا، كل ما هو مطلوب منه أن يكون إنسانًا صادق الإحساس، وتحيز الأديب لأحد هذه المبادئ يلوث أدبه وفنه ويجعله يرى الإنسان بعين واحدة ونصف قلب ونصف إحساس.
هذا رأيى، وهو رأى يغضب الكثيرين من الذين يحاولون أن يلبسوا الأدب العربى أزياء مستوردة من روسيا أو من أمريكا.. لمجرد إنها أزياء شغل إبرة، والأديب الذى ينقاد لهذه المحاولة يصبح كالفتاة الغبية التى تنتقى لنفسها ثوبًا لمجرد أنها رأت صورته فى إحدى مجلات الأزياء ودون أن تستعمل ذوقها الخاص وتقدر ذوق الناس الذين ستبدوا أمامهم، ودون أن تقارن بين جسدها وجسد المانيكان التى رأت صورتها فى المجلة، فقد تكون سمينة لا تصلح لارتداء البنطلون وقد تكون مغضمة لا تصلح لثوب عارى الأكتاف.
ويمضى إحسان فى شرح فكرته عن الأدب قائلاً: لا اعترف إلا بتقسيمة حسب موطنه، أدب روسى وأدب ألمانى وأدب أمريكى وأدب فرنسى وأدب عربى.. والتقسيم هنا ينصب على المجتمع الذى يصوره الأدب، وعلى اختلاف العقليات واختلاف الذوق الفنى بين كل وطن وآخر.
والجهود التى تبذل فى ترقية الأدب العربى يجب أن تنحصر فى جعله أدبًا عربيًا صرفا يعطى صورة صادقة للإنسان العربى فى ظروفه ومشاكله وفى عقليته وفى نفسيته.. صورة صادقة لأتصور بطولات كاذبة ولا تخلق إنسانًا خياليًا مثاليًا.. بل هو الفرد العربى كما هو.
وينهى الأستاذ إحسان مقاله بسطور مهمة قال فيها: ثم هناك تقسيم أعم للأدب.. التقسيم الذى لا يستطيع أحد من المتحذلقين أن يقاومه: أدب جيد وأدب ردىء فن أو لا فن.. والأدب الجيد يقرأ والرؤى لا يقرأ.. الفن يعيش.. واللافن يموت. تلك ببساطة ماهية الأدب بعين أستاذنا إحسان.






