الإثنين 12 أبريل 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا

من واقع الأدب العربى

«الرواية التاريخية» بين الماضى وقراءة الحاضر والمستقبل

تعد الرواية التاريخية أكثر أنواع الرواية رقيا، فهى تسمو بموضوعاتها لتحقيق أهداف ذات أهمية بالغة، إذ تسعى لإحياء وبعث ماض تليد لقراءة الحاضر والمستقبل، ويكاد يجمع أغلب نقاد نظرية الأدب أنّ هذا الجنس الروائى يعتبر دخيلا على الأدب العربي، منقولا عن الأدب الأوروبي، رغم محاولة الروائى العربى تأصيله ببعث الماضى والتراث العربي، لكنه فى واقع الأمر يجارى موضة غربية أوروبية، ظهرت فى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.



يستثمر الروائيون محكى التاريخ للكشف عن خبايا التاريخ المدون  ومع تزايد الاهتمام بكتابة رواية التاريخ، صار كثير من الساردين العرب يوجهون اهتمامهم نحو التداخل بين السرد والتاريخ، انجذاباً لما تلاقيه هذه الرواية من اهتمام قرائى ونقدي، وانبهاراً بما يتيحه المتخيل التاريخى من مساحات سردية رحبة مبتكرة. بيد أن بعض الساردين اللاحقين ظلت تعوزهم بعض المعرفة الأكاديمية بمفاهيم التاريخ ونظريات الزمان وهم يحاولون إعادة بناء التاريخ مجربين أدواتهم فى إنتاج محكى التاريخ وفق ما تجود به مخيلاتهم حول هوامش التاريخ ومقموعية فهل الرواية التاريخية تنتهك قدسية التاريخ؟

كان ظهور الرواية التاريخية فى الأدب العربى بادئ الأمر عن طريق الترجمة والاقتباس، فالنصف الثانى من القرن التاسع عشر شهد نشاطا بالغا من التعريب الروائي، فقام الأدباء العرب بالتعريب والاقتباس فى محتوى الروايات الأوروبية، منهم نجيب حداد الذى عرّب الفرسان الثلاثة لألكسندر ديماس وصلاح الدين لوالتر سكوت التى تصرف فيها وحوّلها لنص مسرحي، وفى سنة 1881 عرّب قيصر زينية رواية الكونت دى مونتجومرى لديماس، وبين عامى 1842 و1914 عرّب له ست عشرة رواية.

ويعتبر النقاد والباحثون أن زيدان هو الأب الحقيقى للرواية التاريخية العربية، ورائدها الذى مهّد الطريق لغيره، وهو أول من أدخل هذا الفن الروائى للأدب العربى والسبّاق بوضع تاريخ أمة، وهو التاريخ العربى الإسلامي، فى سلسلة روائية.

وحاول زيدان من خلال هذه الأعمال الروائية جعل الفن خادما للتاريخ وغايته فى ذلك تثقيف وتعليم النشء التاريخ.

ومن الجيل الثانى يقتحم على أحمد باكثير التاريخ الإسلامي، لينتقى منه قضايا وموضوعات روايته وا إسلاماه 1952، التى استمدت من تاريخ معركة عين جالوت مادتها، محتفيا بفكرة الجهاد فى سبيل الله، مشيدا بانتصار المسلمين على التتار برواياته الكثيرة منها سلامة القس والثائر الأحمر. واقتصر محمد العريان على تاريخ مصر الإسلامية، وخاصة فى عهد المماليك والأيوبيين فى رواياته قطر الندى، شجرة الدّر، على باب الزويلة. وقد تغير مفهوم الرواية التاريخية عنده وأصبح التاريخ المعتمد فى الكتابة الروائية هو الناس، فأصبحت تلك الكتابات تعكس تاريخ الطبقة العامة من الناس لا الأبطال المعروفين.

وتفرغ عادل كامل للتاريخ الفرعونى فى روايته ملك من شعاع، حيث جعل من أخناتون داعية من دعاة المحبة والسلام، متأثرا بنزعة شعوبية داعية للفرعونية، وفصل مصر عن العروبة، كذلك عبد المنعم محمد كتب رواية إيزيس وأوزوريس فهو يجول فى عالم الأساطير والفنتازيا، ويذهب إلى أبعد من عادل كامل.

ونجد عبد الحميد جودة السّحار مارس القص التاريخي، وأبدع بقصة أميرة قرطبة، التى أزاحت الغمام عن أسباب النكبات فى الأندلس، وقصة سعد بن أبى وقاص، وغيرهم.

أما نجيب محفوظ فلم يكن له هدف محدد يصبو إليه فى كتابة المرويات السّردية التاريخية، فقد كان فى ثلاث روايات هى عبث الأقدار، ورادوبيس، وكفاح طبية من التاريخ الفرعوني، منساقا وراء إعجابه بكتابات سلامة موسى ودعوته للفرعونية، وكان يميل للعبثية ومتأثرا بها إلى أبعد الحدود. وبلور جمال الغيطانى مفهوما جديدا للرواية التاريخية، حيث الرواية توهم بالانغماس فى الماضى وتظل قائمة فى الحاضر، بوعيه التاريخى للتقنيات السّردية الجديدة التى تحيل إلى أزمة متعددة، كما فى روايته زينى بركات، التى مزج فيها بين النص التاريخى لابن إياس بعموام «بدائع الزهور فى وقائع الدّهور».

 أما الروائى الجزائرى واسينى الأعرج فيؤرخ لفترة الأزمة الجزائرية، بروايات منها شرفات بحر الشمال، وذاكرة الماء. ورغم قرب الفترة الزمنية التى يؤرخها، فقد بحث فى تاريخ الجزائر العريق واستنبط منه أعظم شخصية قاومت الاستعمار الفرنسى وآمنت بالتفاوض: شخصية الأمير عبد القادر، فكتب الأعرج عنها رواية كتاب الأمير (مسالك أبواب الحديد).

الروائية سلوى بكر ترى أن علاقتها بالتاريخ تنصب على محاولة فهم الذات ومن نحن وكيف جئنا وكيف تشكلنا فتقول :«الكتابة بالنسبة إلى هى فعل ممتع لأنها لحظة تحقق ومصارحة ومكاشفة للذات. هى محاولة لطرح أسئلة فى مجالات مختلفة. أسئلة تتعلق بالتاريخ وبوضع المرأة. أسئلة تتعلق بالقيم والمفاهيم التى نعيش بها فى المجتمع. هذه الأسئلة التى تتجسد فى صورة شخوص وعوالم وعلاقات إنسانية هى دافعى للكتابة الآن. ربما اختلف الأمر فى البدايات، فجيلنا مر بمتغيرات سياسية متلاحقة فى فترة وجيزة جداً. طرد الإنكليز 1954، حرب 1956، حرب 1967، بناء السد العالي. هذه المتغيرات والأحداث المتلاحقة جعلت جيلنا فى شكل أو فى آخر يرتبط بالسياسة، وعندما بدأتُ الكتابة كنت قد وصلت إلى مرحلة تفيد بأن الأطر السياسية لا تصلح للتعبير عن مجمل رؤيتى للعالم وأسئلتى حول هذه الحياة، فبدأت أبحث عن طريقة جديدة للتعبير. فى هذه اللحظة قررت اللجوء إلى الكتابة الأدبية».

وعن تجربتها فى رواية « الصفصاف والأس» تقول: الاسم مأخوذ من اسم حديقة «الصفصاف والآسى لمن رغب الائتناس» التى أنشأها أحد أمراء المماليك، والرواية فى زمن الحملة الفرنسية على مصر، تتخذ من قصة «زنيب البكرية» التى عشقها نابليون بونابرت وقُتلت بعد رحيل جنود الحملة، ذريعة للتساؤل حول القيم التى أتى بها الفرنسيون والتى أثرت فى المصريين على المستوى الشعبي. فحديقة «الصفصاف والآسي» كمكان للمتعة والنزهة يأتى فى مقابل ملهى ليلى أنشأه الفرنسيون. تورد الرواية الأسئلة من خلال إعادة النظر فى العلاقة بين المتون والهوامش التاريخية... ليس من طريق تكرار الحكاية التاريخية ولكن عبر التساؤل حول الرواية التاريخية.

يرفض الروائى وليد علاء الدين، مصطلح «رواية تاريخية»، قائلاً: هناك تاريخ وهناك رواية، صحيح أن التاريخ روايات، إلا أنها روايات خضعت لمناهج بحث علمي. وعلى الأدب أن يحترم ذلك وإلا أصبح تزييفاً للتاريخ.

وأضاف: لا يعنى ذلك أن الأدب لا يجوز له التعامل مع التاريخ، بل بالعكس فإن أحد أدوار الأدب وخاصة الرواية أن تفعل ذلك داخل إطار احترام المعلومة التاريخية.

وأضاف: يحق للروائى استخدام التاريخ وشخوصه وأحداثه، والاستخدام يعنى الحق فى التشكيك، وفى الاختبار. وتابع: أقصد عبر ألعاب السرد بالطبع، أو فى التداخل معها، بطرح افتراضات أخرى غائبة أو مغيبة، أو تجربة منطق الاحتمالات وتبادل الأدوار مع هذه المعطيات ربما قادت لاستنتاجات أخرى. وذكر: هناك من الألعاب السردية الكثير مما يصلح لتعاطى الروائى مع التاريخ من دون تزييفه.

 وعن تجربته فى كتابة روايته «كيميا»، قال: التزمت إلى حد الوسوسة بالمعلومة التاريخية داخل لعبة سردية راعيت ألا تمس صحة ما ورد من معلومات بشأن أحداث الحقبة والشخوص وحيواتهم، وهو رهان صعب.

وأضاف: وثّقت كل ذلك فى نهاية الرواية بأرقام الصفحات وأرفقت ثبتاً بما استعنت به من مراجع. وفى رواية» فاكهة الغربان» يستعرض الروائى اليمنى أحمد زين مرحلة تاريخية معقدة من تاريخ اليمن المعاصر، جاءت عقب جلاء الاحتلال الإنجليزى عنها. الحقبة التى ترصدها الرواية تمتد لعقدين من الزمن، يرصد من خلالها كافة الصراعات الدموية، والأحلام المتكسرة للمواطن فى تلك الفترة.وترتكز «فاكهة للغربان» على شخصية صلاح الذى جاء من المناطق الريفية المهمشة ليلتحق بالتنظيم الشيوعي، باحثا عن حرية تقبع فى ذاته، كان آملا أن يحققها فى مدينة عدن.