الأربعاء 29 سبتمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا
ع المدينة

ع المدينة

منذ أربعين عاما بالتمام والكمال شدا المطرب الشاب آنذاك محمد منير بأغنية «ع المدينة» كلمات عبدالرحيم منصور ولحن أحمد منيب «لفو بينا قالو لينا على المدينة لما جينا التقينا كل شىء فيها ناسينا... القلق جوه العيون وشها له ألف لون... حزنها غير حزننا... منها واحنا لوحدنا...فى المدينة هنالك لفوا بينا وتهنا هناك».



تذكرت تلك الأغنية من ألبوم «شبابيك» عند قراءتى لكتاب «فى حضرة الغياب» للشاعر الكبير محمود درويش والذى يصف فيه كل مدينة بوصف مستمد من رائحة معينة يراها تميزها حيث قال «عكا رائحة اليود البحرى والبهارات... حيفا رائحة الصنوبر والشراشف المجعلكة... موسكو رائحة الفودكا على الثلج...القاهرة رائحة المانجو والزنجبيل... بيروت رائحة الشمس والبحر والدخان والليمون... باريس رائحة الخبز الطازج والأجبان ومشتقات الفتنة... دمشق رائحة الياسمين والفواكة المجففة... تونس رائحة مسك الليل والملح... الرباط رائحة الحناء والبخور والعسل، وكل مدينة لا تُعرفُ من رائحتها لا يُعوَّل على ذكراها. وللمنافى رائحة مشتركة هى رائحة الحنين إلى ما عداها... رائحة تتذكر رائحة أخرى. رائحة متقطعة الأنفاس، عاطفيّة تقودك كخارطة سياحية كثيرة الاستعمال إلى رائحة المكان الأول، الرائحة ذاكرةٌ وغروب شمس، والغروب هنا توبيخ الجمال للغريب».

حديث محمود درويش عن رائحة المدن والأماكن يعود بكل منا إلى ذكريات محببة إلى النفس-فى الغالب فى فترة الطفولة-فى القرية والمدينة والمدرسة والمنازل فنجد أن كلا منا يتذكر الأماكن برائحة معينة ربما ترتبط بأول زيارة أو أول موقف فى المكان... رائحة الطين والشجر فى الحدائق والريف... رائحة المسك فى أضرحة الأولياء... رائحة دولاب الأب أو الأم... رائحة المطر... رائحة المأكولات والمطاعم...إلخ.

ولا يتوقف الأمر عند الرائحة بل نجد أن حاسة التذوق تلعب دورا كبيرا أيضا، لمحمد منير أغنية أخرى بعنوان «طعم البيوت» يتحدث فيها عن الطعم قائلا «طعم الحاجات بيعيش ساعات... ويدوب أوام وأوام يفوت... جوه القلوب والذكريات.. ما يعيش غير طعم البيوت». حاسة السمع أيضا لها دور كبير وخاصة فى الأغانى القديمة التى تفتح وجداننا على سماعها...فيروز والصباح... أم كلثوم والسهرات الليلية... هذا بالإضافة إلى أغانى المناسبات والاعياد... طعما لنجاح فى «الناجح يرفع إيده» وطعم شهر رمضان فى «مرحب شهر الصوم» وطعم العيد فى «يا ليلة العيد انستينا»...إلخ.

عودة الى المدن مرة أخرى حيث تشير الكاتبة اليزابيث جلبرت فى روايتها الممتعة والتى تحولت إلى عمل سينمائى بطولة جوليا روبرتس Eat Pray Love إلى أن كل مدينة من الممكن أن توصف بكلمة واحدة فقط  هذه الكلمة تعبر عن قاطنى المدينة وعن  خصائصهم وتصرفاتهم وفيم يفكرون.

حاولت أن أكتشف ما هى الكلمة التى تعبر عن القاهرة فتداعى فى ذهنى عدة كلمات... القاهرة الساحرة الدافئة الحنونة المرحة الصلبة ثم نظرت إلى مصر بصورة أشمل فلم أجد وصفا لأم الدنيا أفضل من تعبير الأديب العالمى نجيب محفوظ حين قال «مصر ليست دولة تاريخية، مصر جاءت أولا ثم جاء التاريخ».