السبت 22 يناير 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
احمد باشا
انحدار الذائقة الجمالية.. إلى متى؟

انحدار الذائقة الجمالية.. إلى متى؟

قد ينبرى من يقول لنا: إن الفن مرآة المجتمع! هذا صحيح.. ولكن ما نراه على الساحة المصرية الآن من ممارسات الدخلاء على دنيا الفنون؛ هو رد فعل طبيعى ومتوقَّع، وإنتاج مشوَّه جاء وليدًا لانحدارالذائقة الجمالية وسط الجموع، وأبلغ دليل على ذلك هو ما نشاهده فى مختلف المجالات من أفلام ومسلسلات وأغانٍ هابطة؛ وهو مايشى بسيطرة فلسفة الربح على أفكارالفنانين والفنانات وكتَّاب السيناريو والمخرجين؛ بل سيطرت ـ مع الأسف ـ على اتجاهات الشعراء كتاب الأغانى، وكان من المنتظر أن يكون الشعراء هم طليعة الباحثين عن الجمال فى اللفظ والمعنى والأهداف النبيلة، تلك الأهداف التى تعى قيمة وأهمية جذور الفن المصرى الأصيل وضرورة الحفاظ عليه من التردِّى والتدنِّى، ويحدث هذا من غيرالمتخصصين وتجار المقاولات سعيًا لإرضاء بعض الشرائح التى نبتت فى تربة المجتمع الانفتاحى؛ ونمت وترعرعت كالحشائش الضارة التى تنبُت وسط أحواض الورود ! ولكن ما الحيلة أمام من يروِّجون للمقولة الشهيرة: «الجمهور..عاوز كده»! 



 وللحقيقة.. فإن هذه المقولة ـ غيرالأمينة ـ  تظلم الجمهور الواعى المتعطش إلى الفن الراقى، وأصحاب هذه المقولة والمروِّجون لها؛ يدفنون رءوسهم الفارغة فى الرمال، ويخشون من الاعتراف بالحقيقة المُرَّة بأنها أزمتهم النفسية التى ألقت بظلالها القاتمة على الضميرالفنى! 

 لقد غاب عنَّا أن هذا الانحدار وصل إلى هذا المستوى المتدنِّى؛ نتيجة عدة عوامل ومؤثرات كثيرة يطول فيها الشرح والتحليل، فبعد انحسار موجات الفن الأصيل نتيجة الهجمات الضارية عليه من المدَّعين بأن الفنون بصفةٍ عامة ـ وبخاصة الأغانى والموسيقى ـ ضد جوهرالدين، وأن المسرح والسينما دعوة صريحة للفسق والفجور، وأن فن الرسم والنحت رجسٌ من عمل الشياطين؛ ويقصد بهم الفنانين التشكيليين ! وما زاد الطين بلَّة؛ أن مواقع التواصل الاجتماعى استطاعت أن تطلق جيوش «السوس» لينخر فى أساس عملية الإبداع لدى المبدع.

ولعل ما يحدث الآن ـ إلا من رحم ربى من الدخلاء على صناعة الفن؛ يذكِّرنا بما حدث من طبقة «أغنياء الحرب» الذين أفرزتهم فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية فى أربعينيات القرن الماضى، حين اقتحموا صناعة السينما فى مصر لاستثمار الأرباح والعوائد المالية التى جنَوْها من التجارة فى قوت الشعب، والتعامل مع معسكرات جيش الاحتلال بطول البلاد وعرضها، وعلى الرغم من رضوخهم لطلبات القصر والاحتلال فى إنتاج نوعية معينة من الأفلام، امتلأت بمشاهد الملاهى الليلية والراقصات، دون التطرق إلى الحديث عن الجلاء أو الحريات ومعالجة القضية الوطنية وقتذاك، إلا أن رجل الرأسمالية الوطنية الحقيقية «طلعت حرب»؛ قام بالتدخل لإنقاذ الإنتاج السينمائى المصرى وأنشأ شركة «ستوديو مصر»؛ والتى نجحت بدورها فى الخروج ببضعة أفلام تُعد الآن من العلامات الفارقة فى تاريخ السينما، ويرصد المؤرخون والمتابعون لحركة الفن السينمائى؛ أن عدد دور العرض السينمائى وصل إلى مايقارب مائتى وخمسين دارًا للعرض فى بداية الخمسينيات، كما وصل عدد الاستوديوهات إلى خمسة ستوديوهات، وتتباهى بوجود أكثرمن اثنتى عشرة ساحة «بلاتوه» للتصوير، وحين تداركت الدولة أهمية دورالفن السينمائى فى صناعة وتشكيل الوعى القومى؛ قامت بإنشاء الشركة العامة لاستوديوهات السينما، التى ضمت إليها ستوديو مصر، وكانت استراتيجيتها فى الإنتاج هى إنقاذ هذه الصناعة من الدخلاء على الفن والفنون.

 إننا لن نفلح فى إعادة الفن الأصيل؛ ليقود قافلة القوى الناعمة للجمال فى نفوس المصريين بمجرد الكتابة عن الأمنيات الطيبة بعودته للريادة، ولكن من الضرورى أن تفعل كل المحاولات والمقترحات الجادة التى تهدف إلى إصلاح حال الفن والاعتزاز به وتعظيم دوره، كما نرجو تدخل يد الدولة وعلى رأسها وزارة الثقافة؛ لإعادة الاحتفال بـ«عيد الفن» الذى أقيم لمدة وجيزة فى ثمانينيات القرن الماضى؛ ولظروفٍ ما توقفت هذه الاحتفالية التى كان يتم فيها تكريم كل من قدموا الخدمات العظيمة للفن المصرى، ثم أعيد إحياء فكرتها بتحديد يوم ميلاد موسيقار الأجيال «محمد عبدالوهاب» فى 13 مارس موعدًا دوريًا لإقامة فعاليات عيد الفن المصرى، ولكن وسط خضم الأحداث الجسام التى مرت بمصر فى السنوات الماضية؛ تاهت معالم قرارات هذه الاحتفالية وسط ضبابية كثيفة غير مبررة. ونحن ـ بكل الأمل ـ مازلنا ننتظر هذا التفعيل ،لإنقاذ الذائقة الجمالية والوجدانية والفنية من شر الدخلاء!

أستاذ ورئيس قسم الإنتاج الإبداعى بأكاديمية الفنون