الأحد 5 ديسمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا

«سالب واحد».. الوجه الآخر من الحقيقة فى حياة متحدى الإعاقة

مزيج من الجرأة والدفء واختلاط المشاعر بين الحزن والقسوة والسخط والشعور بالذنب، تناول المؤلف محمد عادل والمخرج عبد الله صابر بذكاء وحساسية فنية عالية جزءا من حياة متحدى الإعاقة فى عرضهما الأخير «سالب واحد»، الذى أعيد عرضه على الجمهور بشكل أوسع فى استضافته على خشبة مسرح مركز الهناجر للفنون وذلك بعد تقديمه على مسرح المعهد العالى للفنون المسرحية ومشاركته بالمهرجان القومى للمسرح مؤخرا، ومن المقرر تقديمه حتى يوم 23 نوفمبر الجارى بعد قرار وزيرة الثقافة الدكتورة إيناس عبد الدايم بمد العرض نظرا للإقبال الجماهيرى على مسرح الهناجر حيث تزاحم الجمهور بقوة لحضور العرض المسرحي.



«سالب واحد» يتناول بشكل مغاير ومختلف قضية تعامل أسرة مع طفل معاق ذهنيا وبدنيا، زوج وزوجة يجمعهما الحب والسعادة فى بداية علاقتهما إلى أن تنجب زوجته ويكتشفان المفاجأة غير السارة بأن طفليهما معاق ذهنيا وجسديا، تدب الثورة والغضب فى قلب الزوج ويتهم كل منهما الآخر بتطوراته بشكل ما حتى ولو عن طريق المصادفة بوصولهما إلى هذه النتيجة، حتى تقول الزوجة لزوجها هذا ما حدث بسبب تمادى والدك فى السكر وحب النساء!

يستعرض العمل التفاصيل الداخلية الدقيقة والجوانب والأبعاد النفسية التى ربما قد لا يفصح عنها الآباء المتعرضون لهذا النوع من الاختبار الصعب، مشاعر معقدة وعلاقة تزداد تعقدا وسوءا يوما بعد يوم مع كبر سن الطفل وتوقف عمره العقلى عند حد معين وثباته على قول جملة واحدة لا يبدلها «هنروح فين يا بابا» والتى ربما سيكتشف المتلقى بعديها النفسى والمستقبلى مؤخرا بعد وفاة والدته حزنا عليه عندما يقرر الأب التخلص منه وتسليمه إلى مصحة كى يحرر نفسه من المسئولية النفسية التى أسقطت كاهله وكأن إلحاحه فى السؤال الدائم كان بمثابة تنبؤ إلى ما سيحدث فى المستقبل بعد فقدان الأم ورعايتها وحبها لهما ..»هنروح فين يا بابا»؟!، مشاعر معقدة ومضطربة ومختلفة يتناولها العمل بجرأة فى حال أب وأم فشلا فى التعامل مع هذه الحالة الإنسانية شديدة الخصوصية، بين مشاعر الأمومة الغالبة وكراهية ما وضعها الله فيه من اختبار صعب تعيش الأم فى تلك الحيرة الطويلة وتناجى ربها بسؤال دائم.. لماذا أوقعت بنا فى هذه المحنة؟!، وكذلك الأب الذى يواظب على السكر والذى تسيطر عليه مشاعر غضب دائمة ومضطربة يعيش فى ثورة دائمة على المنزل والطفل حتى يكاد يفقد صوابه ويخنق ابنه من شدة ضجره ويأسه من صلاح حاله وشفائه حتى ولو بأمل طفيف.

رسم المؤلف محمد عادل حالة إنسانية قاسية دافئة فى نفس الوقت مع دوام الشعور بالذنب، ففى كل مرة يتعرض هذا الطفل لقسوة وعنف من والديه يتخلل هذه القسوة مشاعر ذنب عميقة من شدة الفشل فى التعامل مع هذا المسكين، وكأنهما يعانيان من إعاقة نفسية وليس هو المعاق وحده، إن كان فى الظاهر يعانى إعاقة جسدية إلا أنهما فى الباطن يعانيان من إعاقة نفسية من فرط عجزهما فى استيعاب وإدراك هذا الكائن الهش الرقيق، معالجة مسرحية شديدة الحساسية والدقة فى قراءة أبعاد نفسية تحمل مزيدا من العمق والتعقيد سواء فيما يخص الطفل الذى نسمع صدى صوته وخلجات نفسه من خلال حكاية الراوى الفتاة الصغيرة التى تعتبر المعادل الروحى له وكأنها تتحدث بلسانه الذى عجز عن النطق، أو فى تشريح نفسية أب وأم عجزا عن تحمل عبء مسئوليته ونقما على القدر الذى أوقعهما فى هذا الكابوس الكبير.

أبدع مصمم الديكور عبد الرحمن خالد فى حساسيته البصرية لصنع ديكور على خشبة المسرح يعكس بواطن الأمور ففى الديكور أسلاك متشابكة صممت على هيئة تكوين مخ الإنسان من الداخل وكأننا نرى تجسيد لحالة تكوين العقل البشرى مع المنزل الكئيب الحزين، الذى يعيش فيه الأب والأم والولد، ساد شكل رسم المخ بهذه الأسلاك الشائكة الصورة المسرحية واحتواها بالكامل وكأنه احتوى منزل هؤلاء البؤساء، ثم المخرج عبد الله صابر فى تصميمه للإضاءة التى تنبض بحركة وأنفاس ممثليه، تميز صابر فى خلق حالة مسرحية استثنائية مع صناع «سالب واحد» وإن أخذ عليه فقط فتح مساحات لأكثر من خط كوميدى للمدرس الذى حاول الأب الاستعانة به لتعليم ابنه عبارات أخرى للنطق بها، أو الطبيب المعالج أو الكاهن الذى لجأ فى النهاية معه للشعوذة وتصديق أفكار وقوع الفتى تحت تأثير الأرواح الشريرة وعليه تخليصه منها، كل هذه الخطوط الإضافية التى فتحت مساحات للضحك المبالغ فيه غير مناسبة مع حالة المسرحية وسياقها العام، خاصة وبدا أحيانا وكأن هؤلاء يسخرون من الطفل المعاق فأوقع العمل فى التناقض وكأنه يتبنى رسالة عكسية متناقضة مع حالة الدفء والمشاعر الغزيرة التى ازدحم بها العرض، لم يوفق الجانب الكوميدى فى العمل، أخرج أحيانا الجمهور من الحالة الإنسانية التى عايشها معه وإن كان للمخرج هدف فى محاولة الترويح والتخفيف عن الجمهور بسبب الحزن الشديد الذى يجتاحه مع الأحداث لكن هذا الترويح كان فى حاجة أكبر إلى حرفة أخرى فى ضبط الكوميديا ومزج الضحك بالحالة العامة للعرض المسرحي.

لكن فى المقابل تفوق الممثلون وعلى رأسهم أحمد عباس فى دور الطفل المعاق، تفرد عباس فى تقديم حالة الإعاقة الذهنية والبدنية لهذا الطفل الصغير مع استغلال صغر حجم جسده استطاع عباس فى توافق عضلى وعصبى على مدار ساعة ونصف الساعة الحفاظ على وضع الإعاقة دون خطأ يذكر، إلى جانب ثباته على ايقاع الكلام بطريقة واحدة فى جملة متكررة طوال العمل ثم حركته وسقوطه من الكرسى المتحرك بعد شعوره بفقدان والدته، مهارة واتزان فى ايقاع حركته البطئية الدائمة واستجابته فى أكثر من موقف بأداء حركى عسر وبطىء، اتقنه عباس اتقان ممثل محترف وليس مجرد طالب هاو بالمعهد العالى للفنون المسرحية، وكذلك سالى سعيد فى دور الأم كان لها حضور خاص وكأنها تعيد إكتشاف نفسها كممثلة محترفة من جديد، أبدعت سالى وامتعت الجمهور وأبكته فى حزنها على فراق ولدها التى لم تستطع مفارقته إلا بالموت فسقطت مغشيا عليها اتقنت الجمع بين مشاعر الأم المكلومة والزوجة المعذبة من عنف زوجها الذى لعبه بمهارة واقتدار مصطفى رشدى فى تقلباته وثورته وجنونه ثم ضعفه وفقدان اتزانه بعد وفاة زوجته وتحمله المسئولية كاملة وانقلاب حالة الكراهية للطفل لحالة حب ووئام بعد عذاب طويل استطاع مصطفى تقديم كل هذه المشاعر والانفعالات المتناقضة والمتضاربة بحرفة فنية عالية، وكان له الفضل فى ضبط إيقاع العرض واتزانه وتحمل بشكل كبير الجزء الأكبر من حالة الانفعال المضطربة والمستمرة تجاه هذا الطفل فكانت عنده الثورة وعند الأم الهدوء والدفء، وبالتالى انسجم العمل فى عذوبة شديدة ليقدم حالة فنية استثنائية ربما لم نعهدها فى عروض الشباب، أن نرى عملا يحمل هذا الكم من المشاعر والجرأة فى الكشف عن خبايا النفس الإنسانية وما يجول بخاطرها بهذا التشريح النفسى الصادم الدقيق والممتع، شارك الأبطال هذه المتعة والمهارة يارا المليجى فى دور الراوى والمعادل الروحى الرقيق للفتى الصغير ومصطفى عبد الهادى بأدائه الرصين فى دور الطبيب، وعبد الرحمن محسن والطفل يوسف شعراوي، تأليف موسيقى وألحان أحمد حسني، استعراضات مى رزيق، ملابس نوران الشيمي، مكياج روضة مرجان، أشعار وإخراج عبد الله صابر.