الأحد 16 يناير 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
احمد باشا
«يحيى حقى» ضيف تليفزيونى!

«يحيى حقى» ضيف تليفزيونى!

كناسة الدكان.. واحدة من أجمل وأعمق كتب الأستاذ «يحيى حقى»، مقالات الكتاب كلها ممتعة ومدهشة لكن أكثر متعة ومدعاة للدهشة هو ما كتبه عن تجربة ظهوره فى التليفزيون، يقول أستاذنا «يحيى حقى»:



«لم أظهر فى التليفزيون مرة إلا كان حتمًا أن أقع من غد - وربما على الريق - فى هذه التجربة القاسية، يلمحنى فى الطريق أحد معارفى القريبين أو المتطوعين فيهجم علىّ وقد ينتقل جريًا من رصيف إلى رصيف معرضًا نفسه للدهس ويوقظنى من سرحانى ويشد على يدى ووجهه متهلل بالبشر والفرح كأنه يحمل إلىّ أجمل تهنئة على فوز عظيم:

- رأيتك أمس فى التليفزيون!!

يتملكنى حينئذ شعور غريب، كما تتملك الأرض فى تلك اللحظة قدمى المسمرتين، نصفه «تبليم» لا شك أن فمى أصبح نصف مفتوح، أنفك رباط شفتى السفلى، أندلق دلو من البلاهة على وجهى، لسانى يحاول أن يعثر على كلمة غير بائخة فلا يفلح!

لا أدرى ماذا أقول له؟ هل أقول متشكر؟ أشكره على ماذا، من الغرور أن أشكره لأن عينيه تكحلت برؤية طلعتى البهية! ثم يا أخى لكن من الذى ينبغى عليه أن يشكر الآخر، أنا أم هو؟!

هآنذا أهرب من الغرور فأقع فيه بلا وخز من الضمير وكل مغرور يزعم أنه ليس فى العالم رجل حقانى مثله.

أم أقول له: طيب يا سيدى وماذا جرى فى الدنيا أو للدنيا فأجابه بتقريع مهما تستر بالأدب أو المزاح فأنى أكرهه لنفسى!

لست قوامًا على الناس حتى أوزع عليهم التقريع بالعدل والقسطاس، وأشد الناس إرهاقا للناس هم الحنابلة القوامون على الناس! أنى أحب المثل البلدى القائل: «واحد شايل ذقنه وأنت تعبان ليه»! وإن كنت لا أدرى معنى كلمة «شايل» هنا! أهى محلوقة هذه الذقن؟ أم مرفوعة فى الهواء من الكبر والخيلاء؟!

ونصفه إحساس بالحسرة، أظل اتطلع إلى وجهه وأحملق فى عينيه مستجديًا عبارة تثلج صدرى يضيفها على هذا الخبر العظيم، خبر رؤيته لى فى التليفزيون، استجدى منه أن يقول لى وكان كلامك حلوًا وأفكارك رائعة، أو حتى أن يقول وافقتك على رأى وخالفتك فى رأى، أو حتى - والله العظيم - أن يقول: كان كلامك زفتا وآراؤك قطرانا، فأنا لم أذهب للتليفزيون وأنا مصاب بالخرس، لا لشىء إلا لأن تظهر للناس طلعتى البهية ولا أنبس بحرف، بل ذهبت لأتكلم، لأقول شيئًا نافعًا فى ظنى، أملًا أن يكون كذلك فى حكم الناس، الناس العقلاء طبعًا الذين يفهمونها وهى طائرة!

ويستطرد الأستاذ «يحيى حقى» فيقول: نظرتى المستجدية منه ولو قرشًا لا تظفر منه حتى ولا بمليم! أتنازل عن آمالى الكبار وأستجدى منه ما هو دونها بكثير، ما دام أن فرحته برؤية طلعتى البهية قد جبت عنده كل مقدر على السمع، ولا أقول على الفهم، فلا أقل من أن يقول لى: وكان وجهك مشرقًا كالبدر، أو حتى لحظت أنك كنت متجهمًا مقطب الأسارير فلماذا؟! أو حتى - والله العظيم - كنت كالأعمى فى غمرة الضوء!

ما زلت أحفظ له إنسانيته فلا أتوقع منه أن يهبط إلى الدرك الأسفل من الحماقة فيكلمنى عن أناقة بذلتى وشياكة رباط عنقى، أو اختلاف العصا التى أحملها معى كل مرة من جلسة إلى أخرى، ثم يخامرنى الشك فى هذه الإنسانية حين أتهرب من فهم نظرته، وأنا أهرب منه أنها تكاد تنطق بلمحات من جوع مرير أو مرارة جائعة، هذا هو سر لمعانها، كأنه يغبطنى على فوز نلته ولم ينله هو بعد! هذا الفوز العظيم هو الظهور فى التليفزيون.. مجرد الظهور!

دلالة وأهمية مقال أستاذنا يحيى حقى المنشور فى جريدة التعاون 17 أكتوبر سنة 1965 أنك ليس مهمًا ما تكتبه أو حتى تقوله بل الأهم أن تطل علينا تليفزيونيًا لتصبح نجمًا مشهورًا والسلام!!