عزلة ومرض وانفصال عن الواقع
كبسولة السوشيال ميديا تهدد ترابط الأسر

د.مريم الشريف
تستحوذ التكنولوجيا والسوشيال ميديا تحديدا على ساعات طويلة من وقتنا، مما أثر على العلاقات الاجتماعية بشكل عام، والأسرية بشكل خاص، وأدى إلى فقدان التواصل الحقيقى بين أفراد الأسرة الواحدة، حيث جعلت كل فرد منعزلًا فى عالمه الافتراضى أمام شاشة الموبايل، وما لها من أضرار وآثار سلبية متعددة صحيًا ونفسيًا.
عام التعفن الدماغى
قال الدكتور جمال فرويز، استشارى الطب النفسى بالأكاديمية الطبية العسكرية، إن المؤتمر الطبي لجامعة أكسفورد فى إنجلترا اعتمد أن 2025 سيكون عام التعفن الدماغى للأطفال والمراهقين، نتيجة لسوء استخدام السوشيال ميديا لفترات طويلة، وخاصة تطبيق «تيك توك».
وأضاف «فرويز»، أن هذه التطبيقات تؤثر على الخلايا العصبية فى المخ لدى الأطفال، مما يؤدى إلى إجهادها، وتؤدى إلى قلة الانتباه، إجهاد العصب البصرى، قلة التركيز، وقلة التحصيل الدراسي.
وتابع: بعض الأطفال يكون لديهم استعداد لمرض الصرع بسبب استخدام السوشيال ميديا. أما فى حالة المصابين بالفعل، فقد تكون حالة الصرع مستقرة مع الأدوية، إلا أن الأدوية تفقد قوتها مع الجلوس المستمر أمام شاشة الموبايل وتزيد من نوبات الصرع.
وأشار إلى أن كل ذلك يؤثر بصورة سلبية على ترابط الأسرة والمجتمع، وإذا استمرت هذه الأمور ستزيد من الخطورة، وينتج عنها جيل ظهرت بوادره من انحدار فى العلاقات الاجتماعية، انحدار أخلاقى، زيادة نسب الانحرافات السلوكية، وزيادة نسب الطلاق.
سلاح ذو حدين
قالت الدكتورة هالة منصور، أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة عين شمس، إن العلاقة بين الآباء والأبناء ونظرة كل منهما تجاه الآخر هى نوع من الثقافة المجتمعية المتوارثة والمكتسبة من البيئة المحيطة.
واستدركت: لكن دخول التكنولوجيا والسوشيال ميديا والعديد من أدوات التطور التقنى أصبح سلاحًا ذا حدين. فهى أداة إذا أُحسن استخدامها تكون مفيدة لأنها وسيلة للحصول على المعلومات وتنمية الثقافة.
وأضافت «منصور»، أننا ننتقى ما يهوينا من الثقافات الأخرى، وللأسف فى الغالب يكون السلبى فقط، لكن من الجيد اكتساب بعض الأمور الإيجابية، أما إذا كان هناك انهزامية ثقافية، بمعنى شعورنا بأن ثقافتنا أقل وأن الثقافة الأخرى مميزة وتقليدها حتى فى اللغة، النطق، وأسلوب الحياة، فهذا فى الواقع يؤدى إلى تشويه فى الثقافة الأساسية لاستيرادنا السلبى فقط.
وتابعت: «لا يوجد لدينا فكرة التطعيم الثقافى، أى أخذ بعض الأمور التي تتماشى معى واستبعاد أخرى وإضافة لها مع الاحتفاظ بما هو إيجابى لدينا، فنجد بعض الأمهات للأسف يعتقدن أن تنازل أبناؤهن عن اللغة العربية والحديث باللغة الإنجليزية هو نوع من الوجاهة الاجتماعية، لكن هذا يؤدى إلى فقدان الهوية.
وتابعت: بالإضافة إلى أن مصطلح «التربية الإيجابية» الذي نردده بعيدًا تمامًا عن محتواه، حيث لابد أن يكون هناك حوار بين الآباء والأبناء، لكن مع وجود مسافة بينهما تحفظ المكانة والهيبة.
وأردفت: نحن نفهم المصطلح خطأ، وهو عدم توجيه الآباء لأبنائهم بطريقة مباشرة، وهذا ما يُروج له فى الإعلام والدراما، ونبدأ نعمم أن هذا الأمر طبيعى، رغم أن المجتمع الغربى الذي نأخذ منه هذه المصطلحات ليس لديهم ما يسمى بالتربية الإيجابية، وحتى وصول الابن إلى عمر 15 سنة، فإنه يُربى بشكل قوى ومنظم جدًا، بحيث بعد هذا السن يكون مؤهلًا للاحتكاك بالواقع وتكون شخصيته قد اكتملت ويبدأ فى تحمل مسؤولية نفسه.
وأكدت أن التطور التكنولوجى له تأثير سلبى كبير على الأم والطفل، من حيث الخطر النفسى والاجتماعى، فهو يصنع نوعًا من أنواع التوحد والعزلة، أو يصبح الإنسان ذا بعد واحد، أى متلقيًا أكثر من متفاعل. يزيد السلوك الشرائى، استهلاك الوقت والطاقة والعمر فى أشياء غير تطبيقية وإنما مجرد مشاهدة فقط.
وتابعت: «الأسرة أصبحت غرفًا مغلقة، والكل مشغول إما بالعمل أو الدراسة بالإضافة إلى الموبايل، ولا يوجد وقت كى يجتمعوا معًا. ولذلك، السوشيال ميديا ليست أداة تواصل اجتماعى، وإنما أداة عزل اجتماعى فى مفهوم الأمومة والطفولة، فالأم طوال الوقت تجلس أمام الموبايل وتتفاعل على فيديوهات تيك توك لمشاهدة التفاهات».
وأشارت إلى أن الحل يكون من خلال تنظيم الأمهات للوقت بحيث لا يقضين وقتًا كبيرًا على السوشيال ميديا.
تأثيرات الأمومة والطفولة
قال الدكتور حسن الخولى، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، إن التكنولوجيا وبخاصة مواقع التواصل الاجتماعى، سلاح ذو حدين، بقدر ما هى مفيدة، فهى مضرة ولها تأثيرات سلبية كبيرة على الأمومة والطفولة والأسرة كلها.
ولفت إلى أن الأم هى المدرسة الأولى التي تنشأ الطفل وتجعل منه عضوًا صالحًا فى المجتمع، وبالتالى لابد أن تكون على درجة عالية من الأهلية والوعي.
وأضاف «الخولي»، أن السوشيال ميديا لها تأثيرات جسمانية ونفسية على الطفل، من ناحية عقله وبصره وشخصيته أيضًا، إذ إنها تتسبب فى حالة من الانطواء والعزلة لدى هذا الطفل داخل الأسرة الواحدة وتؤدى إلى حالة من التباعد الاجتماعى، بعكس زمان عندما كانت الأسرة كلها تجتمع على مائدة واحدة.