الجمعة 4 أبريل 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
«لام شمسية» صرخة جريئة فى وجه دراما الوهم

«لام شمسية» صرخة جريئة فى وجه دراما الوهم

فى زمنٍ طغت فيه أعمالٌ تجعل من العنف بطولة، ومن الفوضى منهجًا، يأتى مسلسل “لام شمسية» ليعيد ترتيب الأوراق، ويفتح نوافذ العقل والروح، ويضع النقاط على الحروف المنسية.



ليست صدفةً أن يكون اسمه «لام شمسية»، فهو يرصد قضايا مسكوتًا عنها، كما تسكن تلك اللام فى أعماق الكلمة، غير منطوقة ولكنها موجودة، ثقيلة بوقعها، كأنها رمزٌ لما نراه بأعيننا ولا نجرؤ على تسميته. إنه العمل الذى اختار أن يواجه الألغام الاجتماعية بدلًا من تجميل الواقع أو تزييف الوعي، فكان شهادةً صادقة على قضية تهدد براءة الطفولة، وكرامة المرأة، واستقرار الأسرة: التحرش والاعتداء الجنسى على الأطفال .

التحرش ليس حادثًا عابرًا، ولا زلةً فردية، بل هو سرطانٌ ينتشر بصمتٍ حين يُغض الطرف عنه، وحين تُخرس الضحايا خشية العار، فيصبح العار حليف الصامتين لا المعتدين. وهنا، وقف «لام شمسية» موقف المحارب، لم يهادن ولم يساوم، بل وضع القبح تحت الشمس، وعرّى الذرائع المتهالكة التى كانت تحمى الجاني، من لوم الضحية، إلى التواطؤ المجتمعي، إلى الصمت المُخزِى الذى يدعى الحكمة وهو محض خوف واستسلام.

ولكن، هل اكتفى «لام شمسية» بإلقاء الضوء على المشكلة؟ لا. فالحكاية ليست مجرد مرآة، بل هى مشعلٌ فى الظلام، يضيء طريق المواجهة. كانت هناك شخصياتٌ اختارت ألا تسكت، اختارت أن تقاتل، لا بسلاح العنف، بل بسلاح الحق، بسلاح الوعي، الذى هو أقوى من أى قبضة يدٍ أو طلقة رصاص. وهنا يبرز البعد التوعوى للمسلسل، حين يزرع فى وجدان المشاهد يقينًا بأن الحل ليس فى الهروب، ولا فى دفن الرؤوس، بل فى المواجهة، فى كسر جدار الصمت، فى رفض أن يكون الخوف سياجًا يقيّد الحقيقة.

لم يكن المسلسل مجرد صرخة جوفاء، بل بنى حبكته بحرفية، وجعل المشاهد شريكًا فى رحلة الإدراك، لا متلقيًا سلبيًا. قدم الضحايا ليس كأطيافٍ باهتة تثير الشفقة، بل كأشخاصٍ من لحم ودم، يحملون أحلامًا وأوجاعًا، تتجسد فى عيونهم حيرةٌ دفينة: أيحق لهم النجاة أم أن المجتمع قد حسم مصيرهم سلفًا؟ وجاء الجناة بوجوه مألوفة، ليسوا وحوشًا قادمة من العدم، بل نماذج بشرية تتلون بالمكر، تسير بيننا بلا أنياب، لكنها تنهش الأرواح فى الخفاء.

ولم يكن التحرش القضية الوحيدة التى طرقها المسلسل، بل فتح ملفات شائكة أخرى تتشابك مع هذه القضية كما تتشابك خيوط العنكبوت، انفصال الوالدين وتأثيره على الأطفال، وكيف يصبح الصغير، الذى لا ذنب له، ضحية لحروب نفسية تُدمر براءته. أهمية الطب النفسي، ليس كترفٍ، بل كضرورة لفهم أبعاد الكارثة التى تتركها هذه الجرائم فى النفوس، توجيه سهمًا حادًا للمؤسسات التعليمية مطالبًا بإشراف حقيقى على المدارس، دقّ جرس إنذار حول الدروس الخصوصية، التى تعمل خارج أى رقابة، لتتحول من وسيلة تعليم إلى بيئةٍ خصبة لصناعة الكوارث.

لقد صُنع «لام شمسية» بصدق نادر، بلا ابتذال، بلا افتعال، بلا تلك المشاهد الصارخة التى تسعى للإثارة أكثر مما تسعى للمعالجة. كان عملًا صادقًا لأنه لم يحاول أن يجمّل الجرح، بل عرضه كما هو، ليكون العلاج ممكنًا. وهذا ما جعل صداه يتردد، ليس فى قاعات الترفيه فقط، بل فى قلوب من شاهدوه، فى أحاديث البيوت، فى نقاشات الشباب، فى أعين كل من أدرك أن السكوت عن الجريمة هو الجريمة الكبرى.

فحين تشتعل ساحات الرأى العام ووسائل التواصل الاجتماعى بالجدل حول المسلسل، فذلك ليس ترفًا دراميًا، بل انعكاسٌ لحقيقة مريرة، مفادها أن هذه الجريمة ليست استثناءً نادرًا، بل عرضٌ لمرض يتفاقم فى صمت. والمجتمع، مهما بدا محافظًا، لا يمكنه أن يظل أسير التعتيم، فالمواجهة أصبحت ضرورة، لا خيارًا، وهو ما يجعل برامج التوعية فى المدارس حجر الأساس فى تحصين الأجيال القادمة، بتزويدهم بالوعى الكافى لمجابهة المخاطر التى قد تترصدهم فى الخفاء.

لكن التوعية وحدها لا تكفي، فالجريمة تتطور، والقانون يجب أن يكون لها بالمرصاد. إذ كيف يُترك باب الإفلات مفتوحًا لمن استحدثوا أساليب جديدة للإيذاء، لم يسبق أن خطّها مشرّع؟ لا بد أن تواكب التشريعات هذا التطور، حتى لا يتحول القانون إلى مجرد نصٍّ صامتٍ أمام واقعٍ يصرخ. وهو ما حققه المسلسل بتحقيق العداله فى مشهد الختام.

ففى مشهد مهيب لنهاية المسلسل، تتردد أنغام أغنية تسلمى يا مصر بينما يصدح صوت القاضى بحكم العدالة، ليعود الحق إلى أصحابه، وترتسم دموع الفرح على الوجوه، وكأن الوطن نفسه ينهض من تحت الرماد، شامخًا لا ينكسر، والعدل يضيء سماءه من جديد.