مصر.. حصن الإقليم

ابتهال مخلوف
فى منطقة تعصف بها الحروب والأزمات، بقيت مصر وحدها صامدة، أمام كل التحديات، وذلك بفضل إدراكها العميق لحجم المخاطر التى تهدد الدول العربية، رافعة شعار لا صوت يعلو فوق صوت الدولة الوطنية، فخلال السنوات الماضية عصفت الاضطرابات والتغييرات والحروب، بالعديد من الأنظمة والدول، وأسقطتها فى مستنقع الفوضى والطائفية، إلا أن أرض الكنانة، كما تعهدها الله بحفظه، تعهدها قائد وجيش وشعب بالحماية، وتحولت إلى حصن « أمان» لكل دول الإقليم، فضلًا عن دعمها الكامل لكل دول المنطقة ضد كل مخططات التقسيم والإرهاب، «روزاليوسف» تناولت الضغوطات والتحديات العالمية التى تواجهها دول المنطقة ومن بينها مصر، وطرحتها على عدد من خبراء السياسة الدولية، فقدموا رؤيةً للتحديات التى قد تمثل تهديدًا على الأمن القومى المصرى، وكيف تواجهها البلاد باستراتيجية راسخة؟، ودور مصر فى الاستقرار الإقليمى فى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
الدكتورة نهى بكر، أستاذة العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية ومستشارةٌ لمنظمات دولية منها الاتحاد الإفريقى، قدمت تقييمًا شاملًا لأهم التحديات وكيف تواجهها مصر بالفعل، إذ قالت: «مصر تواجه عاصفةً من التحديات المتشابكة، لكن تاريخها وموقعها وقدرتها على بناء التحالفات تمنحها أدوات فريدة لتحويل هذه العاصفة إلى فرص لتعزيز دورها كقاطرةٍ للاستقرار فى المنطقة.
أولى التحديات بحسب بكر: التحديات الاستراتيجية المتمثلة فى الأمن المائى وأزمة سد النهضة الإثيوبى؛ حيث تشكل الأزمة تهديدًا وجوديًا لمصر، إذ يعتمد 97% من المصريين على مياه النيل، ويهدد رفض إثيوبيا توقيع اتفاقات ملزمة حول التشغيل بحرمان مصر من 25% من حصتها المائية، ما يعرض الزراعة والطاقة والأمن الغذائى للخطر، وسط إصرار «أديس أبابا» على فرض الأمر الواقع.
وتابعت: «تتعرض مصر لتهديدات أمنية فى الحدود الشرقية والغربية والجنوبية؛ فليبيًا تنتشر بها الميليشيات المسلحة والأسلحة المتدفقة، وغزة وتصاعد النزاع «الفلسطينى - الإسرائيلى» يفرضان ضغوطًا على مصر بدورها كوسيط، ويؤثر ذلك على الأمن القومى، ويفرض ضغوطًا اقتصادية على القاهرة، خاصة عبر حدود رفح، وعمليات تهجير الفلسطينيين من أراضيهم».
إضافة للوضع الأمنى فى البحر الأحمر وهجمات الحوثيين على السفن، أكدت أن كل ذلك يؤثر على قناة السويس ودخلها من العملة الصعبة، فضلًا عن أن هناك تنافسًا دوليًا على المواقع الاستراتيجية، إذ تحول البحر الأحمر لساحة صراع، ما يهدد أمن الملاحة البحرية ويؤثر على مصر عبر قناة السويس، كذلك تحديات القرن الإفريقى وتأثيرها على القاهرة؛ فالصراعات الداخلية وانعدام الاستقرار فى إثيوبيا بسبب حرب تيجراى «2020- 2022» أدت لنزوح 47 ألف لاجئ للسودان، مع مخاطر انهيار الدولة بسبب التعدد العِرقى.
وحول الوضع فى الصومال من صراعاتٍ بين الحكومة الاتحادية وإقليم «أرض الصومال»، وهجمات «حركة الشباب» الإرهابية، أشارت إلى أن ذلك يعطل وصول المساعدات الإنسانية، كما أن هناك كوارث إنسانية ومجاعات، إذ تعانى المنطقة أسوأ جفاف منذ 40 عامًا، مع تهديد 22 مليون شخص «بما فيهم 200 ألف صومالى» بالمجاعة بسبب تغير المناخ.
وفيما يخص الاستراتيجيات، أكدت أن مصر تسعى لمواجهة هذه التحديات عبر آليات عدة، أبرزها: تعزيز التحالفات الإقليمية، فهناك مساعٍ لتعميق الشراكة مع السعودية ودول الخليج، وتنسيق المواقف حول أزمات ليبيا واليمن، كما تتجه لإفريقيا من خلال مبادرات تنموية، مثل: مشروعات الربط الكهربائى ودعم البنية التحتية فى السودان وجنوب السودان لتعزيز النفوذ المصرى، وتطوير الموانئ البحرية، مثل: «العين السخنة» وتعزيز شبكة كابلات الإنترنت البحرية التى تتحكم فى 90% من بيانات «أوروبا- آسيا»، والقيام بدبلوماسية المياه، من خلال الضغط دوليًا عبر مجلس الأمن لفرض اتفاق قانونى ملزم حول سد النهضة، مع بناء تحالف مع السودان.
«بكر»، أشارت إلى أن مصر تواجه تحديات القرن الإفريقى من خلال دبلوماسية الوقاية بإنشاء «منصة للحوار الإقليمى» لاحتواء الصراعات قبل تصاعدها، بدعم من الاتحاد الإفريقى، والقيام بمشروعات تنمويةٍ مشتركة، كاستثمار مصر فى موانئ جيبوتى والصومال، ودعم مشروعات تحلية المياه لمواجهة الجفاف، ومكافحة الإرهاب بالتعاون الاستخبارى مع كينيا والصومال، مؤكدة أن مصر أعادت صياغة أدوارها عبر التحول من الدفاع إلى المبادرات الاستباقية كمشاريعٍ تنموية فى إفريقيا والوساطات النشطة، واستغلال الموقع الجغرافى بتحويل قناة السويس وممرات البيانات لأدوات نفوذٍ جيوسياسى، وتوحيد الجبهة العربية عبر تعزيز دور جامعة الدول العربية كمنصةٍ للتنسيق الأمنى والاقتصادى.
«مخاطر حدودية»
الدكتور عبدالرحمن الغالى، كاتب وباحث سودانى والأمين العام الأسبق لحزب الأمة السودانى، أكد أن مصر تواجه تحديات لأهميتها وحجم دورها المحورى على المستوى العربى والإقليمى والدولى، فبالنسبة لملف السودان: «لا شك أن الأمن القومى المصرى يرتبط أشد الارتباط بالسودان، وتؤثر حرب السودان تأثيرًا مباشرًا على الأمن القومى المصرى من عدة نواحٍ».
فمن ناحية الأمن المباشر، قال: إن السودان أكمل طوق الدول المضطربة المحيطة بمصر: غزة شرقًا، وليبيا غربًا، والسودان جنوبًا، إذ إن هناك تداعيات سلبية بسبب الحرب ومخاطر انتشار ميليشياتٍ فى حدودها الجنوبية واحتمال تسرّب عناصر وجماعات مسلحة عبر حدودٍ مفتوحة.
وألمح إلى أن هذه الحرب مهدت وصول إثيوبيا لسواحل البحر الأحمر «ميناء بربرا» فى الصومال، وهذا يشكل تهديدًا للأمن الاقتصادى المصرى «ممر قناة السويس»، أما الأمن الاقتصادى فيتأثر بالحرب من عدة نواحٍ؛ منها التبادل التجارى مع دول القارة الإفريقية عبر السودان.
وأكد، أن الموقف المصرى ظل ثابتًا منذ اندلاع الحرب، وهو موقف يصب سياسيًا فى حفظ وحدة السودان وسيادته ومؤسساته فى وجه سردياتٍ تقول بعدم وجود مؤسساتٍ وحكومة، وبالتالى تسعى لجلب تدخلٍ دولى بهذه الحجة، أو تقسيمه بتشكيل حكومةٍ موازية، وسعت مصر عبر وجودها فى المنظمات الإقليمية والدولية لتثبيت هذا الموقف: «موقف وحدة السودان ومؤسساته وسيادته».
وفى هذا السياق، أشار إلى أن مصر قطعت خطواتٍ كبيرة إبان رئاستها لمجلس السلم والأمن الإفريقى فى رفع تجميد عضوية السودان فى الاتحاد الإفريقى، وقام المجلس بأول زيارةٍ للسودان فى أول أيام فترة رئاسة مصر له، وقبلت المؤسسات الإقليمية والدولية خريطة الطريق التى تقود لعودة السودان للاتحاد الإفريقى، ورحبت بتعيين رئيس وزراء مدنى.
وثمن رفض مصر قيام حكومةٍ موازية فى دارفور، وصار هذا الموقف عامًا حيث رفضت الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقى والجامعة العربية وغيرها فكرة تكوين حكومةٍ موازية، بل واتخذت مصر أيضًا إجراءات بشأن ملف المياه، الذى يتضمن قضيتين مهمتين: قضية سد النهضة والإصرار الإثيوبى على ملئه وتشغيله دون اتفاقٍ ملزمٍ مع السودان ومصر، وقضية مبادرة حوض النيل واتفاقية عنتيبى.
«منطقة شديدة الحساسية»
وبالنسبة لإفريقيا، نوه «الغالى» بأن منطقة القرن الإفريقى تعد منطقةً شديدة الحساسية لمصر وللعالم بصفةٍ عامة؛ فالبحر الأحمر مهم للتجارة العالمية ولقناة السويس، وهى منطقة تنافسٍ إقليمى ودولى وتمتلئ بالقواعد العسكرية، وترتبط بـ 5 نظمٍ إقليمية منها «حوض النيل– البحر الأحمر– الشرق الأوسط»، مشيرًا إلى أن الوجود الإثيوبى وسعيه للحصول على منافذ فى البحر الأحمر حتى باستخدام القوة، ينذر بتوترٍ غير مسبوق مع إريتريا والصومال وحتى جيبوتى والسودان، إلى جانب أن اتفاق إثيوبيا مع أرض الصومال فيه تجاوزٍ للسيادة الصومالية.
«الغالى»، يرى أن أهم ما يجب فعله هو الضغط لوقف النزاعات العسكرية وحل الأمور سلميًا، والاستفادة من حاجة العالم للسلام فى هذه المنطقة المهمة التى ترتبط بأهم شريان عالمى للتجارة، كذلك بناء تحالفاتٍ إقليمية فى إفريقيا وغرب آسيا.
«المحور الغربى»
يتناول على طرفاية، الصحفى والخبير الاستراتيجى المتخصص فى الشأن الليبى، المحور الغربى لمصر، قائلًا: تمثل ليبيا حالةً خاصة فى دوائر الأمن القومى المصرى، فهى دولةُ جوارٍ استراتيجى تربطها بمصر علاقاتٌ تاريخية من نوعٍ خاص، نمت على طول الحدود الممتدة لقرابة 1200 كيلو متر، لافتًا إلى أن ما حدث فى ليبيا له ارتدادات فى الداخل المصرى، وقد أعقبت أحداث 17 فبراير 2011 العديد من الأزمات الممتدة فى ليبيا حتى اليوم، أبرزها حالة الانفلات الأمنى وتفشى ظاهرة الإرهاب وسقوط مفهوم الدولة، فحالةُ الرخاوة السياسية وغيابُ الأمن وعدمُ الاستقرار شكّلت بيئةً ملائمة لنمو الجماعات الإرهابية، وأصبحت ليبيا تمثل قاعدةً ونقطة انطلاقٍ للجماعات الإرهابية الطامحة للقيام بعملياتٍ نوعية داخل العمق المصرى بهدف زعزعة أمن واستقرار الدولة المصرية.
وأشاد بنجاح مصر فى التصدى للمشروع الإرهابى فى ليبيا، لكن الخطر لا يزال قائمًا؛ فجماعة الإخوان الإرهابية مدعومةٌ من أطرافٍ إقليميةٍ ودولية لا تزال متصدرة المشهد الليبى ولو من خلف الستار، ولها أذرعٌ عسكرية فى طرابلس ومصراتة.
«الجماعة الإرهابية»
وعن الإخوان فى ليبيا، قال «طرفاية»: إن الجماعة الإرهابية تلعب الآن دورًا غايةً فى الخطورة؛ فهى تقدم نفسها على أنها جماعةٌ مظلومة لم تنل حقها الكافى من «الكعكة الليبية» على الرغم من دورها المؤثر فى أحداث 17 فبراير، لذا يمكن القول: إن الدول الداعمة لعرقلة الحل السياسى فى ليبيا هى الداعمة أيضًا لتسويق فكرة إقصاء جماعة الإخوان الإرهابية سياسيًا، لخلق نوعٍ من الاستقطاب وعدم التوافق بين فواعل الحل السياسى، لعدم إنجاح أى مسارٍ للحل السياسى فى ليبيا.
«الحل السياسى»
وأعرب «طرفاية» عن فخره بالجهود المضنية التى بذلتها مصر من أجل الوصول بالليبيين إلى حلٍّ سياسى ينهى الصراع الدائر، ويمكّن الليبيين من استعادة دولتهم من جديد، حيث كانت الرؤية المصرية قائمةً على حلٍّ «ليبى– ليبى» بخلق نوعٍ من التوافق بين كل الفرقاء الليبيين، ينتهى بانتخاباتٍ رئاسيةٍ وبرلمانيةٍ وحكومةٍ موحدة تمثل كل الليبيين، تُخرج البلاد من أزمتها وتعيد بناء الدولة الليبية وتقود المرحلة الراهنة، وتلاقت الرؤية المصرية مع مسار الحل السياسى للأمم المتحدة.
ومع تزايد التدخلات الخارجية ومحاولة خنق مصر أمنيًا، أكد أن الرئيس السيسى شدد على أن «سرت - الجفرة» خط أحمر لمصر وأمنها القومى، منوهًا بأن ذلك لا يعنى أن حدود الأمن القومى المصرى غربًا تبدأ من مدينة سرت على بعد 160 كلم من مدينة مرسى مطروح، بل إن تلك المسافة هى مسرحٌ معقولٌ لأى عملياتٍ جوية تستهدف تسلل أى عناصر إرهابية من خط «سرت- الجفرة» باتجاه الشرق، فحدود الأمن القومى المصرى تبدأ من منطقة الساحل الإفريقى، علاوة على أن تسللُ عناصر إرهابية من تشاد أو النيجر أو موريتانيا إلى منطقة جبل العوينات عبر المثلث الحدودى بين مصر وليبيا والسودان يشكل خطرًا على الأمن القومى المصرى، وفشلُ الجماعة الإرهابية فى اختراق خط «سرت– الجفرة» قد يجعلها تفكر فى هذا الطريق، لذلك أصابت مصر فى تعاملها الحاسم مع أزمة المثلث الحدودى بعد محاولة سيطرة قوات الدعم السريع عليه؛ فهذه القوات تستقطب مرتزقةً وعناصر سلفية وجهادية، كما أنها ميليشيا غير مُدرَّبة يمكن اختراقها، وقد تجد حركة مثل «حسم» الجناح العسكرى لجماعة الإخوان الإرهابية ضالتها فى تلك المنطقة واستغلالها فى عمليات التهريب والتجارة العابرة للحدود وتتخذها قاعدة جديدة لضرب أمن واستقرار الدولة المصرية.
«محيط عالمى»
وتناقش الدكتورة نورهان الشيخ، أستاذة السياسة الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، تأثيرَ الأزمة الأوكرانية على الأمن القومى المصرى، قائلة: تداعيات الحرب «الروسية ـ الأوكرانية» على مصر جزءٌ من التداعيات العامة للحرب؛ إذ إن روسيا مهمة فى سلاسل الغذاء والتوريد، خاصة الحبوب، فهى أكبر مصدرٍ فى العالم للحبوب، والمقصود بها القمح والذرة والشعير، كذلك الزيوت، والأهم من ذلك الأسمدة والطاقة، ما أثّر بشكل كبير على سلاسل الإمداد والتوريد للأمن الغذائى وأمن الطاقة.
وبالنسبة لمصر، أوضحت أن التأثير على الطاقة ليس كبيرًا لأننا مصدرون للغاز؛ فبالعكس الأزمة الأوكرانية فتحت الباب أمام مصر للتصدير لأوروبا، حيث وُقِّع الاتفاق الثلاثى بين مصر والاتحاد الأوروبى وإسرائيل لتصدير الغاز للاتحاد الأوروبى، لكن من ناحيةٍ ثانية تضررنا بشكلٍ كبير من الارتدادات فى الاقتصاد العالمى والأمن الغذائى بسبب ارتفاع أسعار الحبوب بشكلٍ كبير جراء الحرب، ومصر من أكبر مستوردى القمح فى العالم، بالتالى تأثرنا بشكلٍ كبير، وهو جزءٌ من التأثيرات العالمية والتضخم فى دول العالم.
«الشيخ»، أكدت أن هناك ارتدادات على الاقتصاد العالمى نتيجةً للتباطؤ والتراجع فى النمو الاقتصادى فى أوروبا بسبب أزمة الطاقة، ما له تأثيرٌ على تدفق وفرص الاستثمار لمصر وتدفقات السياحة لمصر، وهو ما يمسّ الأمن القومى المصرى بالمفهوم الشامل؛ فهو ليس أمنًا عسكريًا فقط، بل بالمفهوم الشامل هناك أمن الغذاء والطاقة والمالى.