الأسعار تنخفض.. والإنتاج المحلى يقفز إلى مستويات قياسية بفضل التحولات الجوهرية
مصر تعيد رسم الخارطة الغذائية
رضا داود
تشهد مصر خلال الفترة الحالية تحولات جوهرية فى قطاع الغذاء، تشمل الدواجن، والأسماك، والحاصلات الزراعية، واللحوم الحمراء، وهى تحولات تعكس نجاح السياسات الحكومية فى تحقيق توازن بين الإنتاج المحلى والاستهلاك، وفتح آفاق جديدة للصادرات الزراعية، حيث إن هذه النجاحات لم تأتِ من فراغ، بل جاءت نتيجة خطط طويلة المدى تهدف إلى تعزيز الاكتفاء الذاتى، وتقليل الاستيراد، وتوفير الغذاء بأسعار مناسبة للمواطن.
ويتضح اليوم تأثير هذه السياسات فى انخفاض أسعار الدواجن بشكل غير مسبوق، وارتفاع إنتاج الأسماك إلى مستويات تاريخية، وزيادة كبيرة فى الصادرات الزراعية، إلى جانب تحسن قدرة الدولة على توفير اللحوم الحمراء نتيجة تطوير برامج الإنتاج الحيوانى.

اكتفاء ذاتى من الدواجن
على صعيد أسعار الدواجن فى السوق المحلية شهد تراجعًا ملموسًا، ما انعكس إيجابًا على المستهلكين، فقد انخفض متوسط سعر كيلو الدواجن البيضاء فى المزارع إلى نحو 55 جنيهًا، ليصل للمستهلك بسعر يصل إلى 65 جنيهًا، ما يمثل انخفاضًا كبيرًا يصل إلى 35% مقارنة بالفترات السابقة، حيث جاء هذا الانخفاض نتيجة زيادة المعروض واستقرار الإنتاج فى الدورات المتتالية، بالإضافة إلى تطبيق منظومات رقابية وتشجيعية تهدف إلى ضبط الأسعار وتحقيق التوازن فى السوق.
وكان قد بلغ إنتاج مصر من الدواجن أكثر من 1.6 مليار دجاجة سنويًا، مع إنتاج 16 مليار بيضة، وهى أرقام تؤكد قدرة الدولة على تلبية استهلاكها المحلى بشكل شبه كامل، علمًا بأن تربية الدواجن تُدار عبر 6 دورات إنتاجية سنويًا، الأمر الذى يوفر كميات كبيرة من البروتين الحيوانى بأسعار مناسبة، ناهيك عن أن الاستهلاك اليومى للمصريين يصل إلى نحو 4.5 مليون دجاجة وما يقرب من 40 مليون بيضة، وهو ما يتطلب قدرة إنتاجية هائلة تسعى الدولة إلى الاستمرار فى تطويرها.
تحسين القدرة الشرائية
وأسهم انخفاض أسعار الدواجن فى تحسين القدرة الشرائية للأسر منخفضة ومتوسطة الدخل، كما أدى ذلك إلى زيادة الاستهلاك المحلى من البروتين الحيوانى، ما يعزز الأمن الغذائى ويقلل من تأثر المواطنين بارتفاع الأسعار العالمية للمواد الغذائية.
ويمثل قطاع الأسماك واحدة من أبرز قصص النجاح فى ملف الأمن الغذائى المصرى، فقد تمكنت الدولة خلال السنوات الماضية من تحقيق طفرة فى إنتاج الأسماك، وصلت بفضلها إلى الاكتفاء الذاتى بنسبة 85%، إذ بلغ إنتاج مصر السنوى من الأسماك 2.2 مليون طن، مع خطة طموح لرفع الإنتاج إلى 2.5 مليون طن بحلول عام 2030، وتأتى مصر اليوم فى المرتبة الأولى إفريقيًا والسادسة عالميًا فى مجال الاستزراع السمكى، وهو إنجاز يعكس حجم التطوير الهائل الذى طرأ على هذا القطاع.
تطوير البحيرات والمزارع
شهدت البحيرات المصرية الكبرى تطويرًا شاملًا، تضمن تطهيرها من التعديات، وتحسين جودة المياه، وإدخال أنظمة حديثة للمراقبة والإنتاج، ما ضاعف من إنتاجيتها، فضلًا عن توسع الدولة فى إنشاء مزارع سمكية حديثة تستخدم تقنيات متطورة فى التربية والتغذية، ما أسهم فى زيادة الإنتاج مع الحفاظ على البيئة المائية.
كما بدأت المزارع الحديثة فى إنتاج أنواع جديدة من الأسماك مثل البلطى المحسّن والقراميط والجمبرى، لتلبية احتياجات السوق المحلية وتحقيق فائض للتصدير، ناهيك عن أن القطاع وفّر فرص عمل جديدة للشباب، ورفع القدرة التنافسية للمنتجات السمكية المصرية فى الأسواق العالمية.
تحسن بنسب الاكتفاء الذاتى
أيضًا، حقق قطاع اللحوم الحمراء تطورًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفعت نسبة الاكتفاء الذاتى إلى نحو 60% بفضل برامج دعم الإنتاج الحيوانى، وعلى رأسها المشروع القومى لإحياء البتلو، حيث كشفت وزارة الزراعة عن أن هذا المشروع أسهم فى رفع الناتج المحلى من اللحوم الحمراء والألبان، إذ من المتوقع أن يصل حجم الإنتاج من اللحوم الحمراء بنهاية العام إلى 600 ألف طن مقابل 555 ألف طن فى العام الماضى، ناهيك عن ارتفاع إنتاج الألبان الطازجة إلى 7 ملايين طن مقارنة بـ 6.5 مليون طن فى العام 2024.
وبحسب الإحصاءات الرسمية، تجاوزت قيمة التمويل التى قُدّمت عبر مشروع إحياء البتلو 10 مليارات و53 مليون جنيه، استفاد منها أكثر من 45100 مربٍّ من صغار المربين وشباب الخريجين والسيدات فى قرى مبادرة «حياة كريمة»، وأسهمت هذه التمويلات فى تربية وتسمين 522500 رأس ماشية، ما عزز وفرة اللحوم فى الأسواق وحقق استقرارًا فى الأسعار.
طفرة بالصادرات الزراعية
لم تقتصر الإنجازات على الدواجن واللحوم والأسماك فحسب، بل امتدت بقوة إلى ملف الصادرات الزراعية، الذى شهد طفرة غير مسبوقة خلال عام 2025، فقد بلغ إجمالى الصادرات الزراعية نحو 8.2 ملايين طن بزيادة 650 ألف طن عن العام السابق، ما يعكس قدرة القطاع الزراعى على تحقيق فائض إنتاجى كبير يمكن تصديره بجانب تلبية الطلب المحلى.
وتصدرت الموالح قائمة الصادرات الزراعية بإجمالى 2 مليون طن، تلتها البطاطس الطازجة بإجمالى 1.3 مليون طن، وبلغت صادرات الفاصوليا الطازجة والجافة 283 ألف طن، والبطاطا 280 ألف طن، والبصل الطازج 268 ألف طن، والعنب 190 ألف طن، والرمان 110 آلاف طن، والمانجو 104 آلاف طن، حيث تعكس هذه الأرقام تنوع المحاصيل الزراعية المصرية وقدرتها التنافسية فى الأسواق العالمية.
تكامل بين القطاعات
وتحقق مصر اليوم منظومة غذائية متكاملة، يمكن تلخيص تأثيرها فى عدة نقاط رئيسية، أبرزها أن انخفاض أسعار الدواجن يعزز القدرة الشرائية للمواطنين، وزيادة إنتاج الأسماك تحقق اكتفاءً ذاتيًا وتقلل من الاستيراد، كما أن توسع إنتاج اللحوم الحمراء عبر مشروع البتلو يوفر احتياجات السوق المحلية، وارتفاع الصادرات الزراعية يزيد العائد من العملة الأجنبية ويدعم الاقتصاد، ناهيك عن أن توافر المعروض من الغذاء يقلل من تقلبات الأسعار ويسهم فى الاستقرار المجتمعى.
تحديات مستقبلية
رغم النجاحات الكبيرة، إلا أنه لا يزال القطاع الغذائى يواجه مجموعة من التحديات، مثل: دعم المزارع الصغيرة والمتوسطة لضمان استمرارها، ومواجهة تقلبات أسعار الأعلاف عالميًا، والحاجة إلى إدارة دقيقة للموارد المائية فى البحيرات والمزارع السمكية، وتطوير سلاسل التبريد والنقل لدعم تصدير المنتجات الزراعية، وتحسين جودة الإنتاج الحيوانى لزيادة الإنتاج وتقليل الفاقد.
وعلى صعيد الخطوات المقترحة لتعزيز الاستدامة، فيتصدرها، دعم المزارعين والمربين فنيًا وماليًا، والتوسع فى إنتاج الأعلاف محليًا لتقليل التكلفة، وإدخال تكنولوجيات حديثة فى الاستزراع السمكى لمراقبة جودة المياه، وفتح أسواق تصديرية جديدة للمنتجات الزراعية، ونشر الوعى بأهمية تناول البروتين الحيوانى المحلى كخيار صحى واقتصادى.






