الأحد 25 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

من أوكرانيا إلى تايوان

صراع القوى الكبرى يشعل سباق النفوذ العالمى

فى ظل تصاعد التوترات الدولية وتشابك الملفات العسكرية والاقتصادية، يشهد العالم احتدامًا غير مسبوق فى الصراع بين الولايات المتحدة من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى، ولم تعد هذه المواجهة محصورة فى ساحات القتال التقليدية، بل امتدت إلى ميادين الاقتصاد والتجارة والتكنولوجيا والطاقة، فضلًا عن سباق النفوذ والتحالفات العسكرية.



وبين الحرب المستمرة فى أوكرانيا، والتصعيد التجارى والتكنولوجى مع الصين، واتساع نطاق العقوبات والضغوط المتبادلة، يبدو أن النظام الدولى وكأنه يدخل مرحلة إعادة تشكل عميقة، تعيد إلى الأذهان ملامح الاستقطاب الدولى، سواء بأدوات أكثر تعقيدًا وأقل مباشرة.

وتباينت قراءات الخبراء الذين تحدثوا لجريدة «روزاليوسف» بشأن توصيف هذا المشهد، بين من يرى أن العالم يقترب من حرب باردة جديدة بأدوات مختلفة، ومن يعتبر أن ما يجرى لا يتعدى كونه مواجهات مباشرة ومتعددة المستويات لا تنطبق عليها معايير الحرب الباردة التقليدية.

انقسام العالم لمعسكرين

وتعقيبًا على ذلك، يقول عدنان منصور، وزير الخارجية اللبنانى الأسبق: «إن المشهد الدولى الراهن يعكس بوضوح حالة متسارعة من الفعل ورد الفعل، بدأت مع اندلاع الحرب فى أوكرانيا، وما تبعها من اصطفاف أمريكى–أوروبى واسع خلف «كييف» فى مواجهة روسيا، ما أدى عمليًا إلى استنزاف «موسكو» فى حرب طويلة الأمد، وفتح الباب أمام عودة أجواء الحرب الباردة بين معسكرين دوليين متقابلين.

ويوضح «منصور»، أن الصراع الحالى لا يقتصر على الساحة الأوكرانية، بل يمتد إلى التنافس المتصاعد مع الصين، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة تعمل على تعزيز وجودها العسكرى والسياسى فى جنوب شرق آسيا، عبر بناء التحالفات وتكثيف القواعد العسكرية وإطلاق أطر أمنية جديدة، أبرزها حلف «أوكوس»، فى إطار سياسة تستهدف احتواء الصين ومنع تمدد نفوذها العالمى.

ويرى وزير الخارجية اللبنانى الأسبق، أن هذه التطورات تشبه إلى حد كبير المرحلة التى أعقبت الحرب العالمية الثانية، حين انقسم العالم إلى معسكرين متقابلين، مؤكدًا أن المؤشرات الحالية توحى بأن النظام الدولى يسير فى اتجاه مشابه، وإنه بصيغة مختلفة، لافتًا إلى أن بؤر التوتر الممتدة من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، مرورًا بالسودان واليمن وسوريا ولبنان، تعكس حالة اصطفاف دولى متزايد، إذ تقف قوى دولية وإقليمية خلف أطراف الصراعات المختلفة، ما يعزز مناخ المواجهة غير المباشرة بين القوى الكبرى.

ويحذر «منصور»، من أن توسع حلف شمال الأطلسى باتجاه الحدود الروسية ينذر بتداعيات خطيرة، معتبرًا أن ما جرى فى أوكرانيا يمثل، من وجهة نظر روسيا، دفاعًا عن أمنها القومى ومجالها الحيوى.

تراكم الأزمات العالمية

من جانبه، يظن هانى سليمان، مدير المركز العربى للبحوث والدراسات، أن الحديث عن عودة الحرب الباردة ينطلق من عملية تشبيه تاريخى قد تكون مغرية تحليليًا، لكنها ليست دقيقة بالضرورة، نظرًا لاختلاف السياقات الدولية الحالية عن تلك التى سادت خلال النصف الثانى من القرن العشرين، موضحًا أن الحرب الباردة كظاهرة سياسية تبقى احتمالًا قائمًا فى بنية النظام الدولى، لكنها عادة ما تظهر فى ظروف معينة، أبرزها ما بعد الحروب الكبرى أو فى ظل تراكم أزمات دولية واسعة، تنتقل بعدها الصراعات من المواجهة العسكرية المباشرة إلى أدوات غير تقليدية.

ويؤكد مدير المركز العربى، أن هذه الصيغة الكاملة للحرب الباردة لم تتبلور بعد، إذ لا توجد حتى الآن حرب عالمية أو صدام مباشر بين القوى الكبرى، بل مواجهات إقليمية محدودة ومدعومة دوليًا.

فى المقابل، يعتبر بهاء محمود، الباحث فى مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن مفهوم الحرب الباردة التقليدية لم يعد صالحًا لتوصيف المشهد الدولى الحالى، مؤكدًا أن احتمالات عودته بصورته الكلاسيكية أصبحت شبه مستبعدة، موضحًا أن العالم يشهد بالفعل مواجهات مباشرة بين القوى الكبرى، سواء على الصعيد العسكرى أو الاقتصادى، مستشهدًا بالحرب فى أوكرانيا، التى وصفها بأنها مواجهة حقيقية بين روسيا والغرب، فى ظل الدعم العسكرى الواسع الذى تقدمه الولايات المتحدة والدول الأوروبية لـ«كييف».