خطة تاريخية لتحويل ديون بـ 10مليارات دولار إلى مشاريع وشراكات تنموية ضخمة
إسلام عبد الرسول
فى ظل تصاعد التحديات الاقتصادية المتعلقة بحجم الدين العام واستدامته، تسعى الحكومة المصرية إلى تحويل هذه التحديات إلى فرص استثمارية من شأنها دعم الاقتصاد الوطنى، وضمن هذه الاستراتيجية، أشار أحمد كجوك، وزير المالية، إلى أن خفض الدين العام يتصدر أولويات الدولة، وأن الحكومة تبذل جهودًا متواصلة لتحسين المؤشرات المالية، مع التركيز على تقليص نسبة الدين إلى الناتج المحلى الإجمالى.
يكشف «كجوك» أن الدين الخارجى لأجهزة الموازنة تراجع بحوالى 4 مليارات دولار خلال عامين، كما أكد أن الحكومة تسير على نهج جديد فى إدارة الدين، حيث أصبحت تُسدد أكثر مما تقترض. هذه السياسة تهدف إلى تقليص أعباء خدمة الدين، مما يوفر موارد إضافية تُخصص لتحسين مستوى معيشة المواطنين وزيادة الإنفاق على الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.
وأشار الوزير إلى أن الحكومة تستهدف خفض الدين إلى نحو 80% من الناتج المحلى الإجمالى بحلول يونيو المقبل، مع التزامها بمسار انضباط مالى يضمن استدامة المالية العامة.
10 مليارات دولار فى طريقها للتحول لاستثمارات تنموية
فى خطوة مثيرة، كشفت مصادر رسمية لـ«روزاليوسف » عن أن الحكومة بدأت مباحثات جادة لتحويل نحو 10 مليارات دولار من الديون إلى استثمارات تنموية. هذه الخطوة تعكس استراتيجية الحكومة الرامية إلى استخدام حصيلة الطروحات الحكومية فى خفض المديونية وضبط الإيرادات العامة.
ويبدو أن هذه المبادرة جزء من رؤية أشمل تهدف إلى تعزيز تنافسية الاقتصاد المصرى من خلال زيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتطوير المشاريع التنموية فى عدة قطاعات، خاصة فى مجالات البنية التحتية والطاقة.
تعزيز دور القطاع الخاص وتخفيف الأعباء
وفى إطار السياسة المالية، يقول «كجوك»: إن الحكومة تسعى لتوسيع القاعدة الاقتصادية والإنتاجية والضريبية لصالح المواطنين والمستثمرين، معتبرا أن تعزيز دور القطاع الخاص أحد محركات النمو الرئيسية التى من شأنها تحسين بيئة الاستثمار وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين والمستثمرين على حد سواء.
كما يوضح أن الموازنة الجديدة ستتضمن زيادات فى مخصصات الصحة والتعليم وبرامج الدعم النقدى الأكثر استهدافًا للفئات الأولى بالرعاية. وتستهدف الحكومة زيادة دور القطاع الخاص فى تحقيق أولويات الدولة الاقتصادية، خاصة من خلال توجيه الاستثمارات نحو القطاعات التى تُحسن من النمو الاقتصادى المحلى.
تعزيز دور القطاع الخاص وتخفيف
يؤكد الدكتور مصطفى مدبولى، رئيس مجلس الوزراء، أن خطة خفض الدين العام لم تكن مجرد فكرة طارئة، بل هى نتاج لعدة سنوات من العمل الجاد والهادئ. وقد أشار إلى أن الحكومة اتخذت خطوات جادة لتحويل جزء من الدين إلى استثمارات مباشرة، وهو ما سيتضح من خلال إجراءات سيتم الإعلان عنها قريبًا.
وفى هذا السياق، تضيف المصادر الحكومية أن التحركات الفعلية لخفض الدين بدأت مع إصدار قانون المالية العامة الموحد رقم 6 لسنة 2022، وهو ما أسهم فى تحديث أدوات إعداد وتنفيذ الموازنة وتطوير نظم المحاسبة الحكومية. كان هذا القانون بمثابة نقطة تحول رئيسية فى كيفية إدارة الدين العام، حيث أدت الإصلاحات التشريعية إلى تحسين مؤشرات الاستدامة المالية على المديين المتوسط والطويل.
خطوة حاسمة فى إصلاح النظام المالى
أهم التحولات فى إدارة الدين العام جاءت بعد تعديل قانون المالية العامة الموحد بموجب القانون رقم 18 لسنة 2024 ، الذى أقر الانتقال إلى موازنة الحكومة العامة التى تشمل الهيئات الاقتصادية . وقد أسفر هذا التعديل عن دمج الإيرادات والمصروفات فى إطار واحد، مما أتاح عرض صورة أكثر دقة لموارد الدولة والتزاماتها المالية. وبفضل هذه الإصلاحات، تراجعت نسبة أعباء الفوائد إلى الإيرادات إلى نحو 33%، مقارنة بنحو 65-75% فى سنوات سابقة. هذا التحول جاء مع إشادة من المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولى والبنك الدولى، حيث اعتبروا أن هذه التعديلات قد أسهمت فى تعزيز الشفافية المالية وتحسين مصداقية الاقتصاد المصرى عالميًا.
الخفض لأجل التنمية والاستثمار فى الإنسان
الهدف الرئيسى للحكومة من خفض الدين ليس فقط تقليص الأرقام، ولكن أيضًا تحرير موارد مالية يمكن إعادة توجيهها نحو الاستثمار فى الإنسان المصرى. هذا يشمل تحسين مستوى الخدمات العامة، مثل التعليم والصحة، وتوفير الدعم للفئات الأكثر احتياجًا. وحسب المصادر، فإن جزءًا كبيرًا من الديون التى تم الحصول عليها خلال السنوات الماضية وجه لتمويل مشاريع بنية تحتية ضخمة، مثل الطرق والموانئ والطاقة، مما يسهم فى دعم قدرة الاقتصاد على النمو وتحقيق عوائد استثمارية على المدى الطويل.
التحديات المستقبلية
رغم التقدم المحرز فى تقليص الدين العام وتحقيق معدلات نمو اقتصادية، يبقى النجاح النهائى لهذا المسار مرهونًا بعدد من العوامل، أبرزها استقرار الأوضاع الاقتصادية العالمية وتحقيق نمو حقيقى ومستدام على الصعيد المحلى. فقد أشار العديد من الخبراء إلى أهمية تحقيق استقرار معدلات التضخم وأسعار الفائدة، باعتبارها عناصر حاسمة فى تخفيف أعباء خدمة الدين.
وفى هذا السياق، يؤكد الخبير الاقتصادى مصطفى بدرة أن تحسين نسبة الدين إلى الناتج المحلى الإجمالى يتطلب استراتيجية طويلة الأجل تقوم على تعظيم الموارد وترشيد النفقات . وأضاف بدرة أن الحل الحقيقى يكمن فى دعم القطاعات الإنتاجية ذات القيمة المضافة، مثل الصناعة والسياحة، بما يعزز من قدرة الاقتصاد على التعافى والنمو.










