زلزال سياسى يضرب استقرار اليمن
أمانى عزام
يشهد المشهد اليمنى فى الآونة الأخيرة تحولات متسارعة تعكس عمق الأزمة وتعقيداتها، لكنها فى الوقت ذاته تفتح نافذة لإعادة ترتيب موازين القوى، واستعادة حضور الدولة، بعد سنوات من الانقسام والتدخلات والصراعات الداخلية التى أنهكت البلاد، وأضعفت مؤسساتها، وحولت اليمن إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية وحروب الوكالة.
وتتفق قراءات سياسية وأكاديمية يمنية فى حديثها لجريدة «روزاليوسف» على أن ما جرى فى المحافظات الشرقية لا يمكن النظر إليه كحدث معزول، بل يأتى فى سياق صراع ممتد، تتداخل فيه عوامل بنيوية تعود جذورها إلى ما قبل أكثر من عقد، مع مستجدات ميدانية وسياسية أعادت خلط الأوراق، وفرضت واقعًا جديدًا على الأطراف المختلفة.
«محاولة جديدة للانقلاب»
فى هذا السياق، يصف الدكتور فارس البيل، رئيس مركز المستقبل اليمنى للدراسات، ما جرى بأنه «محاولة انقلاب مسلح ضد الدولة اليمنية من شريك فى السلطة»، مشيرًا إلى أن المجلس الانتقالى الجنوبى، رغم كونه شريكًا فى الحكومة الشرعية وممثلًا فى مجلس الرئاسة والحكومة عبر وزراء ومحافظين، أقدم على استخدام القوة المسلحة لطرد مؤسسات الدولة من محافظتى حضرموت والمهرة، والدعوة إلى مشروع انفصالى يهدد وحدة اليمن واستقراره.
ويثمن التحرك السريع لحكومة الشرعية، بناءً على طلب دعم المملكة العربية السعودية بصفتها قائد التحالف العربى، ما أسفر عن تدخل فاعل لقوات «درع الوطن» اليمنية التى تمكنت، بدعم سعودى مباشر، من استعادة حضرموت والمهرة خلال 48 ساعة فقط، وعودة مؤسسات الدولة، مع إعلان إنهاء التمرد، منوهًا إلى أن هذه التطورات شكلت نقطة تحول فارقة، إذ انتقل المشهد من حافة الانهيار إلى مسار استعادة الدولة.
»البيل« يؤكد أن المجلس الانتقالى خرج فعليًا من المشهد السياسي، وأن أى عودة محتملة له ستكون دون سلاح أو مليشيات أو مشاريع طائفية أو عنصرية، متوقعًا أن يتفق فى الرياض على شكل الدولة اليمنية القادمة وعلى شكل المستقبل وحل القضية الجنوبية، وأن يكون هنالك استيعاب فى إطار الدولة اليمنية لصالح الاستقرار لكل المكونات اليمنية، ولصالح الدولة القوية.
“الحكمة وتوحيد القرار”
من جانبه، يشدد محمد الفقيه، القيادى فى حزب المؤتمر الشعبى العام، على أن اليمن يمر بمرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات الحكمة والمسئولية الوطنية، محذرًا من أن غياب توحيد القرار الوطنى أسهم بشكل مباشر فى إطالة أمد الصراع، وتعطيل جهود الاستقرار وبناء الدولة، مشيرًا إلى أن الأحداث التى شهدتها بعض المناطق الشرقية تعكس تعقيدات المشهد اليمنى، وتؤكد الحاجة الملحة إلى تنسيق وطنى شامل، قادر على تجاوز الحسابات الضيقة، والانطلاق نحو مشروع وطنى جامع يعيد للدولة هيبتها ومكانتها.
ويشيد القيادى فى المؤتمر الشعبى العام بالدور المحورى والمقدر الذى تقوم به المملكة العربية السعودية، سواء فى دعم الشرعية اليمنية، أو فى جهود التهدئة، أو فى مساعى تثبيت الأمن ومنع انزلاق الأوضاع نحو الفوضى، معتبرًا أن هذا الدور يمثل ركيزة أساسية لأى مسار جاد نحو الاستقرار.
“ أزمة متجذرة من 2011”
وفى قراءة أعمق لجذور الأزمة، يرى الدكتور على الخولانى، رئيس المركز اليمنى المستقل للدراسات الاستراتيجية، أن التطورات الأخيرة ليست سوى امتداد لمسار طويل من الأزمات البنيوية التى بدأت مع أحداث عام 2011، حين جرى الخروج على الشرعية الدستورية، بدوافع تتعلق بالصراع على السلطة والثروة، موضحًا أن قوى سياسية، وفى مقدمتها جماعة الإخوان ممثلة بحزب التجمع اليمنى للإصلاح، لعبت دورًا محوريًا فى تحريض الشارع وإسقاط النظام، قبل أن يستغل الحوثيون حالة الفوضى للتمدد والسيطرة، لتدخل البلاد فى دوامة صراع لا تزال مستمرة حتى اليوم. “الخولانى” يشير إلى أن النخب السياسية اليمنية التى حرضت على الخروج إلى الشارع فى تلك المرحلة تتحمل مسئولية كبرى عمّا آلت إليه الأوضاع، مؤكدًا أنها أسهمت فى تفكيك الدولة، وإضعاف سيادتها، وتحويل اليمن إلى ساحة صراع بالوكالة تخدم مصالح وأجندات خارجية. ويشدد على أن الأنانية السياسية والانتهازية، وغياب الولاء الوطنى، وافتقار البلاد إلى إرادة سياسية جامعة، تمثل عوامل بنيوية أسهمت فى تفجير الأحداث الأخيرة، لا سيما فى المناطق الشرقية، حيث تكرس سلوك النخب السياسية غياب مشروع وطنى جامع، وتعميق الانقسامات، وإضعاف قدرة الدولة على إدارة الأزمات، محذرًا من أن استمرار هذا النهج سيؤدى إلى تفاقم معاناة المواطنين، وتقويض فرص الاستقرار، وفتح الباب أمام مزيد من التوترات الأمنية التى لا تخدم اليمن ولا محيطه الإقليمى.
“حوار جامع واستعادة الدولة”
فى مقابل هذا المشهد المعقد، تبرز مؤشرات على مسار جديد، مع إعلان حوار “جنوبى – جنوبى” فى الرياض برعاية المملكة العربية السعودية، فى خطوة ينظر إليها باعتبارها محاولة جادة لإعادة ترتيب البيت الداخلى، والتوافق على شكل الدولة اليمنية القادمة، وحل القضية الجنوبية فى إطار الدولة، بعيدًا عن السلاح والمليشيات، إذ يجمع المتحدثون على أن المرحلة المقبلة تتطلب تحمل جميع القوى السياسية مسئولياتها الوطنية، وتغليب لغة الحوار، والعمل الجاد على بلورة مشروع وطنى جامع يضع مصلحة اليمن وأمنه واستقراره فوق كل اعتبار، تمهيدًا لبناء دولة قوية قادرة على مواجهة التحديات الداخلية.









