الأحد 11 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

فيلم الست.. مؤامرة فنية أم حالة إبداعية

أم كلثوم تتحدث عن نفسها

“أم كلثوم” صاحبة الصوت الخالد، التى لم توقفه السنوات، المطربة التى تجاوزت حدود الغناء لتصبح رمزًا وجدانياً خالداً فى مصر والعالم العربى، وتركت أثرًا عميقًا فى وجدان الأجيال على مدار عقود طويلة، من خلال أعمال خالدة لا تزال حاضرة فى الذاكرة، أبرزها «إنت عمري» وقصيدة «بين الأطلال» و«ألف ليلة وليلة» و«سيرة الحب »، إلى جانب أعمالها السينمائية أبرزها فيلم «فاطمة»، لتصبح “كوكب الشرق” أيقونة فى مسيرة الموسيقى العربية، إذ جمعت بين الأصالة والتجديد، وقدمت رسالة فنية ووطنية وإنسانية من خلال أعمالها الخالدة، التى جسدت قيم الصمود والإصرار على النجاح، إلا أن فيلم «الست» الذى تناول سيرة “صوت مصر”، أثار جدلًا واسعا فى الأسابيع الماضية بسبب التباين بين مكانتها التاريخية والصورة التى عرضها الفيلم عنها، سواء فى حياتها الشخصية، أو علاقاتها بأهلها، أو الوقائع التاريخية المهمة فى مسيرتها.



فى البداية، ترى الناقدة مها متبولى، أن المؤلف أحمد مراد تعامل مع سيرة فنانة بحجم أم كلثوم بوصفها “سلعة جماهيرية” قابلة للترند، بدلًا من التركيز على قيمتها الفنية الحقيقية، خاصة أن تقديم سيرة ذاتية لأى رمز تاريخى يفرض التزامًا صارمًا بالوقائع، إلا أن فيلم «الست» جاء ممتلئًا بأخطاء تاريخية ومواقف صُوّرت من الخيال، مما جعلها تعتبر أن “مراد” لم يكن على مستوى المسئولية الفنية لتقديم عمل يليق بـ«الست».

 

 

 

 

وتوضح، أن أحد أبرز هذه الأخطاء يظهر فى مشهد السقوط على المسرح، حيث تشير الوقائع الحقيقية إلى أن أم كلثوم سقطت أثناء غنائها «بين الأطلال»، عندما حاول أحد المعجبين الاقتراب منها، فنهضت بعدها قائلة عبارتها الشهيرة: «هل رأى الحب سُكارى مثلنا»، وسط ضحكات الجمهور قبل أن تواصل الغناء، إلا أن الفيلم نقل المشهد إلى أغنية «إنت عمري» لإظهارها فى صورة المرأة المنكسرة، وهو ما اعتبرته الناقدة خيانة فنية وتشويها متعمدًا للوقائع.

وتشير “متبولى أيضًا إلى الطريقة التى قُدّمت بها علاقة أم كلثوم بوالدها، ووصفتها بـ«المؤامرة الفنية»، لافتة إلى أن والدها كان الداعم الأول لمسيرتها، فقد ألحقها بالكُتّاب، وحفّظها القرآن لضبط مخارج الحروف، وساعدها فى بداياتها بالإنشاد الدينى، ثم أوصى أخاها برعايتها بعد مرضه، فى حين ظهر فى الفيلم بصورة مغايرة تمامًا.

وانتقدت “متبولى”، استخدام المخرج مروان حامد لتقطيعات مونتاج كثيرة وسريعة، الأمر الذى أربك الإيقاع العام للفيلم وأفقده توازنه.

من جانبه، يقول الناقد رامى عبد العزيز، إن فيلم «الست» جاء كتجربة باهتة، مشيرًا إلى أنه كان يستحق أن يمتلك غرضا فنيا محددًا، متسائلاً عن سبب تقديم فيلم عن أم كلثوم فى هذا التوقيت دون هدف حقيقى.

 

ماجدة خيرالله: الفيلم حالة إبداعية مختلفة عمّا كان يتوقعه الجمهور
ماجدة خيرالله: الفيلم حالة إبداعية مختلفة عمّا كان يتوقعه الجمهور

 

ويؤكد “عبدالعزيز”، أن غياب الغرض الجمالى والروح الخاصة فى الفيلم جعل كل ما قُدِّم من إنتاج وتصوير وملابس يبدو مجرد شكل خارجى بلا فائدة حقيقية، قائلاً: «للأسف أرى أن الفيلم تجربة بلا رؤية وبلا غرض، حتى الغرض الجمالى نفسه كان غائبًا، جلست ثلاث ساعات أمام الفيلم دون أن أشعر أن هناك شيئًا يستحق هذا الوقت، لا أطالب برسالة مباشرة للعمل، لكن كنت أتمنى أن أرى سببا واحدًا يجعلنى أقول إنه كان يستحق المشاهدة».

ويرى الكاتب الصحفى محمود التميمى، أن فيلم «الست» كان مشروعًا متكامل العناصر من حيث الإنتاج الضخم، والصورة، والملابس، إلا أن هذه المقومات جميعها لم تنجح فى إنقاذ العمل من الإخفاق، بسبب ما وصفه بـ«الرؤية الخاطئة» فى التعامل مع شخصية بحجم أم كلثوم، مؤكدًا أن المؤلف أحمد مراد والمخرج مروان حامد يتحملان مسئولية ذلك، لأن خروج العمل بهذا الشكل يعنى أن المخرج كان راضيًا تمامًا عن هذه الرؤية.

 

مها متبولي: المؤلف تعامل مع أم كلثوم كـ «سلعة جماهيرية» بدلًا من  التركيز على قيمتها الحقيقية
مها متبولي: المؤلف تعامل مع أم كلثوم كـ «سلعة جماهيرية» بدلًا من التركيز على قيمتها الحقيقية

 

وأضاف التميمى: «المشكلة الأساسية فى الفيلم أنه ركّز على الأخطاء والخطايا دون أن يؤكد أولًا عظمة أم كلثوم، مع أنها قيمة تاريخية لا تحتاج لمن يثبت عظمتها، وبالتالى فإن مناقشة أى جوانب سلبية يجب أن تكون فى إطار يؤكد مكانتها، لا أن يشوّه صورتها فى وجدان الجمهور». 

ويشير إلى أن الأثر الباقى بعد مشاهدة الفيلم كان سلبيًا لدى جمهور أم كلثوم ومحبيها، حيث خرج كثيرون بانطباع مشوّه عن شخصيتها، نتيجة ما اعتبره «تشويهًا متعمدًا» فى رسم ملامحها النفسية والإنسانية، مضيفًا أن المشكلة لم تكن فى التكنيك أو الجهد المبذول، بل فى اختراق روح مختلفة تمامًا عن روح أم كلثوم الحقيقية.

ويرى أن ضعف الرؤية أخطر من أى «مؤامرة فنية»، معتبرًا أن مؤلف الفيلم لم يكن ملمًا بحقيقة أم كلثوم، ولم يقدم جديدًا حقيقيًا عنها، بل وقع فى فخ البحث عن المختلف عن المسلسل الشهير، فسقط فى هوس «ما لم يُقدَّم من قبل»، حتى لو كان ذلك على حساب القيمة والعظمة.

وانتقد مشهد جمع التبرعات للمجهود الحربى فى الفيلم، معتبرًا أن الشخصية الدرامية التى قدمها العمل لا تجعل المشاهد يصدق أنها يمكن أن تقوم بدور وطنى بهذا الحجم، بعدما صُوِّرت طوال الأحداث باعتبارها شخصية انتهازية وسلبية. 

وعن مشهد سقوط أم كلثوم على المسرح فى بداية الفيلم، قال التميمى: “يمكن التسامح فى هذا المشهد نسبيًا، خاصة أن الكاتب أعلن منذ البداية أن العمل «مستوحى» وليس ملتزمًا بالوقائع التاريخية، إلا أن الخطأ الأكبر تمثل فى تدمير دلالة هذه الواقعة، إذ غيّر الفيلم الأغنية من «بين الأطلال» إلى «إنت عمري»، بينما الحقيقة أن أم كلثوم سقطت ثم نهضت بعد دقيقة، فى مشهد أصبح رمزًا لشموخ مصر وقدرتها على النهوض من الكبوات، قبل أن يحوّله الفيلم إلى تقليد بالنص لمشهد فى فيلم فرنسى”.

وانتقد “التميمى”، كذلك نهاية الفيلم التى انتهت بوفاة أم كلثوم، متسائلًا عن سبب إهدار سنوات عظيمة من تاريخها الفنى والإنسانى، مشيرًا إلى غياب شخصيات محورية أبرزها بليغ حمدى، والشيخ زكريا أحمد، ومحمد عبد الوهاب، ومصطفى وعلى أمين، وغيرهم من الأسماء التى لعبت أدوارًا رئيسية فى مسيرتها، مؤكّدًا أن العلاقة مع والدها الشيخ إبراهيم البلتاجى قُدمت بشكل ظالم، بينما الحقيقة، بحسب مذكرات أم كلثوم، أنها دافعت عنه مرارًا وبصوتها، لكن الفيلم شُوِّه علاقتها بأسرتها وظهرت الست مشحونة بمشاعر سلبية غير مبررة.

على جانب آخر، ترى الناقدة ماجدة خيرالله أن فيلم “الست” جاء كحالة إبداعية مختلفة عمّا كان يتوقعه الجمهور، موضحة أن كثيرين ظنوا قبل مشاهدته أنه سيكتفى باستعراض أغانى أم كلثوم وذكر الملحنين والوقائع المعروفة التى سبق تناولها فى أعمال فنية أخرى، إلا أن الفيلم اختار مسارًا مختلفًا، فركّز على مواقف إنسانية من حياتها تكشف أنها رغم بساطة نشأتها، كانت تتمتع بشخصية قوية وبعد نظر وطموح وكبرياء، وهى الصفات التى صنعت “الأسطورة”، وليس الصوت وحده.

وتشير “خيرالله”، إلى أن زمن “أم كلثوم” كان مليئًا بالأصوات النسائية الكبيرة أبرزهن أسمهان وفتحية أحمد وليلى مراد، لكن تميّزها الحقيقى كان فى شخصيتها الواعية، واختياراتها الجريئة لنوعية الأغانى، وانتقائها للشعراء وعلى رأسهم أحمد رامى، فضلًا عن أنها كانت دائمًا تفضل فنها وقيمتها الفنية على أى علاقة عاطفية تقترب منها.

وتوضح، أن السيناريو تعمّد اختيار مجموعة من المشاهد الداعمة لشخصيتها، وافتتح بموقف شديد القوة يتمثل فى غنائها على مسرح “الأولمبيا” فى باريس دعمًا للمجهود الحربى، وهو الحفل الذى حضره جمهور أجنبى لا يتحدث العربية إلى جانب جمهور من الشرق والغرب، فى دلالة على القيمة العالمية لهذه السيدة.

 

رامى عبدالعزيز: «تجربة باهتة».. وكل ما قُدم مجرد شكل خارجى
رامى عبدالعزيز: «تجربة باهتة».. وكل ما قُدم مجرد شكل خارجى

 

وتختتم “خيرالله”، حديثها بأن المشكلة لم تكن فى الفيلم، بل فى تصورات الجمهور المسبقة، إذ ذهب كثيرون لمشاهدة عمل يعرفون تفاصيله مسبقًا، متسائلة: ما قيمة أى فيلم إذا كان سيعيد ما نعرفه بالفعل؟، مؤكدة أن الفيلم يتمتع بمستوى فنى متميز على صعيد الصورة والمونتاج والأغانى والأداء التمثيلى، رغم التحديات الكبيرة التى واجهها العمل، وترى أنه سينال تقديرًا أوسع بمرور الوقت، كما حدث مع أعمال عديدة لم تُفهم من عرضها الأول، ثم بدأ الجمهور فى استيعابها وتذوقها عند عرضها عبر المنصات أو شاشات التلفزيون.