الخميس 22 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

من فنزويلا إلى جرينلاند.. العالم على حافة الفوضى

لم يأسف العالم على وداع عام 2025، الذى طغت عليه الفوضى والاضطراب، غير أن المؤشرات مع مطلع 2026 بدت أكثر قتامة. فالولايات المتحدة، التى لعبت دور المحرك الأساسى للأحداث العالمية خلال العام الماضى، دخلت العام الجديد بسياسات أكثر صراحة وحدّة، تعيد تشكيل النظام الدولى على أساس القوة لا القواعد المتفق عليها.



وخلال 2025، انسحبت واشنطن رسميًا من عدد من مؤسسات العمل متعدد الأطراف، أبرزها منظمة الصحة العالمية واتفاقية باريس للمناخ، وأغلقت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وخفّضت تمويلها لعدد كبير من وكالات الأمم المتحدة، ما أحدث هزات عنيفة فى منظومة التعاون الدولى والنظام التجارى العالمى، وفقًا لمجلس «شيكاغو» للشئون العالمية، كما جرى ربط الاتفاقيات التجارية بشكل مباشر باعتبارات الأمن القومى الأمريكى، فى خروج صريح عن الأعراف الاقتصادية السائدة.

بداية 2026.. تصعيد بلا سقف

مع دخول 2026، تصاعدت الأحداث بوتيرة غير مسبوقة، بدءًا من التدخل العسكرى فى فنزويلا واعتقال رئيسها، مرورًا بتهديدات علنية بفرض السيطرة على جرينلاند، الإقليم المتمتع بالحكم الذاتى والتابع للدنمارك، العضو فى حلف شمال الأطلسى، وصولًا إلى إعلان الانسحاب من 66 منظمة دولية، من بينها الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ وشراكات تعاون أطلسية.

ويزيد المشهد تعقيدًا اقتراب انتهاء آخر معاهدة قائمة للحد من التسلح النووى بين الولايات المتحدة وروسيا، والتى تضع سقفًا للرءوس الحربية الاستراتيجية المنتشرة، دون وجود أى مؤشرات على بديل مطروح، أو نقاش جاد حول مستقبل منظومة ضبط التسلح العالمى.

سياسة بلا قيود

قراءة المشهد الراهن تشير إلى قيادة أمريكية غير مقيدة بسوابق أو أعراف أو حتى بالقانون الدولى، فى ظل غياب فعلى لأى كوابح داخلية أو خارجية، فالحلفاء لم يبدوا قدرة على الردع، والكونجرس يكتفى بسجالات قانونية، بينما تبدو المحاكم عاجزة عن فرض قيود فاعلة.

وفى الحالة الفنزويلية، لم يكن الخطاب مرتبطًا بالديمقراطية أو حقوق الإنسان، بقدر ما ارتبط بإعادة توزيع النفوذ ومنع قوى دولية منافسة من الاستفادة من موارد الطاقة، فى وقت استحوذت فيه الصين وحدها على نحو 80% من صادرات النفط الخام الفنزويلية خلال العام الماضى، إلى جانب حضور فاعل لكل من روسيا وإيران وكوبا.

حلفاء مرتبكون ونظام هش

أما الحلفاء الأوروبيون، فقد التزموا قدرًا من ضبط النفس عقب التطورات فى فنزويلا، قبل أن تتصاعد نبرة القلق مع تجدد التهديدات بضم جرينلاند، غير أن الخيارات المتاحة أمام أوروبا تبدو محدودة؛ فالانسحاب من «الناتو» يظل سيناريو مستبعدًا فى ظل غياب بديل أمنى قادر على حماية المصالح الأوروبية.

وفى الوقت نفسه، تُظهر استطلاعات رأى أن الرأى العام الأمريكى لا يؤيد عالمًا تحكمه مناطق نفوذ مغلقة، ما يطرح تساؤلًا جوهريًا حول ما إذا كانت اعتبارات الشعبية ستحد من اندفاعة الهيمنة، أم أن المزاج العام سينساق خلف خطاب القوة.

صراحة تكشف النوايا

صحيفة «الجارديان» وصفت المشهد بـ«لحظة حقيقة مروعة»، فى إشارة إلى تصريحات تعكس صراحة صادمة، لا تعترف بأى قيود خارج إطار القناعة الذاتية. فقد جرى الإعلان بوضوح عن إدارة أمريكية مباشرة لفنزويلا، دون تبريرات تقليدية تتعلق بالديمقراطية أو مكافحة المخدرات، بل بمنطق السيطرة المجردة.

وتمدد هذا الخطاب ليشمل تهديدات صريحة لدول أخرى فى أمريكا اللاتينية، فى رسالة مفادها أن ما جرى فى فنزويلا يمكن تكراره، وأن مجرد التلويح بالقوة بات أداة كافية لإخضاع الخصوم.

إمبراطور بلا أوهام

فى حوار مع «نيويورك تايمز»، جرى التأكيد على أن القيد الوحيد على اتخاذ القرار هو «الأخلاق والعقل»، فيما تُستبعد جميع آليات الضبط والتوازن الأخرى، سواء كانت قانونية أو مؤسسية، وهو توصيف يعكس تصورًا للذات يتجاوز فكرة الرئيس الوطنى إلى دور الإمبراطور العالمى.

ورغم أن الترسانة العسكرية الأمريكية قد تمنح هذا النهج قوة فرض الأمر الواقع، فإن التاريخ يثبت أن تكتل القوى الكبرى، خاصة فى أوروبا، يمكنه إحداث توازن مضاد إذا توفرت الإرادة السياسية. كما يظل الرهان الداخلى قائمًا على صناديق الاقتراع، حيث قد يشكل تغير موازين الكونجرس عامل كبح مباشر لهذا المسار.

فى المحصلة، يدخل العالم عام 2026 على إيقاع سياسة لا تخفى نواياها، ولا تعترف بالقيود، ما يضع النظام الدولى أمام اختبار وجودى حاسم: إما إعادة إنتاج توازن جماعى، أو الانزلاق إلى عصر الهيمنة الصريحة بلا ضوابط.