الإمام الطيب.. حصن الوسطية والأخوة الإنسانية
أيمن عبد المجيد
فى حياة الأمم والدول والمؤسسات، رجال يقدر الله لهم تحمل المسئولية فى لحظات فارقة، يخلصون فى أداء دورهم، فيتركون بصمات وأثرا تتوارثه الأجيال.
بين تلك المؤسسات، الأزهر الشريف الجامع والجامعة، الضارب بجذوره فى عمق التاريخ مسافة تتجاوز الألف عام، كان ولا يزال حصن الوسطية، المدافع عن صحيح الدين، فى مواجهة موجات الغلو والتطرف والتضليل. فضيلة الإمام الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، أحد هؤلاء العلماء الأجلاء، الذين قدر الله لهم قيادة دفة سفينة الأزهر الشريف فى حقبة تاريخية بالغة التحديات والمخاطر محليًا وإقليمًا ودوليًا.
فى 3 ربيع الثانى 1431هـ، الموافق 19مارس 2010، تحمل فضيلة الإمام الطيب المسئولية، شيخًا للأزهر الشريف، خلفًا لفضيلة الإمام محمد سيد طنطاوى تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جناته.
فى اليوم العشرين لتولى فضيلته المسئولية، كان مقالى فى عمود «قلم ولغم»، بجريدة روزاليوسف 8 أبريل 2010، تحت عنوان «الإمام الطيب»، -لفضيلته من اسمه نصيب- تناول المقال مرض التطرف الذى يمكن تحسس عرضه فى غالبية الخطاب المتطرف الذى يتبناه الدعاة الهواة من المنتمين لجماعات سياسية، والمفتقدين للمؤهلات العلمية.. وهم ليسوا من خريجى الأزهر الشريف.
واليوم فى ذكرى مولده الثمانين أمدّ الله فى عمره، وعطائه، وبعد 16 عامًا شيخًا للأزهر الشريف، نحتفى بإمام جليل، عالم أخلص لدينه ووطنه، وأمته، قاد سفينة الأزهر والدعوة لصحيح الدين فى محيط متلاطم الأمواج والتحديات محليًا وإقليميًا ودوليًا، واجه التطرف، وأسهم فى تعزيز نسيج الوطن، ودعا للتسامح والإخاء وشارك البابا فرنسيس بابا الفاتيكان -رحمه الله- فى صياغة وإطلاق وثيقة الأخوة الإنسانية.
مثل هؤلاء الرجال العظماء، الذين يقدر الله تحملهم المسئولية، فى لحظات تاريخيّة عصيبة، شخصيات متفردة، نجاحهم مرهون بقدرات خاصة، شكلها العلم والمعرفة والإخلاص، وتجارب السنين.
شيخ الأزهر رقم 50، الإمام الطيب من هؤلاء الناجحين فى مهامهم، بحكمة ورشد وهدوء، شخصية متشعبة الخبرات والتكوين، فالرجل ولد ونشأ فى أعماق صعيد مصر، قرية القرنة بمحافظة الأقصر، لأسرة صوفية زاهدة، تنشغل بعلوم الدين.
حفظ القرآن الكريم طفلًا، والتحق بالمعهد الدينى فى إسنا ثم فى قنا، ليدرس فى المرحلة الجامعية بقسم العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين فى القاهرة، والتى تخرج فيها عام 1969م، بتقدير عام جيد جدًا مع مرتبة الشرف ليعين معيدًا بها.
تدرج من عمادة عدة كليات إلى مفتى الديار المصرية، ورئاسة جامعة الأزهر الشريف، ومشاركة فاعلة فى مؤتمرات علمية وأثرى المكتبة الإسلامية بالعديد من المؤلفات.
بين المكان والزمان والدراسة، الكثير من الدلائل على تكوين شخصية الإمام، فالمكان صعيد مصر، والزمان 6 يناير 1946، والدراسة العقيدة والفلسفة، بين الجذور التى لا يزال يرتبط بها، وجد ووالد يؤدون دورا اجتماعيا فى الإصلاح بين المتخاصمين وفض المنازعات والدعوة إلى الله، ليجلس حكمًا فى سن الـ25 يصلح بين الناس، وإلى اليوم، وبين أحداث جسام من الحروب العالمية والمحلية.
يقول الإمام فى كلمته خلال المؤتمر العالمى للأخوة الإنسانية الذى استضافته العاصمة الإماراتية أبوظبى 3 فبراير 2019: «إننى أنتمى إلى جيل يمكن أن يسمى جيل الحروب بكل ما تحمله الكلمة من خوف ورعب ومعاناة، فلا زلت أذكر حديث الناس عقب الحرب العالمية الثانية عن أهوال الحرب وما خلفته من دمار وخراب، ما أن بلغت العاشرة من عمرى حتى داهمتنا حرب العدوان الثلاثى 1956، ورأيت بعينى قصف الطائرات المعادية لمطار الأقصر، ولم تمض سنوات عشر، حتى اندلعت حرب 1967، بما خلفته من مآسى واقتصاد الحرب، ولم نتنفس الصعداء إلا مع انتصار أكتوبر 1973 فى حرب التحرير التى أعادت للعرب جميعًا كرامتهم وبعثت فيهم مكامن العزة والإباء والقدرة على دحر الظلم وأهله وكسر شوكة العدوان والمعتدين..».
يضيف الإمام الطيب: «ظننا وقتها أننا ودعنا الحروب وبدأنا عصر السلام والأمان والإنتاج، لكن الأمر سرعان ما تبدل بعد حين، واجهنا موجة جديدة من حروب خبيثة تسمى الإرهاب بدأت فى التسعينيات ثم استفحل أمرها حتى باتت تقض مضاجع العالم شرقًا وغربًا».
وهنا تظهر ملامح الشخصية بجلاء، عالم بصحيح الدين، دارس للفقه والفلسفة، معايش لأخطر تحديات الإنسانية، حروبها بأجيالها القديمة التقليدية وما خلفته من آلام للإنسانية، وأدواتها الجديدة التى تستخدم الإرهاب تارة والفتن تارة أخرى.
فالإمام الطيب من دراسة بالكُتّاب وأصالة القرية، إلى جامعة الأزهر فى القاهرة، إلى دراسة اللغة الفرنسية، ودرجتى الماجستير والدكتوراه، والانفتاح عبر السربون على الثقافة الغربية، جذور ضاربة فى عمق صحيح الثقافة الدينية، والانفتاح على الغرب وثقافته.
كل ذلك كون شخصية، أنجزت الكثير فى خدمة صحيح الدين والوطن والإنسانية، وفى القلب منها مواجهة التطرف والإرهاب الذى لا علاقة له بدين ولا جنسية ولا مكان محدد يقول فضيلة الإمام الطيب: «إن الأديان الإلهية بريئة كل البراءة من الحركات والجماعات المسلحة التى تسمى حديثًا بالإرهاب كائنًا من كان دينها أو عقيدتها أو فكرها، أو ضحاياها أو الأرض التى تمارس عليها جرائمها المنكرة فهؤلاء قتلة يسفكون الدماء معتدون على الله ورسالاته».
فى زيارته التاريخية للفاتيكان وعلى مائدة عشاء عامرة بمنزل البابا فرنسيس بابا الفاتيكان ولدت فكرة وثيقة الأخوة الإنسانية، اقترحها شاب جالس على المائدة نتيجة نقاش عميق بين قياديين دينيين مستنيرين، فكان القبول والعمل لإنتاج تلك الوثيقة التاريخية.
النسيج الوطنى
لم تمض أشهر على تولى فضيلة الإمام الدكتور أحمد الطيب مشيخة الأزهر الشريف، حتى اندلعت أحداث 2011 فى تونس ومن بعدها مصر والعديد من بلدان الوطن العربى.
تطورت الأوضاع وبات النسيج الوطنى مهددًا، تعالت نبرات الإرهاب، وقف الإمام الطيب والبابا تواضروس بابا الإسكندرية والبطريركية المرقسية، فى صف الوطن والشعب، رافضين العنف والإرهاب.
أسس الإمام الطيب بيت العائلة المصرية، معبرًا بذلك عن صحيح الدين، والأخوة والمحبة والتسامح، معززًا النسيج الوطنى، فيما قال البابا كلمته الشهيرة «وطن بلا كنائس خير من كنائس بلا وطن».
فى العاصمة الإدارية الجديدة، شارك فضيلة الإمام وقداسة البابا، فى افتتاح مسجد الفتاح العليم وكنيسة الميلاد، وقدما للعالم نموذجًا مشرفًا لصحيح الدين.
وهنا دولة تعمل على ترسيخ المواطنة وتقوية النسيج الوطنى بكامل مؤسساتها السياسية والدينية، فقد حرص الرئيس عبدالفتاح السيسى، على أن تكون أول منشآت العاصمة الإدارية الجديدة هى بيوت الله.
بناء الوعى
المدقق فى كلمات فضيلة الإمام فى مختلف الفعاليات المحلية والدولية، يكتشف أنها كلمات صادقة عميقة، تغوص فى أعماق المشكلات والتحديات، فالحروب يقف خلفها تجارها بأهدافهم الخبيثة.
موقف الإمام من القضية الفلسطينية، يعكس ذلك بجلاء، وأخطر تحدياتها الأخيرة حرب الإبادة فى غزة ومخطط التهجير، فقد اطلع الإمام على تفاصيل المخطط الذى يستهدف تصفية القضية الفلسطينية وتهديد الأمن القومى المصرى.
وقال فضيلة الإمام بكل وضوح فى ختام كلمته باحتفالية المولد النبوى الشريف 3 سبتمبر 2025: «سيادة الرئيس: إننا فى الأزهر الشريف نشد على يديكم وندعو الله أن يقوى ظهركم وأن يوفقكم فيما أنتم ماضون فيه، من الثبات على الموقف الرافض لذوبان القضية الفلسطينية، وحماية حقوق الشعب الفلسطينى فى البقاء على أرضه والرفض القاطع لمؤامرات التهجير والتشبث بالموقف المصرى التاريخى فى حماية القضية الفلسطينية ومساندة الفلسطينيين».
حفظ الله الإمام الدكتور أحمد الطيب، الذى لا يتوقف عن دعوة العالم لتذكر دروس التاريخ، والجنوح للسلام وحفظ الله مصر وأدام أزهرها الشريف منارة للوسطية وصحيح الدين..
وكل عام وفضيلة الإمام بخير وعطاء..






