الممر الملاحى «فيكتوريا ـــــ المتوسط» يتخطى السدود والشلالات
ولاء حسين
فى مارس 2026 تخضع واحدة من أكثر الأفكار طموحًا فى تاريخ حوض النيل لاختبار حقيقى، ممثل فى مرحلة التقييم الاستراتيجى البيئى والاجتماعى لمشروع ممر «فيكتوريا – المتوسط»، وهى المرحلة التى ستحدد ما إذا كان النيل قادرًا على أن يتحول من نهر نزاع إلى محور تنمية، أو أن يبقى أسير السياسة والشكوك المتبادلة.
المشروع الذى ظل لسنوات حبيس الدراسات الأولية يعود اليوم إلى واجهة الاهتمام الإقليمى والدولى، ليس باعتباره خطًا ملاحيًا فقط، بل بوصفه ممر تنمية عابرًا للحدود يعيد التفكير فى موقع إفريقيا داخل خريطة التجارة العالمية، خاصة بعد ربطه بطريق «القاهرة - كيب تاون البرى».
التقرير الخاص بدراسة التقييم الاستراتيجى البيئى والاجتماعى لمشروع «فيكتوريا - المتوسط» سيُعد بواسطة مكتب استشارى دولى، من المقرر إعلانه من خلال وزارة النقل خلال الأسابيع القليلة المقبلة، حيث يتم اختياره وفق قواعد ومعايير بنك التنمية الإفريقى، وستمتد أعماله لنحو 15 شهرًا.
وبحسب ما أكدته وزارة النقل فإن دراسة التقييم البيئى والاجتماعى الاستراتيجى تستهدف وضع إطار شامل لإدارة الآثار المحتملة للمشروع على طول المسار، بما يشمل الاعتبارات البيئية، وحقوق المجتمعات المحلية، وأنماط استخدام المجرى المائى، وليس الاكتفاء بتقييمات جزئية أو منفصلة لكل مقطع.
الدراسات السابقة وفوائد المشروع
تشير الدراسات الفنية والاقتصادية التى تناولت المشروع منذ إدراجه ضمن برامج البنية التحتية القارية إلى أن الاعتماد على الممر الملاحى يسهم فى خفض تكاليف النقل فى شرق ووسط إفريقيا مقارنة بالنقل البرى، مع تقليل زمن الشحن وتحسين القدرة التنافسية للصادرات، فضلًا عن أن المشروع يأتى فى ضوء ما تعكسه الدراسات حول تدنى التجارة البينية داخل إفريقيا، حيث سجلت فى عام 2023 نحو 192 مليار دولار، بما يعادل قرابة %15 من إجمالى تجارة القارة، وفقًا لتقرير African Trade Report 2024.
وفى المقابل، تضع الدراسات المبدئية لمشروع الممر الملاحى «فيكتوريا - المتوسط» التمويل بوصفه التحدى الأكبر للمشروع، إذ تُقدّر تكلفة الدراسات الأولية بنحو 11.7 مليون دولار، بينما قد تتراوح كلفة التنفيذ الإجمالية بين 8 و12 مليار دولار، ما يدفع إلى اقتراح آليات متعددة تشمل تنويع مصادر التمويل عبر بنوك التنمية والصناديق العربية، وتوسيع الشراكة مع القطاع الخاص، خاصة فى الموانئ والخدمات اللوجيستية، والاستفادة من أدوات التمويل الأخضر، والبناء على آليات تمويل إقليمية قائمة لدعم مشروعات حوض النيل.
ويشارك فى مشروع ممر «فيكتوريا - المتوسط» عدد من دول حوض النيل والدول المتصلة بروافده، وتشمل مصر، والسودان، وجنوب السودان، وأوغندا، وتنزانيا، وكينيا، ورواندا، وبوروندى، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث إن المجرى الرئيسى للمشروع يمر بالنيل إلى بحيرة فيكتوريا بالهضبة الاستوائية، وقد طلبت إثيوبيا إدراج نهر البارو ضمن نطاق المشروع بما يتيح ربطًا مائيًا من جهة إقليم جامبيلا باتجاه نهر السوباط، ثم مجرى النيل الأبيض.
وتجدر الإشارة إلى أن الكوميسا دعمت المطلب الإثيوبى، وتمت الموافقة عليه فى اجتماع عقد فى بحر دار فى يناير 2016، ما يعكس أن المشروع لا يُطرح كممر مغلق على مجرى النيل الرئيسى فقط، بل كمفهوم أوسع لربط الروافد والمسارات المتصلة بما يخدم أهداف التكامل والنقل داخل الإقليم.
المسار الجغرافى للممر
بحسب الدراسات الأولية، يبدأ الممر الملاحى من بحيرة فيكتوريا، ثم النيل الأبيض داخل أوغندا، مرورًا بجنوب السودان، ثم السودان، وصولًا إلى الأراضى المصرية حتى البحر المتوسط، كما جرى طرح دمج الممر الملاحى مع محاور برية قارية، من بينها محور «القاهرة – كيب تاون»، فى بعض المناطق التى تواجه تحديات جغرافية، بما يحقق تكاملًا بين النقل النهرى والبرى، ناهيك عن أن دراسات الجدوى المبدئية للمشروع تطرح النيل كأطول ممر طبيعى فى القارة يمكن إعادة توظيفه اقتصاديًا إذا أُدير بعقلية تنموية لا سياسية.
فى هذا الصدد، يرى السفير محمد العرابى، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، ووزير الخارجية الأسبق، ورئيس اتحاد المستثمرين الأفروآسيوى، أن الممرات التجارية أصبحت اليوم جزءًا أصيلًا من الاستراتيجية الدولية، حيث تسعى الدول والتجمعات الإقليمية إلى إنشاء ممرات تجارية كبرى تحقق لها استفادة استراتيجية مباشرة، وتسهم فى تسهيل حركة تبادل السلع والأفراد، موضحًا أن قيادة مصر حاليًا لهذا المشروع الحيوى تقوم على فلسفة مهمة فى المرحلة الحالية، تتمثل فى العودة إلى دورها التنموى الكبير فى إفريقيا، وهى رسالة لبعض الدول التى تقوم بأعمال منفردة.
وحول العوامل التى من شأنها تعطيل المشروع، يوضح أنها المشكلات الأمنية، مشيرًا إلى أن عدم استقرار الأوضاع الأمنية فى مناطق مسار المشروع قد يعمل على إطالة أمد التنفيذ، فضلًا عن أن أحد الرهانات الكبرى للمشروع هو ربطه بمحور «القاهرة - كيب تاون» البرى، ما يخلق محورًا اقتصاديًا شمال- جنوب من الأطول فى العالم، مؤكدًا أن هذا الربط يعزز فرص إنشاء مناطق لوجيستية عند نقاط الالتقاء، ويفتح الباب أمام استثمارات فى التخزين والتعبئة والصناعات المرتبطة بالنقل.
مقترح استراتيجى له أهداف كبرى
من جانبه، يقول الدكتور محمد نصر الدين علام، وزير الرى الأسبق: إن مقترح الممر الملاحى من بحيرة فيكتوريا إلى البحر المتوسط مقترح استراتيجى له أهداف كبرى، لو تحققت لارتفعت معها الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لمعظم دول حوض النيل، فهذا الممر سيحقق عدة أهداف استراتيجية، أبرزها تيسير انتقال المواطنين والوفود السياحية الداخلية والدولية بين 9 دول من دول الحوض، وتيسير التجارة البينية بين هذه الدول وعلى مدار العام، وزيادة إيراد نهر النيل لصالح شعوبه المختلفة، وقيام العديد من المشروعات التنموية والخدمية بطول المجرى فى مختلف دول الحوض، خاصة أوغندا وجنوب السودان والسودان.
«علام» يعرب عن تخوفه من أن تعرقل هذا المشروع بعض الأيادى الخبيثة التى لا تريد الخير والتعاون لدول حوض النيل، نتيجة لفائدة المشروع لدول الحوض، وتشجيع انتقال التجارة بينها، ونقل الصناعة والتكنولوجيا، وتعزيز التقارب الثقافى والاجتماعى بين هذه الشعوب، لافتًا إلى أن من أهم مميزات هذا المشروع أنه سيعمل على زيادة إيراد نهر النيل، وزيادة الإيراد المائى تعنى طفرة تنموية وحضارية لدول حوض النيل، وسيادة التفاهم والرخاء لجميع شعوب النيل، نظرًا لاحتياجاتها التنموية المتزايدة.
ويشير إلى أنه إذا كانت هناك الكثير من التحديات والعوائق التى قد تقف أمام تنفيذ المشروع، ومن بينها التكلفة أو الظروف الأمنية فى عدد من دول حوض النيل، إلا أن ما قد يكون مستحيلًا اليوم قد نراه ممكنًا غدًا ما دامت الإرادة والجهود مستمرة.
أما الدكتور عباس شراقى، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، فيؤكد أن مشروع ممر «فيكتوريا - المتوسط» لا يمكن تقييمه بعيدًا عن الطبيعة الهيدرولوجية لنهر النيل نفسه، موضحًا أن النيل ليس نهرًا ملاحيًا بطبيعته على كامل امتداده، وأن الملاحة الدولية عليه تتطلب أعمالًا هندسية مستمرة للحفاظ على أعماق صالحة للسفن، ما يرفع التكلفة ويجعل الجدوى الاقتصادية مرتبطة بشكل مباشر بحجم الحركة التجارية الفعلية.
ويؤكد شراقى أن أى حديث عن عوائد كبرى يجب أن يسبقه حساب دقيق لتكلفة الصيانة والتكريك على المدى الطويل، محذرًا من الخلط بين مشروعات الملاحة النهرية وملفات إدارة الموارد المائية، خاصة أن تحويل النيل إلى ممر ملاحى أو اقتصادى لا يمكن تقديمه بوصفه حلًا للخلافات المائية القائمة، لأن لكل ملف أدواته ومساراته المختلفة، بل إن المشروعات الإقليمية تسهم فى خلق مصالح اقتصادية مشتركة.
محور للتنمية الزراعية والصناعية
ووفقًا للدكتور وائل محمد خيرى، عميد كلية الهندسة بجامعة هليوبوليس للتنمية المستدامة، فإن أهمية مشروع الممر الملاحى بين بحيرة فيكتوريا والبحر المتوسط تأتى فى كونه محورًا للتنمية «زراعة - صناعة - نقل - سياحة» بطول الممر الملاحى، وسيعود بالنفع على الدول الأعضاء بالاستفادة من الأسواق والموانئ اللوجيستية الناشئة، وتوفير فرص أفضل للوصول إلى الأسواق الإقليمية والعالمية، وعلى المدى البعيد، يسهم هذا المشروع العملاق فى زيادة معدلات التنمية والتكامل الاقتصادى والتجارى، وزيادة الدخل القومى ورفاهية الشعوب بالدول المشاركة فى المشروع.
ويؤكد أنه فيما يتعلق بالمخاوف من العوائق المائية للمشروع، كالسدود بطول النيل، توجد حلول هندسية للعقبات التى يمكن أن تواجه المشروع، منها تنفيذ أعمال تكريك لقاع النهر للمحافظة على الأعماق الآمنة لسفن النقل النهرى فى جميع الأحباس التى يمر بها المشروع، كذلك إنشاء أهوسة أو قنوات تحويل عند السدود المقامة حتى يمتد النقل النهرى بالمشروع من بحيرة فيكتوريا إلى البحر المتوسط.
«خيرى» يرجح أفضلية الوصول بالممر الملاحى إلى ميناء الإسكندرية عن طريق فرع رشيد بدلًا من ميناء دمياط عن طريق فرع دمياط، بهدف زيادة التنمية فى الجانب الغربى من فرع رشيد امتدادًا لمشروعات الدولة القومية، مثل: مشروع الدلتا الجديدة والمشروعات التنموية والصناعية بالصحراء الغربية، وذلك ضمانًا لوصول المنتجات الزراعية والصناعية من مناطق التنمية الجديدة بمصر إلى موانئ التصدير والأسواق التجارية التى سينشئها مشروع الممر الملاحى.
واستطرد: الرأى العلمى يرجح أن هذا المشروع المهم ما زال يحتاج إلى إجراء عدد من دراسات التأثيرات البيئية على المدى القصير والبعيد، منها تأثير تكريك قاع وجوانب النهر أثناء التنفيذ على البيئة السمكية والإيكولوجية بمناطق التكريك، وتغير معدلات وتوزيع مناطق الترسيب والنحر بنهر النيل، وتأثير تغير سرعات الجريان بالنهر على حالة استقرار النهر “Regime”، وتأثير التنمية واتساع المشروعات الاستثمارية للقطاعين العام والخاص بمناطق المشروع على ارتفاع معدلات تلوث المياه والهواء والتربة، وضرورة سن القوانين الواجبة لمنع حدوث هذا التلوث بالدول المشاركة فى المشروع، وتقدير قدرة مكونات المشروع على الصمود أمام التغيرات المناخية “Climate Resilience”، وتأثير المشروع على الحفاظ على التوازن البيئى والإيكولوجى، وتأثير المشروع على المجتمعات المحلية ومدى تحسين مستويات المعيشة المرجوة من المشروع، ودراسة الآثار الاجتماعية والبيئية لاحتمالية حدوث تهجير لأهالى مناطق المشروع أو فقدان أراضٍ زراعية أو غابات، وتصميم خطط مراقبة نوعية المياه والرصد البيئى “EMP & Monitoring Plan”.
ولضمان نجاح هذا المشروع الإقليمى المهم ذو التكلفة العالية، يشدد خيرى على أنه يلزم توقيع اتفاق ملزم لكل الدول المشاركة بتطبيق بنود اتفاقية الأمم المتحدة للمجارى المائية الدولية، والالتزام بمبدأ عدم الإضرار والمنفعة المشتركة، ووضع إطار مشاركة الدول المشتركة فى إدارة البيانات، والنص فى الاتفاق على نسب مشاركة المنافع من كل مكونات ومرافق المشروع، وإدراج بنود واضحة للآليات التى يتم اتباعها لفض أى نزاعات محتملة بين الدول، معبرًا عن أمله فى أن يكون مشروع الممر الملاحى بين بحيرة فيكتوريا والبحر المتوسط بداية حقبة جديدة من التعاون الإقليمى بحوض نهر النيل، تقتنع من خلالها الدول المشاركة بأن التعاون يعود بالنفع على الجميع، وتنمية ورفاهية شعوب الحوض.






