الجمعة 30 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

السد العالى إرادة وطن وبطولة شعب

لم يكن بناء «السد العالى» مجرد مشروع لتخزين المياه أو توليد الطاقة، بل كان معركة سيادة وإعلان استقلال لإرادة شعب، قرر استغلال موارده لخدمة مستقبله، فضلًا عن أنه يُصنف كواحد من أعظم المشروعات الهندسية فى القرن العشرين، حيث وقف شامخًا فى وجه التحديات السياسية والتمويلية ليكون بمثابة «درع حماية» لمصر من تقلبات النيل الأزلية، بالإضافة إلى أنه بات رمزًا للإرادة المصرية ودليلًا على قدرة الشعب المصرى على التخطيط والبناء والتنمية فى مواجهة التحديات الطبيعية والاقتصادية، حيث أسهم فى تغيير وجه الحياة فى مصر بشكل جذرى.



وفى هذا الإطار تحتفل مصر، بمرور 66 عامًا على وضع حجر الأساس لمشروع السد العالى، الذى أصبح ركيزة أساسية فى الأمن المائى والزراعى والصناعى لمصر، وحصنًا يحميها من أخطار الفيضان والجفاف

التصميم والتخطيط

بدأ التفكير فى بناء السد العالى عام 1953، عندما شكلت مصر لجنة متخصصة لوضع التصميم الهندسى لهذا المشروع الضخم، وبعد دراسة دقيقة للتضاريس والجوانب المائية للنهر، تم وضع التصميم النهائى عام 1954، تحت إشراف فريق من المهندسين المصريين بالتعاون مع شركات عالمية متخصصة.

وقد تضمنت خطة بناء السد عدة محاور رئيسية، شملت: تخزين مياه النيل للسيطرة على تدفق الفيضانات الموسمية، علاوة على توليد الطاقة الكهربائية من خلال بناء محطة كهرومائية متطورة، وتوفير المياه للزراعة والصناعة بما يدعم التنمية الاقتصادية فى جنوب مصر وشمالها، وتعزيز الأمن المائى عبر إنشاء خزان مياه ضخم خلف السد بقدرة استيعابية تصل إلى مليارات الأمتار المكعبة.

ويعد السد العالى من أعقد المنشآت الهندسية فى العالم، ليس فقط بسبب حجمه، بل أيضًا بسبب التحديات الطبيعية التى واجهها المهندسون، خاصة التضاريس الصخرية فى منطقة أسوان، والتى تطلبت تقنيات متقدمة لبناء أساس متين يتحمل قوة المياه الهائلة.

التمويل وبداية التنفيذ

كان تمويل السد العالى، أحد أكبر التحديات فى الخمسينيات من القرن الماضى، حيث لجأت مصر إلى تأميم قناة السويس عام 1956، لتوفير الموارد المالية اللازمة لبناء هذا المشروع القومى، وتم توقيع اتفاقية البناء عام 1958، ووضع حجر الأساس عام 1960، لتبدأ رحلة التنفيذ التى استمرت سنوات طويلة حتى افتتاح المشروع رسميًا فى 15 يناير 1971، إذ يمثل هذا التاريخ علامة فارقة فى تاريخ مصر الحديث، حيث أصبح يوم افتتاح السد عيدًا قوميًا لمحافظة أسوان، احتفاءً بهذا الإنجاز الوطنى العظيم.

الإنجاز الهندسى

يُمثل السد العالى تحفة هندسية عالمية، ويُعد أحد أكبر السدود فى العالم من حيث الحجم والتأثير، ويبلغ طوله حوالى 3.6 كيلومترات، وارتفاعه 111 مترًا، بينما يمتد الخزان خلفه لمسافة تزيد على 500 كيلومتر، بما يوفر احتياطيات ضخمة من المياه.

ولم يقتصر الإنجاز على البناء فحسب، بل شمل أيضًا إنشاء محطة توليد الطاقة الكهرومائية، التى أسهمت بشكل كبير فى توفير الكهرباء للمناطق الجنوبية والوسطى فى مصر، مما دعم التوسع الصناعى والزراعى بشكل مستدام.

كما كان للسد دور أساسى فى التحكم فى فيضانات نهر النيل، التى كانت تهدد المحاصيل الزراعية والمجتمعات القريبة من النهر، وكذلك توفير إمدادات مائية ثابتة خلال سنوات الجفاف، مما أسهم فى تحقيق استقرار زراعى واقتصادى طويل الأمد.

التنمية الاقتصادية

أسهم السد العالى فى تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية فى مصر، فقد مكّن من زيادة الرقعة الزراعية بفضل التحكم الدقيق فى توزيع مياه الرى، كما دعم التوسع الصناعى من خلال توفير المياه لمشروعات الطاقة والصناعة الثقيلة.

إضافة إلى ذلك، لعب السد دورًا كبيرًا فى تحسين البنية التحتية فى جنوب مصر، بما فى ذلك بناء طرق وموانئ صغيرة وخدمات عامة حول منطقة السد والخزان، مما ساعد فى تطوير المجتمعات المحلية وتحسين مستوى المعيشة.

ولم يقتصر التأثير على الزراعة والصناعة، بل شمل الطاقة الكهرومائية، حيث أسهمت محطات توليد الكهرباء التابعة للسد فى سد جزء كبير من احتياجات مصر للطاقة، وقللت من الاعتماد على مصادر الوقود التقليدية، وهو ما كان له أثر إيجابى على الاقتصاد القومى والبيئة.

منظومة الجيل الثانى

على مدار العقود الماضية، لم يتوقف التطوير عند بناء السد، بل استمرت مصر فى تحديث منظومة التشغيل والرصد والمراقبة، حيث يشكل السد العالى محورًا رئيسيًا فى مشروع منظومة المياه المصرية الجيل الثانى، والذى يعتمد على أحدث التقنيات الرقمية وأجهزة الرصد المتقدمة لمتابعة المناسيب والتصرفات المائية بشكل دقيق.

ويضمن هذا التطوير استمرار كفاءة التشغيل واستدامة الأداء، مع القدرة على التكيف مع التغيرات المناخية والتحديات الهيدرولوجية، والحفاظ على السد كحصن أمان استراتيجى للمصريين.

درع مصر ضد الفيضانات

وقف السد العالى حائط صد بعد غرق مساحات شاسعة من الأراضى السودانية بسبب التصريف المفاجئ لمياة «سد النهضة» مؤخرًا، حيث فتحت إثيوبيا أربع بوابات من سد النهضة، لتصريف نحو 200 مليون متر مكعب من المياه يوميًا من كل بوابة، ما أدى إلى تدفق كميات كبيرة من المياه باتجاه السد العالى.

ورغم الارتفاع الملحوظ فى المنسوب، نجح السد العالى فى استيعاب الوارد المائى بكفاءة كاملة، حيث عملت التوربينات بكامل طاقتها الإنتاجية، وبلغ إنتاج الكهرباء 2100 ميجاواط، وهى السعة القصوى للسد لإنتاج الكهرباء.

واستقبلت «بحيرة ناصر» كميات ضخمة من المياه الزائدة، ضمن سعتها التخزينية التى تتجاوز 160 مليار متر مكعب، باعتبارها أكبر بحيرة صناعية فى العالم، والمخزن الاستراتيجى الرئيسى لمياه مصر.

ومع ارتفاع المنسوب فوق الحد الآمن، بدأ مفيض توشكى فى تصريف جزء من المياه الزائدة باتجاه الصحراء الغربية، ضمن خطة تشغيل مدروسة تهدف لحماية السد العالى من أى زيادة مفاجئة فى تدفق المياه كما تتحرك المياه الخارجة من المفيض عبر خور توشكى ثم قناة الشيخ زايد، لتصل إلى مناطق الاستصلاح الزراعى فى جنوب الوادى والوادى الجديد، وعلى رأسها مشروع المليون ونصف المليون فدان، ما يجعل الفيضان مصدرًا للتنمية وليس للتهديد.

فى المقابل، تستمر المياه المخزنة فى بحيرة ناصر فى الخروج يوميًا عبر السد العالى لتغذية مجرى النيل وصولًا إلى دلتا مصر، حيث تُستخدم فى الأغراض الزراعية والصناعية وحصص مياه الشرب.

الأثر البيئى والاجتماعى

أسهم السد العالى أيضًا فى الحد من الكوارث الطبيعية المرتبطة بالنيل، مثل الفيضانات التى كانت تدمر المحاصيل والمساكن، أو الجفاف الذى كان يهدد الأمن الغذائى، كما ساعد فى إنشاء بيئات جديدة حول الخزان، مما شجع على تطوير النشاط السياحى والصيد، وتحسين مستوى المعيشة فى المناطق المجاورة.

وعلى الصعيد الاجتماعى، شكل المشروع نموذجًا للتعاون الوطنى، حيث شارك آلاف المصريين فى بناء السد، مما أسهم فى تعزيز الانتماء الوطنى والفخر بالإنجازات القومية.

يبقى السد العالى رمزًا خالدًا لإرادة الشعب المصرى وقدرته على مواجهة التحديات الكبيرة، إذ يعكس المشروع روح التصميم والإصرار على تحويل الطبيعة الصخرية القاسية إلى مصدر للأمان والتنمية، ويستمر فى إلهام الأجيال الجديدة بأهمية التخطيط والعمل الجاد لتحقيق الإنجازات الكبرى.

وتستمر مصر فى استثمار السد العالى كجزء من خطط الأمن المائى والتنمية المستدامة، مع التركيز على تطوير محطات التوليد والمراقبة والرصد، وتعزيز الاستفادة من الخبرات الوطنية فى إدارة وتشغيل السد.

وبعد أكثر من ستة عقود، يظل السد العالى معلمًا هندسيًا ووطنيًا خالدًا، يمثل قصة نجاح مصرية فى مواجهة الطبيعة والتحديات الاقتصادية، ويستمر فى دعم التنمية وحماية المواطنين.