حين قالت الشرطة لا أمام دبابات الاحتلال دفاعا عن الكرامة
تفاصيل معركة الإسماعيلية التى هزّت الإمبراطورية البريطانية
شهيرة ونيس
فى لحظة نادرة من تاريخ الصراع بين الشعوب المحتلة وقوى الاستعمار، سجّل صباح الخامس والعشرين من يناير عام 1952 مشهدًا لا يزال حاضرًا فى الذاكرة الوطنية المصرية، فوسط أنقاض معركة غير متكافئة، وقف الجنرال البريطانى إكسهام، قائد القوات المهاجمة، يؤدى التحية العسكرية لرجال الشرطة المصرية الذين سقطوا شهداء فى قسم البساتين بالإسماعيلية. تحية لم تكن مجاملة، بل اعترافًا صريحًا من الخصم ببسالة رجال واجهوا الدبابات والمدافع بأسلحة خفيفة وإرادة لا تعرف الانكسار، ليُكتب ذلك اليوم كواحد من أنصع فصول البطولة فى التاريخ المصرى الحديث.
فى ذلك الصباح، تحولت مدينة الإسماعيلية إلى ساحة مواجهة فاصلة، بعدما رفض رجال الشرطة الانصياع لأوامر الاحتلال البريطانى بتسليم أسلحتهم وإخلاء مواقعهم. قرار الرفض حوّل الموقف إلى معركة مفتوحة، لم تكن متكافئة فى العتاد، لكنها كانت مثالاً على الشرف والإصرار، لتصبح لاحقًا رمزًا للكرامة الوطنية وبداية تخليد يوم 25 يناير عيدًا للشرطة المصرية.
خلفية مشتعلة بالمقاومة
جاءت معركة الإسماعيلية فى ظل تصاعد المقاومة الشعبية ضد الوجود البريطانى فى منطقة قناة السويس، حيث كثّفت مجموعات الفدائيين عملياتها ضد معسكرات الاحتلال، مدعومة بتعاطف شعبى واسع. وفى هذا السياق، وُجّهت اتهامات لقوات الشرطة المصرية بتقديم الدعم للفدائيين أو غض الطرف عن تحركاتهم، ما جعلها هدفًا مباشرًا للقوات البريطانية الساعية إلى فرض السيطرة بالقوة.
إنذار الاحتلال وقرار الرفض
مع الساعات الأولى من صباح المعركة، حاصرت القوات البريطانية مبانى الشرطة فى الإسماعيلية، مدعومة بالدبابات والمدرعات، ووجهت إنذارًا رسميًا يطالب بتسليم السلاح وإخلاء المواقع فورًا. الرد جاء قاطعًا لا يحتمل التأويل: الرفض التام.
لم يكن القرار سهلًا فى ظل اختلال ميزان القوة، لكنه عبّر عن فهم عميق لمعنى الواجب الوطني، حيث اعتبر رجال الشرطة السلاح أمانة للدفاع عن الأرض والسيادة، لا ورقة تفاوض تُسلَّم تحت التهديد.
قتال غير متكافئ وساعات من الصمود
اندلعت المواجهات لتتحول إلى معركة شرسة استمرت ساعات طويلة، استخدمت فيها القوات البريطانية الأسلحة الثقيلة، بينما لم يمتلك رجال الشرطة سوى أسلحة خفيفة وإصرار على الثبات. سقط عشرات الشهداء والجرحى، واستمر القتال حتى نفاد الذخيرة، فى مشهد جسّد أقصى معانى التضحية والالتزام حتى اللحظة الأخيرة.
تحية من الخصم
وسط عنف القتال ونتائجه الدموية، برز مشهد إنسانى نادر ظل محفورًا فى الذاكرة الوطنية، حين أدى الجنرال إكسهام التحية العسكرية لشهداء الشرطة. هذا الموقف، الصادر عن قائد قوات الاحتلال، حمل دلالة واضحة على أن التفوق العسكرى لم ينجح فى كسر المعنويات، وأن الهزيمة لم تكن يومًا نصيب من دافعوا عن شرف الموقف وكرامة الوطن.
صدى المعركة فى الشارع المصرى
لم تظل معركة الإسماعيلية حدثًا محليًا، بل امتد صداها إلى مختلف أنحاء البلاد، وأشعلت موجة غضب شعبى عارمة، خاصة فى القاهرة، حيث خرجت المظاهرات المنددة بالاحتلال فى واحدة من أكثر اللحظات توترًا فى التاريخ السياسى المصرى الحديث. ويرى مؤرخون أن هذه المواجهة شكّلت شرارة مهمة عجّلت بانفجار الأوضاع، ومهّدت الطريق لتحولات كبرى انتهت بقيام ثورة يوليو 1952 بعد أشهر قليلة.
تحوّل يوم 25 يناير إلى مناسبة وطنية خالدة، تُستحضر فيها ذكرى رجال الشرطة الذين واجهوا الاحتلال دفاعًا عن السيادة والكرامة، ليصبح عيدًا للشرطة المصرية ورسالة دائمة بأن الوطن يُصان بالتضحيات مهما بلغت التحديات.
تبقى معركة الإسماعيلية عام 1952 شاهدًا حيًا على أن البطولة لا تُقاس بتكافؤ القوة، بل بصدق الموقف، وأن من سقطوا فى ذلك اليوم لم يدافعوا عن مبانٍ أو مواقع، بل عن فكرة الوطن نفسها فى لحظة فارقة من تاريخ مصر.









