ملحمة دبلوماسية لاستعادة السيادة
كيف واجهت مصر محاولات الحصار السياسى بعد 2011؟
أمانى عزام
فى لحظة فارقة من تاريخ الدولة المصرية، وجدت القاهرة نفسها أمام تحديات غير مسبوقة، ومحاولات منظمة لحصارها سياسيًا ودبلوماسيًا، والتشكيك فى خيارات شعبها ومسارها الداخلى. غير أن الدبلوماسية المصرية، مدعومة بتماسك مؤسسات الدولة وإرادة شعبية واضحة، خاضت معركة صعبة أعادت من خلالها تصحيح الصورة، وكسر ما فُرض من حصار، واستعادة مكانة مصر الإقليمية والدولية.
ثلاث شهادات دبلوماسية رفيعة المستوى، أدلى بها سفراء خدموا فى مواقع صنع القرار، تكشف لجريدة «روزاليوسف» ملامح تلك المرحلة، وتقدم قراءة معمقة لكيف نجحت مصر فى العبور من دائرة الاستهداف إلى موقع الفاعلية والتأثير.
معركة تصحيح الصورة
يؤكد السفير رخا أحمد حسن، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن المرحلة التى أعقبت ثورة 25 يناير اتسمت بسوء فهم واسع لدى عدد من الدول والمؤسسات الدولية تجاه حقيقة الأوضاع فى مصر، وهو ما انعكس فى مواقف متحفظة وإجراءات اتخذتها بعض الأطراف، من بينها الاتحاد الإفريقى، الذى علّق عضوية مصر مؤقتًا إلى حين استكمال الاستحقاقات الانتخابية.
ويشير حسن إلى أن استئناف مصر لنشاطها داخل الاتحاد الإفريقى جاء فور الانتهاء من الانتخابات الرئاسية 2013، خلال قمة غينيا الاستوائية، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة من استعادة الحضور المصرى فى القارة، عبر نشاط دبلوماسى مكثف شمل زيارات رئاسية لعدد من الدول الإفريقية، واستقبال القاهرة لقادة أفارقة، ما أعاد الأمور إلى نصابها الطبيعى ورسخ من جديد الدور المصرى داخل الاتحاد، خاصة على مستوى القمم.
وفى السياق ذاته، يلفت مساعد وزير الخارجية الأسبق إلى أن الاتحاد الأوروبى كان قد أوقف بعض أوجه التعاون مع مصر، قبل أن تسهم الزيارات المتكررة التى قامت بها الممثلة العليا للشئون الخارجية آنذاك، كاترين أشتون، إلى القاهرة، فى نقل الصورة الحقيقية للأوضاع، وانتهت بتوصيات أعادت العلاقات إلى مسارها الطبيعى عقب الانتخابات الرئاسية.
من الدفاع إلى المبادرة
من جانبه، يرى السفير محمد حجازى، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن مصر تعرضت خلال تلك المرحلة لمحاولات حصار سياسى ودبلوماسى غير معلن، استهدفت تقليص دورها الإقليمى وعزلها عن دوائر التأثير، عبر ضغوط سياسية وإعلامية، وتوظيف انتقائى لملفات حقوقية، وترويج سرديات لا تعكس حقيقة المشهد الداخلى.
ويؤكد حجازى أن الدبلوماسية المصرية نجحت فى مواجهة هذه التحديات، مستندة إلى تماسك مؤسسات الدولة ووعى القيادة السياسية، حيث أعادت بناء سياستها الخارجية على أسس جديدة، قوامها الاستقلالية، وتوازن العلاقات، وتنويع الشراكات الدولية، وعدم الارتهان لمحور واحد أو الخضوع لأجندات خارجية.
ويشير إلى أن السياسة الخارجية المصرية استعادت فاعليتها، وانتقلت من مرحلة الدفاع ورد الفعل إلى مرحلة المبادرة والتأثير، وهو ما انعكس فى استعادة الدور المصرى فى محيطه العربى والإفريقى، وتعزيز شبكة الشراكات الدولية، والتعامل بثقة وكفاءة مع ملفات إقليمية شديدة التعقيد.
ويشدد مساعد وزير الخارجية الأسبق على أن ما تحقق لم يكن عودة شكلية للحضور المصرى، بل تحولًا استراتيجيًا رسخ مكانة مصر كدولة مركزية قادرة على حماية مصالحها الوطنية، والمساهمة الفاعلة فى استقرار الإقليم، وصياغة سياسة خارجية متوازنة تعكس ثقلها الحقيقى ودورها التاريخى.
شهادة عن مرحلة استثنائية
بدوره، يصف السفير حسين هريدى، مساعد وزير الخارجية الأسبق، الدبلوماسية المصرية خلال الفترة الممتدة من 28 يناير 2011 وحتى تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى مهام منصبه فى يونيو 2014، بأنها أدت دورًا تاريخيًا وبطوليًا فى الدفاع عن السيادة الوطنية واستقلال القرار المصرى.
ويؤكد هريدى أن الدبلوماسية المصرية كانت «حائط الصد الأول» فى مواجهة محاولات عزل مصر دوليًا أو النيل من إرادة شعبها، وبذلت أقصى جهدها للحفاظ على استقلال الدولة، والتصدى لمحاولات إجهاض المسار السياسى الهادف إلى بناء نظام منفتح يستوعب جميع أطياف الشعب دون تمييز.
ويشير إلى أن التاريخ سيسجل نجاح هذا الجهد فى كسر الحصار المفروض على مصر آنذاك، واتباع سياسة التوازن الاستراتيجى، وتحقيق انتصارات دبلوماسية مهمة، رغم ما تعرضت له الدولة من ضغوط غير مسبوقة، معتبرًا تلك المرحلة حقبة قائمة بذاتها فى مسار العمل الدبلوماسى المصرى.
ويضيف أن الدبلوماسية المصرية واصلت أداءها القوى بعد يونيو 2014، فى ظل بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، حيث تقوم مصر بدور مركزى فى جهود استعادة التوازن والأمن والاستقرار فى مناطق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والبحر الأحمر والقرن الإفريقى والخليج والمشرق العربى.
كما يشدد هريدى على أن السياسة الخارجية المصرية تتسم بالرصانة والاتزان، وتركز على تأمين الحدود، والدفاع عن الأمن القومى، وترسيخ مبادئ الاستقلال والسيادة الوطنية، والحفاظ على وحدة وسلامة الإقليم.









