الأربعاء 21 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

«رسائل «ترامب ــــ السيسى

القاهرة فى قلب المعادلة الدولية.. وملف النيل على طاولة الوساطة الأمريكية



 

فى توقيت إقليمى ودولى بالغ الحساسية، عادت قضية سد النهضة وتقاسم مياه نهر النيل إلى واجهة المشهد السياسى الدولى، عبر رسائل متبادلة بين الرئيس الأمريكى دونالد ترامب والرئيس المصرى عبد الفتاح السيسى، حملت دلالات سياسية واستراتيجية تتجاوز حدود الملف المائى، لتؤكد مجددًا مركزية الدور المصرى وثقله فى معادلات الاستقرار الإقليمى والدولى.

ففى بادرة ليست الأولى من نوعها، عرض الرئيس الأمريكى دونالد ترامب على الرئيس عبد الفتاح السيسى القيام بدور الوساطة بين القاهرة وأديس أبابا، فى رسالة رسمية تضمنت كذلك شكرًا للرئيس المصرى على دوره فى الوساطة بين حماس وإسرائيل، ومساهمته فى مواجهة التحديات المعقدة التى تشهدها المنطقة.

وأكد ترامب فى خطابه إلى الرئيس السيسى استعداده لـ«استئناف الوساطة الأمريكية بين مصر وإثيوبيا لحل مسألة تقاسم مياه النيل بشكل مسئول ونهائى»، مشددًا على أنه «لا ينبغى لأى دولة فى هذه المنطقة أن تسيطر بشكل منفرد على موارد النيل الثمينة، وأن تُلحق الضرر بجيرانها فى هذه العملية».

وجاء الرد المصرى سريعًا ومدروسًا، إذ نشر الرئيس عبد الفتاح السيسى بيانًا عبر حسابه الرسمى على منصة «إكس»، تويتر سابقًا، ثمن فيه رسالة الرئيس دونالد ترامب، وجهوده المقدرة فى ترسيخ دعائم السلام والاستقرار على المستويين الإقليمى والدولى، وما تضمنته من تقدير لدور مصر المحورى فى دعم الأمن والاستقرار بالمنطقة.

ووجه الرئيس السيسى خطابًا للرئيس ترامب تضمن الشكر والتقدير، وتأكيد الموقف المصرى، وشواغلنا ذات الصلة بالأمن المائى المصرى، والتأكيد على الدعم المصرى لجهوده، والتطلع لمواصلة العمل عن كثب معه خلال المرحلة المقبلة، فى خطوة أعادت إلى الأذهان الدور الأمريكى خلال الولاية الأولى لترامب، حين استضافت واشنطن مفاوضات مكثفة بين مصر والسودان وإثيوبيا.

مصر.. رمانة الميزان

وفى قراءة أعمق لدلالات هذه الرسائل، تحدث عدد من الخبراء لجريدة «روزاليوسف» عن أن مصر رمانة ميزان المنطقة التى لا يمكن تجاوزها فى حل أى قضايا عربية أو إفريقية أو شرق أوسطية.

والبداية مع الدكتور عبد المنعم سعيد، المفكر السياسى، الذى يرى أن المراسلات المتبادلة تعكس بوضوح «حجم وقوة الدولة المصرية على الساحة الدولية»، وتؤكد «عمق وطبيعة العلاقات المتبادلة بين القاهرة وواشنطن». وأوضح أن العلاقات المصرية الأمريكية تعد علاقات استراتيجية راسخة، تقوم على شراكة قوية وتعاون ممتد فى عدد من الملفات المحورية، وفى مقدمتها قضايا السلام فى الشرق الأوسط، والأوضاع فى قطاع غزة، والاستقرار الإقليمى.

يشير سعيد إلى أن قوة هذه العلاقة تفرض بطبيعتها تبادل الرسائل والتواصل المباشر على أعلى مستوى بين القيادات فى البلدين، باعتبارهما من القوى الرئيسية المؤثرة فى النظام الدولى.

ولفت إلى أن هذا النمط من التواصل ليس جديدًا، بل يعود إلى التحول الاستراتيجى الكبير الذى اتخذته مصر منذ عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات، حين اعادت صياغة موقعها ودورها فى السياسة الدولية. وأكد أن استمرار هذا التواصل يعكس إدراكًا أمريكيًا ثابتًا لثقل الدولة المصرية ودورها المحورى، ويعبر فى الوقت نفسه عن متانة العلاقات الثنائية التى تجاوزت الأطر التقليدية، لتصبح ركيزة أساسية فى معادلات الاستقرار والسلام بالمنطقة.

رسائل واضحة

من جانبه، يقول اللواء سمير فرج، الخبير العسكرى والاستراتيجى، إن الرسائل المتبادلة تأتى فى إطار إعادة تقييم واضحة من دوائر صنع القرار الأمريكية لمكانة الدولة المصرية ودورها المحورى فى منطقة الشرق الأوسط، مؤكدًا أن التطورات الإقليمية، خاصة بعد ما يقرب من عامين من الصراع فى قطاع غزة، أثبتت أن مصر هى الطرف الرئيسى والمسئول القادر على المساهمة الفعلية فى إعادة الاستقرار للمنطقة.

يوضح فرج أن الإدارة الأمريكية أدركت أن مصر تمثل «الركيزة الأساسية» فى التعامل مع الأزمات الإقليمية، وهو ما دفع الرئيس الأمريكى إلى توجيه رسالة مباشرة إلى الرئيس المصرى، تتضمن إشارات واضحة إلى الدور المصرى، وإلى حق مصر التاريخى والقانونى فى مياه نهر النيل. 

يؤكد اللواء سمير فرج أن عودة الرئيس ترامب لطرح ملف الوساطة تمثل استكمالًا لما بدأه منذ سنوات، مشيرًا إلى أن حديث الرئيس الأمريكى عن «الجفاف والجفاف الممتد» يعكس فهمًا حقيقيًا ودقيقًا لتعقيدات أزمة المياه وسد النهضة، خاصة أن الهضبة الإثيوبية شهدت خلال السنوات الماضية فترات من الأمطار الغزيرة، ما سمح بملء الخزان الذى تصل سعته إلى نحو 60 مليار متر مكعب دون تأثير كبير، بينما تكمن الخطورة الحقيقية فى سنوات الجفاف الممتد التى قد تستمر سبع أو تسع سنوات، وهو السيناريو الذى يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن المائى المصرى.

قراءة حذرة

فى المقابل، دعا الدكتور حسن سلامة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، إلى قراءة متأنية وحذرة للرسائل المتبادلة، مؤكدًا أن هذه الرسائل لا يمكن فصلها عن السياق السياسى والدبلوماسى الأشمل. وأوضح أن النظر إلى الرسائل المتعلقة بقطاع غزة تختلف تمامًا عن تلك الخاصة بإثيوبيا وسد النهضة.

وقال أن: أزمة سد النهضة لا يمكن فصلها عن مجمل التوترات فى القرن الإفريقى، بما فى ذلك الخلافات الإثيوبية مع الصومال، والتطورات الإقليمية المتشابكة، معتبرًا أن التريث هو الخيار الأجدر فى المرحلة الحالية.

اتفق الدكتور حسن سلامة مع باقى المصادر على أن قوة العلاقات المصرية الأمريكية، والدور المحورى الذى تلعبه مصر إقليميًا، لا سيما فى ملف غزة، يعكسان إدراك الولايات المتحدة لثقل الدولة المصرية ومكانتها، مؤكدًا أن مصر لا تحتاج إلى شهادة من أحد لإثبات دورها، إذ تبقى مواقفها وتحركاتها على الأرض الدليل الأوضح على ذلك.

واختتم سلامة تصريحاته بالتأكيد على أن الولايات المتحدة تدرك منذ وقت طويل أن مصر تمثل «رمانة الميزان» فى المنطقة، وأن أى قضايا عربية أو شرق أوسطية أو إفريقية كبرى لا يمكن تجاوز الدور المصرى فيها.