الجمعة 30 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

مصر لا تنسى شهدائها

لم تكن رعاية أسر الشهداء فى مصر يومًا منّة أو إجراءً استثنائيًا، بل هى التزام وطنى راسخ، تُترجمه الدولة إلى سياسات وبرامج وخدمات متكاملة، تعكس تقديرها لتضحيات من قدّموا أرواحهم دفاعًا عن الوطن. وعلى مدار السنوات الماضية، شهد ملف دعم أسر الشهداء تطورًا نوعيًا، انتقل من المساعدات التقليدية إلى منظومة شاملة تضمن الحياة الكريمة، والتمكين الاجتماعى، والاستقرار النفسى.



رعاية تبدأ من لحظة الاستشهاد

حرصت الدولة المصرية على توفير دعم فورى لأسر الشهداء، يشمل صرف التعويضات المالية، وتيسير الإجراءات الرسمية، إلى جانب الدعم النفسى والاجتماعى، بما يضمن تخفيف الأعباء عن الأسر فى أصعب لحظاتها.

ويُعد صندوق تكريم شهداء وضحايا ومفقودى ومصابى العمليات الحربية والإرهابية أحد أبرز آليات الدعم المؤسسى، حيث يوفر إعانات مالية شهرية، ويغطى مصروفات التعليم والعلاج، فضلًا عن المساهمة فى توفير وحدات سكنية مناسبة للأسر المستحقة، بما يضمن استدامة الرعاية وليس الاكتفاء بالدعم المؤقت.

التعليم أولوية

أولت الدولة اهتمامًا خاصًا بتعليم أبناء الشهداء، من خلال إعفائهم من المصروفات الدراسية فى مختلف المراحل التعليمية، وتقديم المنح الدراسية، فضلًا عن تخصيص نسب قبول لهم فى الجامعات والمعاهد، تأكيدًا على أن تضحيات الآباء لا يجب أن تكون عائقًا أمام مستقبل الأبناء.

ولم تقتصر الخدمات على الجانب المادى، بل امتدت لتشمل الرعاية الصحية الكاملة، سواء من خلال العلاج المجانى أو التأمين الصحى، إلى جانب برامج الدعم النفسى والاجتماعى التى تستهدف إعادة دمج الأسر فى المجتمع وتخفيف آثار الفقد.

فرص عمل وتمكين اقتصادى

فى إطار التحول من الرعاية إلى التمكين، وفّرت الدولة فرص عمل مناسبة لأبناء وأفراد أسر الشهداء، وأتاحت لهم برامج تدريب وتأهيل مهنى، بما يضمن لهم مصدر دخل مستدام وحياة مستقرة، ويعكس فلسفة الاعتماد على الذات.

التكريم المعنوى

تحرص الدولة على تخليد ذكرى الشهداء عبر إطلاق أسمائهم على المدارس والشوارع والمنشآت العامة، وتنظيم احتفالات رسمية لتكريم أسرهم، تأكيدًا على أن الشهداء باقون فى ذاكرة الوطن، وأن تضحياتهم تمثل جزءًا أصيلًا من تاريخ الدولة الحديثة.

وبينما تحتفل وزارة الداخلية بالذكرى الرابعة والسبعين لعيد الشرطة، التقت «روزاليوسف» عددًا من أهالى الشهداء لإحياء ذكراهم التى لم تفارقهم يومًا.

محمد جودة السواح

تقول منال صابر شبكة، والدة الشهيد محمد جودة السواح: «ولد ابنى بقرية برق العز بمحافظة الدقهلية فى 3 فبراير عام 1990، وكان طفلًا محبًا لأهله بارًا بوالديه، حيث حرص والده على تربيته تربية دينية.

تتابع: كان والده مدرس اللغة الإنجليزية حريصًا على زيارة بيت الله الحرام، حيث اعتمر ابنى 11 مرة. وفى إحدى المرات، وهو فى سن العاشرة بالمرحلة الابتدائية، وجدناه يدعو الله عز وجل أن يكون ضابطًا وينال الشهادة، فتعجبت أنا ووالده من هذه الدعوة المقترنة بالشهادة. كيف عرف معنى الشهادة؟ وكأن أبواب السماء كانت مفتوحة فاستجيبت دعوته».

كريم فؤاد أبو زامل

تقول سعيدة العطار، والدة الشهيد كريم فؤاد أبو زامل: «ابنى تربى يتيما حيث توفى والده وعمره 9 سنوات، فتحمل المسئولية مبكرًا.

وتشير إلى أن ابنها كان متفوقًا ويحلم منذ صغره أن يكون ضابطًا سواء فى الجيش أو الشرطة. بعد الثانوية العامة، قدم أوراقه فى كليتى الشرطة والحربية، وللأسف لم يستكمل اختباراته فى الحربية، فحزن حزنًا شديدًا.

تتابع: كنت أثلج صدره بأن الله لن يضيع أحلامه التى طالما دعا الله أن يحققها له، وبالفعل التحق بكلية الشرطة عام 2006، وكان مثالًا للطالب المتميز أخلاقيًا ودراسيًا وملتزمًا، فقد كان حريصًا على عدم الغياب وكان متفوقًا خلال فترة الدراسة، ومن أوائل دفعته عام 2010، الدفعة التى أُطلق عليها «دفعة الشهداء» لكثرة من استشهدوا منها.

وتستطرد: كان ابنى دائمًا يتمنى الشهادة، ويدعو دائمًا لزملائه الذين استشهدوا. وكان مرتبطًا ارتباطًا كبيرًا بزميله محمد صفوت حرب الذى استشهد، فكان يضع صورته بروفايل على الفيس بوك. وعندما طلبت منه خطيبته أن يضع صورته، قال لها بالحرف الواحد: «لن أغير صورتى إلا فى حالة أن يهبنى الله الولد وأضعها بجانبه أو يصطفينى الله لأكون شهيدًا». وبالفعل استشهد بعد عام ونصف.

وأضافت العطار: أن كريم اختار بنفسه العمل فى مديرية أمن المنيا، وعمل بقسم شرطة مطاى، وكان بشهادة الجميع مثالًا للضابط الشرطى المحترم المجتهد، فكسب حب رؤسائه وزملائه معًا، والأهم أنه كسب حب الناس. وقالت: إن الإرهابيين ترصدوا الشهيد لأنه الشاهد الوحيد فى أحداث المنيا، وبعد أسبوع فقط من تاريخ إدلاء كريم بشهادته، وأثناء عودته برفقة ضابط زميله وفرد شرطة من معاينة جريمة قتل، وفى منطقة صحراوية بنجع أولاد جمعة، فوجئوا بسيارة هيونداى تحمل لوحات شمال سيناء يستقلها 3 مسلحين، فأُصيب بطلق نارى فى الصدر نتج عنه تهتك فى القلب والطحال والبنكرياس وخرجت من الكلى».

محمد أنور جمعة

من جانبها قالت عفاف شاش، والدة الشهيد محمد أنور جمعة: «إن الشهيد تخرج عام 2009 فى كلية الشرطة وتم تعيينه فى مديرية أمن الجيزة، قسم الوراق. وبعد عامين، طلب نقله لشمال سيناء، ولم أكن أعلم بالنقل. وعندما قلت له: (ما لقيتش غير شمال سيناء يا بنى؟) قال لى بالحرف الواحد: «مصر فى خطر ولازم ندافع عنها». واستمر هناك ثلاث سنوات وطلب مد سنة أخرى للعمل هناك، وعندما حدثته بلغة اعتراضية خوفًا عليه باعتبارى أمًا، قال لى: «طلبت الشهادة من ربنا ما جتشى فى الثلاث سنوات، يمكن ربنا يكرمنى بيها فى السنة الرابعة». وبالفعل استشهد ابنى فى 19 يونيو 2016، الموافق 14 رمضان، إثر زرع متفجرات أثناء المرور بالدورية».

تضحيات بدماء الشهداء

بالتزامن مع احتفالات عيد الشرطة، تبرز حكايات إنسانية مؤثرة لأسر الشهداء، تؤكد أن البطولة لا تنتهى عند لحظة الاستشهاد، بل تمتد فى الذاكرة الوطنية وفى الأجيال القادمة.

وأكدت النائبة سحر السيد، أرملة الشهيد اللواء امتياز كامل بطل حادث الواحات، أن قصة زوجها لم تتوقف باستشهاده، بل تتجدد فى أبنائه، مشيرة إلى أن نجلها نور اختار الالتحاق بكلية الشرطة لاستكمال مسيرة والده.

وأضافت أن مشاركته فى إطفاء حريق سنترال رمسيس شكّلت لحظة فارقة أعادت للأذهان معنى امتداد التضحية من جيل إلى جيل.

وفى مشهد يجمع بين الاعتزاز والامتنان، عبّرت هانيا، ابنة الشهيد رامى هلال، عن فخرها بتكريم والدها، مؤكدة أن تضحياته ستظل مصدر إلهام لها ولأسرتها، مشيدة بقرار تعيين والدتها مروة توفيق عضوًا بمجلس الشيوخ بقرار من رئيس الجمهورية.

ووجّهت والدة الشهيد رسالة مؤثرة قالت فيها: «حاولت أن أكمل دورك وأربى أولادنا الأربعة.. شكرًا للقيادة السياسية على الدعم والمساندة».

أدهم أيمن

وفى حديث يجسّد معانى الإيمان والرضا، قال العقيد أيمن حسن، والد الشهيد النقيب أدهم أيمن الذى استشهد خلال إحدى المداهمات الأمنية: إن ابنه كان محل اصطفاء إلهى، مؤكدًا رضاه الكامل بقضاء الله.

وأضافت والدة الشهيد أن الفراق صعب، لكنه قضاء الله، مشيرة إلى أن نجلها كان بارًا بوالديه، وأن الشهادة منزلة عظيمة لا ينالها إلا من اصطفاهم الله.

وفاء الداخلية

من جانبه، قال العميد حاتم صابر، خبير أمنى استراتيجى: إن رعاية الدولة المصرية لشهداء ومصابى وزارة الداخلية تمثل أحد المحاور الجوهرية فى المنظومة المتكاملة لمكافحة الإرهاب، مؤكدًا أن هذا الدعم يتجاوز كونه واجبًا إنسانيًا ليصبح عاملًا استراتيجيًا يسهم فى تعزيز تماسك المؤسسات الأمنية ويدعم الروح المعنوية للعاملين بها.

وتابع، أن الدولة المصرية استطاعت نقل ملف رعاية الشهداء والمصابين من إطار المساعدات المؤقتة إلى نهج مؤسسى مستدام من خلال إنشاء صندوق تكريم الشهداء والمصابين، الذى وفر مظلة تشريعية واضحة تضمن الحقوق المادية والمعنوية لأسر الشهداء وتكفل لهم مستوى معيشيا كريمًا.

وأوضح أن هذا التوجه يبعث برسالة واضحة بأن الدولة لا تنسى أبناءها الذين قدّموا أرواحهم فداءً لأمن الوطن، الأمر الذى ينعكس بصورة مباشرة على كفاءة الأداء الأمنى وجاهزية رجال الشرطة فى مواجهة مختلف التحديات.

وأوضح اللواء رفعت عبدالحميد، خبير أمنى وأدلة جنائية، أن رعاية المصابين تمثل جزءًا لا يتجزأ من استراتيجية المواجهة الشاملة، مشيرًا إلى أن الاهتمام بالعلاج والتأهيل النفسى والاجتماعى لمصابى العمليات الإرهابية يسهم فى الحد من الآثار السلبية طويلة المدى للإرهاب، سواء على مستوى الأفراد أو المجتمع.

وأضاف أن الدعم الذى تقدمه الدولة لأسر الشهداء، خاصة فى مجالات التعليم والرعاية الصحية والتوظيف، يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الحرب ضد الإرهاب التى لا تعتمد على المواجهة الأمنية فقط، وإنما تقوم أيضًا على تحقيق العدالة الاجتماعية والحفاظ على تماسك النسيج الوطنى.

وأشار اللواء نبيل عبدالعظيم، خبير أمنى، إلى أن التكريم المستمر للشهداء والمصابين، سواء من خلال الفعاليات الرسمية أو إطلاق أسمائهم على المنشآت والمشروعات القومية، يسهم فى ترسيخ ثقافة الوفاء داخل المجتمع ويعزز من مستوى الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وهو ما يعد من أبرز مكاسب الحرب على الإرهاب.

وأكد أن التجربة المصرية فى هذا الملف أصبحت نموذجًا يحتذى به على مستوى المنطقة، بعدما نجحت فى تحقيق توازن دقيق بين الحسم الأمنى والرعاية الإنسانية، وهو ما يمثل عنصرًا أساسيًا لضمان الاستقرار ومواجهة الفكر المتطرف على المدى الطويل.