جيل «z» فريسة مستهدفة بالتضليل والتزييف العميق
محمود محرم
بين لحظة تاريخية لم يعايشوها، وواقع جديد يعيشون تفاصيله يوميًا، يقف أطفال 2011 الذين أصبحوا شبابًا مع مطلع عام 2026، أمام مشهد جديد لم تتشكل رؤيته داخل قاعات الاجتماعات أو عبر الخطاب السياسى التقليدى، بل ولد وعيه فى فضاء رقمى «مفتوح، سريع، متداخل»، تتزاحم فيه الروايات، وتتصادم فيه الحقائق، وتغيب فيه أحيانًا القدرة على التمييز بين ما هو سياسى، وما هو دعائى، وما هو موجه.
خبراء سياسيون، يؤكدون لجريدة «روزاليوسف»، أن الحديث عن وعى شباب 2026 بما لم يعايشوه من خبرات، لم يعد ترفًا تحليليًا أو نقاشًا نخبويًا، بل أصبح ضرورة تتعلق بمستقبل المشاركة السياسية، واستقرار المجال العام، وقدرة الدولة على إنتاج أجيال قادرة على الفهم والمشاركة، خاصة أن الشباب لم يعيشوا الخبرات التى صاغت وعى الأجيال السابقة، لكنهم يعيشون اليوم فى عالم مفتوح على الأزمات، ومحاط بسيل من المعلومات المتناقضة، ما يفرض مقاربة جديدة فى بناء الوعى، تتجاوز الخطاب التقليدى، وتبحث عن أدوات أكثر واقعية وصدقًا.
الدكتور مختار غباشى، نائب رئيس المركز العربى للدراسات السياسية، يرى أن الانطلاق فى فهم جيل 2026، يجب أن يبدأ من الاعتراف بحقيقة أساسية، وهى أن هذا الجيل يمتلك طاقة كبيرة ورغبة حقيقية بالانخراط فى الشأن العام، لكنه يرفض الصيغ التقليدية فى الخطاب والممارسة، «شباب اليوم» بحسب وصفه، لا يبحثون عن شعارات وطنية عامة أو خطاب تعبوى مباشر، بقدر ما يبحثون عن سياسة تمارس على الأرض، يشعرون من خلالها أنهم جزء من عملية اتخاذ القرار، لا مجرد جمهور يستمع أو يتلقى.
«غباشى»، يؤكد أن الإشكالية الحقيقية تكمن فى أن أدوات العمل السياسى الحالية لا تزال تتعامل مع جيل تشكل وعيه داخل الأحزاب والتنظيمات، بينما جيل 2026 تكون وعيه فى فضاء رقمى مفتوح، متغير وسريع، يصنع رأيه بنفسه، ويقارن ويشكك ويحلل، ومن هنا تصبح الحاجة ملحة لإعادة صياغة أدوات التواصل مع الشباب، سواء داخل الأحزاب أو خارجها، على نحو أكثر مرونة وحداثة، يسمح لهم بالتعبير والمبادرة والتأثير، بدل حصرهم فى أدوار شكلية.
نائب رئيس المركز العربى، يشير إلى أن الشباب حديثى السن يريدون تعلم السياسة عبر التجربة من خلال ندوات مفتوحة وحوارات وبرامج تدريبية جادة تشرح لهم آليات العمل العام، وكيفية إدارة الخلاف، والعمل داخل الأطر المؤسسية، دون فرض مواقف جاهزة عليهم، لافتًا إلى أن غياب الفرص الاقتصادية العادلة يقوض أى حديث عن تمكين سياسى، لأن الانتماء الحقيقى لا يبنى فى فراغ، بل يستند إلى شعور بالعدالة والاستقرار وتكافؤ الفرص.
الدكتور عبدالناصر قنديل، خبير النظم والتشريعات البرلمانية، يرى أن الحديث عن شباب 2026 لم يعد مسألة فكرية أو ثقافية، بل أصبح تحديًا وطنيًا يفتح الباب للمؤسسات الوطنية فى تأهيل الشباب وممارسة دورها الرئيسى المنوط بها، مضيفًا: «أن جيل زد، لا يعانى من ضعف الوعى، وإنما من غياب مشروع وطنى متكامل يخاطبه بلغته»، مؤكدًا أن هذا الجيل لم يعش الصدمات الكبرى التى صاغت وعى الأجيال السابقة، لكنه يتعرض يوميًا لفيض هائل من الرسائل المتناقضة عبر المنصات الرقمية، وهذا التدفق غير المنضبط للمعلومات، دون تفسير أو تأهيل، يجعل الشباب أكثر عرضة للارتباك أو الانجذاب لخطابات حادة ومشروعات مشوهة.
«قنديل»، يحذر أيضًا من أن الفراغ المعرفى والسياسى، يمثل بيئة خصبة لقوى معادية أو مكايدة للدولة، تستهدف استقطاب الشباب من بوابة الحماس وغياب الخبرة ومواجهة هذا التحدى لا يمكن أن تترك للأحزاب وحدها، بل يجب أن تقوم على دور متكامل لأربع مؤسسات رئيسية: «التربية والتعليم، التعليم العالى، الشباب والرياضة، والثقافة»، فهذه المؤسسات، من وجهة نظره، هى الأدوات الحقيقية لبناء وعى وطنى متماسك، يقوم على التأهيل المستمر، والحوار المفتوح، وبناء الثقة مع الشباب، وربط المشاركة السياسية بفرص حقيقية فى التعليم والعمل، لا بوعود عامة أو مسارات مغلقة.
أما الدكتور رضا فرحات، أستاذ العلوم السياسية، فيؤكد أن الحديث عن شباب 2026، لا يجب أن يختزل فى كونه توصيفًا عمريًا، بل هو توصيف سياسى واجتماعى بالغ الدلالة، يفرض على الدولة والمجتمع مسئولية مشتركة فى بناء وعى هذا الجيل، بما لم يعايشه من خبرات وتحولات مفصلية فى تاريخ الدولة المصرية، لافتًا إلى أن هذا الجيل تشكل وعيه فى سياق مختلف تمامًا عن الأجيال السابقة، ما يجعل مسألة نقل الخبرة الوطنية إليه أمرًا شديد الحساسية ويتطلب أدوات جديدة فى الخطاب والتواصل، تقوم على الشرح والتفسير.
«فرحات»، يرى أن بناء وعى الشباب حديث السن يكون بتمكينهم من فهم السياق الكامل لما جرى، وربط ما تحقق من استقرار ومؤسسات بما مرت به الدولة من تحديات حقيقية كادت تعصف بكيانها، مشيرًا إلى أن الوعى يصنع بالفهم، ويبنى بالمشاركة وإتاحة المجال للنقاش المسئول داخل المؤسسات التعليمية والثقافية والشبابية.
وبحسب تصريحات، أستاذ العلوم السياسية، فإن الدولة قطعت شوطًا مهمًا فى تمكين الشباب وإشراكهم فى الحياة العامة، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب تعميق البعد المعرفى والسياسى لهذا التمكين، من خلال تطوير المناهج، ودعم الأنشطة الحوارية، وإحياء دور الأسرة والإعلام فى تقديم سردية متوازنة وعقلانية للتجربة الوطنية، تحفظ الدولة ولا تغيب الأسئلة، مشددًا على أن الاستثمار الحقيقى فى هذه المرحلة هو الاستثمار فى العقل والوعى قبل أى شىء آخر.
الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولى العام، عضو الجمعيات الأمريكية والأوروبية والمصرية للقانون الدولى، يقول: «إن بناء وعى الشباب المصرى الذى لم يعاصر أحداث 2011 وتداعياتها يمثل ضرورة وطنية ملحة وواجبًا دستوريًا، خاصة فى ظل استهداف مصر بحروب الجيل الرابع والخامس التى تعتمد على التضليل الإعلامى واستهداف عقول الشباب.
«مهران»، يوضح أن جيل 2011، الذى كان أطفالًا آنذاك أصبح اليوم شبابًا فى مقتبل العمر ويشكلون شريحة كبيرة من المجتمع المصرى، وهم لم يعايشوا بوعى كامل الفوضى والانفلات الأمنى والانهيار الاقتصادى الذى شهدته مصر خلال تلك الفترة المظلمة، مضيفًا: «توعيتهم بالتجربة الوطنية المصرية ليس ترفًا فكريًا، بل واجب دستورى تفرضه المادة 19 من دستور 2014، والتى تنص على أن التعليم يهدف إلى بناء الشخصية المصرية والحفاظ على الهوية الوطنية.
ومن منظور القانون الدولى، يؤكد أستاذ القانون الدولى، أن الدول ملزمة بموجب اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، بإعداد الأجيال الجديدة للحياة فى مجتمع حر ومسئول، وهذا يتطلب تزويدهم بالمعرفة الحقيقية عن تاريخهم الوطنى وتحصينهم ضد الأفكار الهدامة والمعلومات المضللة التى تستهدف زعزعة استقرار الدولة، موضحًا أن حروب الجيل الرابع والخامس التى تستهدف مصر اليوم تعتمد على استغلال الجهل بالتاريخ القريب والمعلومات المغلوطة التى تنشرها منصات التواصل الاجتماعى والقنوات الموجهة، مشددًا على أن هذه الحروب لا تستخدم الأسلحة التقليدية، بل تستهدف العقول والقلوب من خلال الشائعات والأكاذيب والتشكيك فى مؤسسات الدولة.
كما يشير إلى أن الدستور المصرى فى مادته 53، يؤكد على أن المواطنين متساوون فى الحقوق والواجبات العامة، ومن هذه الواجبات الدفاع عن الوطن وحماية أمنه القومى، مشددًا على أن حماية الأمن القومى اليوم لا تقتصر على الجيش والشرطة، بل تشمل بناء وعى جماهيرى قادر على التصدى للحروب الناعمة والهجمات الإلكترونية.
ونوه «مهران»، إلى أن المؤسسات التعليمية والإعلامية والثقافية تتحمل مسئولية كبرى فى هذا السياق، لافتًا إلى أنه يجب إدراج مواد تعليمية توثق التجربة الوطنية المصرية بشكل موضوعى وعلمى، وتقديم برامج توعوية تستهدف الشباب عبر وسائل التواصل الاجتماعى بلغتهم وأدواتهم المفضلة.









