خبراء يحللون مسار «الإرهابية» بعد إدارة «العقل المدبر» للتنظيم السرى
مصطفى أمين
تتشابك الأسئلة حول موقعه الحقيقى داخل هرم السلطة، حدود نفوذه، والدور الذى لعبه فى إعادة تشكيل الجماعة بعد 2013، تبرز التساؤلات المركزية عن الأهمية التنظيمية لعزت، سبب توصيفه بـ«العقل المدبر»، كيف استطاع إدارة شبكة معقدة من الاتصالات والتمويل والعمل السرى فى ظل مطاردة أمنية غير مسبوقة، وما إذا كان صاحب القرار الفعلى أم مجرد منفذ لسياسات مكتب الإرشاد.
سقوطه لم يكن مجرد نهاية رجل، بل لحظة كاشفة لمسار كامل من العمل السري، وأثر غيابه على بنية الجماعة وشبكات اتصالها وتمويلها جاء فى توقيت بالغ الحساسية.
فى قراءة تفكيكية لتجربة عزت داخل جماعة الإخوان الإرهابية، يقدم طارق أبو السعد، الباحث فى شئون الحركات الإسلامية، مقاربة مغايرة للصورة النمطية التى تصفه بالعقل المدبر الوحيد للجماعة. يشير إلى أن الإخوان تنظيم غير متماسك بطبيعته، وإن بدا كذلك ظاهريًا لأن تماسكه قائم على قناعات الأعضاء بقدسية القيادة و»ربانية» الفكرة، وليس على كفاءة تنظيمية لشخص بعينه.
الجماعة اعتمدت تاريخيًا على بناء روابط مزدوجة: رابطة الفكرة والعقيدة، ورابطة المصالح، فى قلبها الزواج والشراكات المالية. وفى هذا السياق، شكل عزت حجر زاوية وثقلًا تنظيميًا، إذ جمع بين إدارة شبكة الطاعة الصارمة من جهة، والتحكم فى مفاصل التمويل من جهة أخرى، بوصفه أمين الصندوق الفعلى للجماعة داخليًا وخارجيًا، وصاحب المعرفة شبه الحصرية بأسرار الشركات والاستثمارات وشبكات الدعم.
كونه أحد عناصر قضية 1965 والمشبع بأفكار سيد قطب، ساهم بعمق فى إعادة إنتاج التيار القطبى داخل التنظيم، عبر تمكين رموزه فى مفاصل حيوية داخل الجماعة المصرية والدولية، وترسيخ منطق الولاء الشخصى عبر هندسة الانتخابات الداخلية وتوسيع نفوذ المحافظات الموالية له على حساب دوائر المعارضة.
وحول مرحلة ما بعد 2013، يوضح أبوالسعد أن عزت أدار التنظيم من مخبئه بعقلية أمنية ضيقة، دون رؤية استراتيجية شاملة، فاعتمد على إدارة ارتجالية للأزمات، وأشرف على انتخابات داخلية أفرزت صعود تيار محمد كمال وإقصاء جبهة محمود حسين، ما فاقم الانقسامات الداخلية. ومع تصاعد الضغوط الأمنية فقد قدرته على ضبط الإيقاع التنظيمي، فتحول اسمه إلى أداة توظيف من الأطراف المتصارعة، خاصة بين جبهتى الداخل وإسطنبول.
وفى التحولات الراديكالية، يؤكد أبوالسعد أن عزت لم يكن صانع العنف بقدر ما كان مقرًّا لتوقيته. العنف جزء أصيل من البنية الفكرية للإخوان، لكنه يحتاج دائمًا إلى «إشارة البدء»، وهو ما منحه عزت فى سياق تقدير خاطئ للظرف السياسى والأمني، فأسهم فى تسريع مسار الراديكالية والتصعيد.
هشام النجار، الباحث فى شئون الحركات الإسلامية، يؤكد أن وصف عزت بـ»العقل المدبر» لم يأتِ من فراغ، بل يعكس موقعه المركزى فى إدارة البنية التنظيمية السرية للجماعة، وقدرته على الحفاظ على تماسكها فى أخطر المراحل، لا سيما بعد 2013. كان الحارس الأول للبناء السري، والمسئول الأبرز عن إدارة التنظيم الخاص وشبكات الاتصال والتمويل، ما مكنه من إعادة ترتيب الصفوف بعد الضربات الأمنية العنيفة، والحفاظ على الهيكل الداخلى ومنع انهياره.
ويضيف النجار أن عزت مثل «عقل الاستمرارية» داخل الجماعة، بحكم خبرته الطويلة واختفائه الممتد، حيث تولى فعليًا إدارة التنظيم من خلف الستار، وحسم العديد من الخلافات الداخلية، ونسق بين الأجنحة المتصارعة، واتخذ قرارات مفصلية بعيدًا عن الأضواء، ما جعله مرجعية تنظيمية حقيقية حتى فى وجود مرشدين رسميين.
منير أديب، الباحث أيضًا فى الحركات الإسلامية، يؤكد أن عزت لم يكن مجرد قائد تنظيمي، بل مهندسًا خفيًا لبقاء الجماعة، وهو ما يفسر توصيفه بـ»العقل المدبر» الذى أدار التنظيم ووجّه قراراته الكبرى من وراء الستار. لم يكن وجهًا إعلاميًا، بل كان تنظيمياً بامتياز، يقدّم الانضباط والسرية والولاء للتنظيم على أى اعتبارات أخرى، ما جعله مؤثرًا فى توجيه المسار العام للجماعة، خاصة فى مراحل الأزمات والصدام.
ويشير أديب إلى أن عزت جمع بين موقعه كنائب للمرشد وأمين عام الجماعة، ما جعله صاحب السيطرة الحقيقية على مفاصل التنظيم الداخلية، وملفات العضوية، والاتصال، والتمويل، والتكليفات الخاصة. كما كان يملك خريطة كاملة للتنظيم على مستوى الجمهورية، ويدير شبكة العلاقات بين القيادات والمحافظات بمنطق أمنى صارم.
وأضاف: مرحلة ما بعد 2013 كشفت الوجه الأخطر لعزت، حيث تولى إدارة الجماعة بالكامل من خلف الستار، وأعاد هيكلتها وفق نمط العمل السرى الخالص، فقام بتشكيل اللجنة الإدارية العليا، وأدار منظومة الاتصال المشفر، وأعاد ترتيب شبكات التمويل والدعم اللوجستي، بما مكنه من الحفاظ على الحد الأدنى من تماسك التنظيم رغم الضربات الأمنية المتتالية.
وكان مسئولًا مباشرًا عن دعم وتوجيه التشكيلات المسلحة التى ظهرت عقب 2013، وساهم فى ترسيخ منطق الصدام والعنف كخيار استراتيجي، ما أدخل الجماعة فى دوامة من المواجهات العنيفة، وأفقدها ما تبقى من شرعية سياسية أو مجتمعية.
حول الانقسامات الداخلية، أوضح أديب أن عزت تعامل مع الصراع بين جبهتى الداخل وإسطنبول بعقلية أمنية قائمة على الإقصاء والتخوين، ما عمّق الانشقاقات، وأدى إلى تفكك البنية التنظيمية بدل احتوائها، وأسهمت سياساته الصارمة فى تآكل الثقة داخل الصف الإخواني، ودفع قطاعات واسعة إلى الانفصال أو التمرد التنظيمي.










