الخميس 19 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

من الشاشة إلى الشارع

هل تُصدَّر الدراما انتاج العنف أم تواجهه ؟

تحولت واقعة التعدى على شاب يُدعى «إسلام» بإحدى قرى القليوبية إلى قضية رأى عام بعد انتشار مقاطع فيديو تُظهر تعرضه للضرب والإهانة وإجباره على ارتداء «بدلة رقص» والسير بها وسط الأهالى، إذ لم تكن الواقعة مجرد تنمر، بل كشفت عن أزمة أعمق تتعلق بثقافة العنف وانتشار الشائعات وضعف الوعى بالقانون وتأثير تقليد بعض المشاهد الدرامية.



من شائعة إلى كارثة

بدأت الواقعة بشائعة عن خطف الشاب لفتاة من القرية، فاندفع بعض أقاربها دون تحقق، وخطفوه من منزله واعتدوا عليه وأجبروه على ارتداء ملابس راقصة، وصُوِّرت الواقعة ونُشرت، ما ضاعف الضرر النفسى، إلا أنه بعد انتشار الفيديوهات، تحركت الأجهزة الأمنية وبدأت التحقيقات وسط مطالب بمحاسبة المتورطين.

دور العمدة وحدود صلاحياته القانونية

أثار ظهور عمدة القرية وهو يصفع الشاب غضبًا واسعًا، لأن العمدة موظف إدارى يتبع وزارة الداخلية، ومهمته حفظ الأمن والوساطة فى النزاعات وإبلاغ الشرطة عند وقوع الجرائم، وأية مشاركة منه فى اعتداء تمثل خروجًا عن دوره القانونى وتثير تساؤلات حول المساءلة.

خبراء أمن

فى هذا الإطار يقول العميد حاتم صابر إن تصرف العمدة خروج واضح عن صلاحياته، لأن دوره وقائى وليس عقابيًا، مؤكدًا أن استدعاءه للتحقيق يعكس خضوع الجميع للقانون، وأن مثل هذه التصرفات تُضعف الثقة وتشجع العنف الجماعى.

وحول توصيف الواقعة، يرى الخبير الأمنى فؤاد علام أن الواقعة تُعد قانونيًا بلطجة واستعراض قوة، لما تتضمنه من إذلال علنى وإرهاب نفسى، مشيرًا إلى أن الشائعة والحشد العاطفى يقودان غالبًا إلى جرائم جماعية، وأن تصوير الواقعة جريمة إضافية، مؤكدًا أن الحل يتطلب الوعى القانونى وتدريب القيادات المحلية والتدخل المبكر.

الفن.. يرصد واقعًا أم يبرز بلطجة؟

وأعادت الواقعة النقاش حول تقليد المشاهد الدرامية بعد استلهام فكرة «بدلة الرقص» من عمل تلفزيونى، حيث تشير ماجدة خير الله، الناقدة الفنية، إلى أن الفن لا يصنع الجريمة بل يعكس الواقع، موضحة أن الانفتاح التكنولوجى ونقل الثقافات أسهما فى ظهور أنماط سلوكية أكثر حدة، فضلًا عن أن الإذلال الجماعى موجود قديمًا فى بعض البيئات، وأن الجرائم القاسية ليست نتاج الفن بل انعكاس لاضطراب اجتماعى، بينما يظل دور الفن كشف الظواهر لا خلقها.

ضعف الوعى القانونى

، تظهر الواقعة أيضًا سلسلة أخطاء مجتمعية، بدءًا من لجوء أسرة الفتاة للعنف بدلًا من الشرطة، وعدم إبلاغ أسرة الشاب الجهات المختصة فور احتجازه، ما أدى إلى تفاقم الموقف، ويعكس ذلك خللًا فى ثقافة التعامل مع الأزمات واستبدال القانون بمنطق الانتقام.

ويرى ياسر شحيمة، المحامى، أن الواقعة تضم جرائم مركبة مثل البلطجة والاحتجاز والإهانة والتشهير، وأن العقوبات قد تصل إلى السجن المشدد، مؤكدًا أن منصب العمدة لا يمنح سلطة العقاب، وأن أخذ الحق باليد يضاعف المسئولية الجنائية ويحوّل الضحايا إلى متهمين.

ألم جسدى ومهانة اجتماعية

الدكتور أحمد على، استشارى الطب النفسى، يشدد على أن ما حدث يمثل صدمة إذلال علنى وهى من أشد الصدمات، لأنها تجمع بين الألم الجسدى والمهانة الاجتماعية، وقد تتسبب فى اضطرابات طويلة، مثل: القلق واضطراب ما بعد الصدمة وفقدان الثقة، مشيرًا إلى «عدوى السلوك» داخل الحشود، الأمر الذى يتطلب ضرورة التوعية المجتمعية بجانب دعم الضحية نفسيًا.

إلى ذلك، يقول الدكتور طه أبوحسين، أستاذ علم الاجتماع: إن الواقعة نموذج لثقافة العدالة الشعبية الناتجة عن الشائعات وضعف الوعى وسيطرة الغضب الجماعى، منوهًا إلى خطورة «سيكولوجية الحشد» وتحول العنف إلى وسيلة استعراض، علمًا بأن المواجهة تتطلب تعزيز الثقة فى القانون ونشر الثقافة القانونية.

أخذ الحق باليد يخالف الشريعة

ومن الناحية الشرعية, يؤكد حامد محمد جاب الله، مدرس الفقه المقارن، أن الواقعة مرفوضة شرعًا لأن الإسلام يحرم الظلم والإهانة والتشهير، ويشدد على صيانة الكرامة الإنسانية، لافتًا إلى أن أخذ الحق باليد يخالف مبادئ الشريعة التى أقرت القضاء وولاية الدولة، داعيًا إلى التثبت من الأخبار وعدم الانسياق وراء الشائعات حفاظًا على الحقوق ومنعًا للفتن.