الـــدرب الأحمـــــــر
مساجد مضيئة فى القاهرة القديمة
نورالدين أبوشقرة
«الدرب الأحمر» الحى العتيق ودعوة مفتوحة لقراءة التاريخ.. الشوارع والحارات والأسبلة شاهدة على عصور ولّت وما زالت المساجد تحكى آثار من شيدوها ومن جددها.
و«باب زويلة» أحد أبواب القاهرة القديمة خير شاهد على ما مر بالقاهرة الفاطمية من أحداث مختلفة.. «أفراح أو محن».. فتجد آثار المماليك ومدرسة الغورى، ومسجد «المؤيد شيخ» الذى بناه السلطان الفاطمى «برقوق» والمشيد خلف باب زويلة مباشرة، يقابله «سبيل نفيسة البيضا» والتى ذكرها التاريخ فى مواقف عدة، وكتب عنها نابليون بونابرت فى مذكراته التى كتبها فى منفاه أنه فخور بمعرفته بالسيدة نفيسة البيضا.
تزوجت نفيسة بأربعة من أهم رجال السلطة المملوكية وقتها، أهمهم «مراد بك» وهى سبب الوساطة بينه وبين قادة الحملة الفرنسية للصلح بينه وبينهم، والتى أسست فيما بعد ما يعرف الآن بالمؤسسة الاجتماعية، والتى أسهمت فيها بأموالها- يقال إنها كانت أجمل وأغنى امرأة فى عصرها- ساعدت بمالها لدفع ديون الغارمين والإنفاق على المعوزين والفقراء.. والسبيل المعروف باسمها من أجمل وأشهر الأسبلة فى القاهرة القديمة والتى صورها الفنانون المصريون وفنانو الحملة الفرنسية.
فى المقابل وفى شارع «تحت الربع» أثر يحمل بصمات المرأة مرة أخرى، حيث المسجد المعروف باسم «المرأة» والذى شيد فى عهد السلطان «قايتباى» وجددته زوجته السيدة «فاطمة الشقرا» وقامت بتوسعته فى منتصف القرن التاسع عشر والذى يتميز ببساطة العمارة الإسلامية التقليدية وكتب على بابه «بسم الله الرحمن الرحيم.. الست المصونة فاطمة الشقرا».
مسجد فاطمة الشقرا والذى أطلق عليه اسم «المرأة» عرفانًا لدور المرأة فى الحفاظ على التراث الإسلامى والاهتمام بالثقافة والعلوم.
على بعد خطوات من مسجد المرأة وفى مدخل شارع «الخيامية» نرى مسجد «الصالح طلائع» الذى أقامه الوزير الفاطمى «طلائع بن رزيك» وهو آخر مسجد بنى فى عهد الفاطميين ولعل أهمية المسجد أنه المكان الأول الذى تم غسل الرأس الشريف لـ«الحسين بن على» ابن السيدة «فاطمة الزهراء» بنت الرسول وابن على بن أبى طالب ابن عم الرسول.
والمقام الأول لرأسه الشريف وتم نقله بعد ذلك فى العصر الفاطمى وبناء مشهد خاص له وهو المسجد المعروف الآن باسم «مسجد الحسين».
تحت الربع أيضا تتلألأ الأنوار طوال العام، حيث محال المصابيح والفوانيس والتى تزدهر قبل شهر رمضان، وأيضا بعض الورش التى تصنع البراميل الخشبية والتى تعد لتخزين الموالح والأسماك المملحة «الفسيخ» وأوانى العطارين الخشبية- يقول عم إسماعيل والذى يمتهن هذه الصناعة منذ طفولته: إن صناعة البراميل دخلت مصر على يد بعض اليونانيين والذين استعانوا بالعمال المصريين والذى يخشى الآن من انحسار هذه المهنة لقلة الأيدى العاملة.
أما قصبة رضوان بيه المسقوف والمعروف باسم «شارع الخيامية» فشهرته تأتى كونه المكان الوحيد الذى تصنع به الخيامية، وهى فن تطريز الأقمشة ذات الألوان المختلفة على هيئة أشكال زخرفية هندسية مستوحاة من الفن الإسلامى والمستخدمة فى التصميمات الداخلية للخيام والديكور التراثى والذى يمارس فيه هذا الفن منذ العصر المملوكى وحتى الآن.
يقول أحد أصحاب محال الخيامية: إن هذه الحرفة تحافظ على جمال التراث الإسلامى رغم الهجمة العشوائية التى فشلت فى تحويله إلى تجارة باستحداث أشكال لا تمت لأصل فن الخيامية إلا أن صناع هذه الحرفة والتى ورثوها عن أجدادهم يعملون على تطويرها بما يناسب العصر الحالى وما يتلاءم مع التقاليد الفنية لها.
هذا بعض من كل الآثار الإسلامية على تتابع حضاراتها والتى حفظها المصريون وحافظوا عليها، وتبقى مبانى الحى القديم شاهدة على تراث عظيم باقٍ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.






