الجمعة 26 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

مصـر بوابة الغذاء والطاقة بين القارات

فى ظل التحولات المتسارعة التى يشهدها الاقتصاد العالمى بسبب أزمة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تبرز مصر كأحد أبرز المرشحين للعب دور محورى كمركز لوجيستى عالمى فى مجالى الغذاء والطاقة. مستفيدة من موقعها الجغرافى الفريد الذى يربط بين قارات العالم، إلى جانب شبكة متطورة من الموانئ والطرق والبنية التحتية الحديثة، تسعى الدولة إلى تعظيم الاستفادة من هذه المقومات عبر سياسات استراتيجية متوازنة وشراكات دولية فعالة.



يعكس هذا الملف رؤية شاملة لطموحات مصر فى تعزيز قدراتها التخزينية والتكريرية، سواء فى الحبوب أو الطاقة، بما يدعم أمنها القومى ويعزز دورها كمحور إقليمى لإعادة التصدير والتجارة العابرة. كما يتناول فرص التعاون مع الأسواق الدولية، خاصة فى ظل المتغيرات الجيوسياسية، إلى جانب استعراض مشروعات الصوامع وتوزيعها الجغرافى، وتطور قطاع الطاقة من التكرير إلى إسالة الغاز.

ولا يقتصر الطرح على البنية التحتية فقط، بل يمتد ليشمل استثمار النقل والتجارة العابرة، مدعومًا بعوامل الاستقرار والأمن، ما يفتح آفاقًا واسعة أمام مصر لتكون نقطة ارتكاز رئيسية فى سلاسل الإمداد العالمية خلال المرحلة المقبلة.

فى عالم يتقلب على وقع الأزمات الجيوسياسية، وتتصاعد فيه حدة التوترات الدولية، نجحت مصر كنموذج استباقى فى حماية أمنها الغذائى، عبر تنفيذ المشروع القومى للصوامع، الذى لم يعد مجرد مشروع بنية تحتية، بل تحول إلى درع استراتيجية فى مواجهة اضطرابات الأسواق العالمية، فمع اندلاع التوترات بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وما صاحبها من تهديدات لحركة الملاحة وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، أصبحت سلاسل إمداد الغذاء أكثر هشاشة، خاصة بالنسبة للدول المستوردة للقمح، هنا، ظهر أثر التخطيط المصرى بوضوح.

 

 

 

«قفزة تخزينية للمخزون الإستراتيجى»

نجحت الدولة فى رفع السعة التخزينية للقمح إلى نحو 5 ملايين طن، عبر شبكة حديثة من الصوامع المتطورة، ما أتاح تكوين احتياطى استراتيجى آمن يغطى احتياجات فترات ممتدة، هذه القفزة لم تمنح فقط وفرة فى المخزون، بل منحت صانع القرار مساحة زمنية للتعامل مع الأزمات دون ضغوط فورية للاستيراد، خاصة أن قبل المشروع، كانت الشون الترابية تتسبب فى فقدان كميات كبيرة من القمح نتيجة العوامل الجوية وسوء التخزين، أما اليوم، فقد أسهمت الصوامع الحديثة فى تقليل الفاقد إلى أدنى المستويات.

ومع اضطراب حركة التجارة العالمية وارتفاع أسعار الحبوب بسبب التوترات الدولية، ساعدت الصوامع الحديثة مصر على امتصاص الصدمة، حيث لم تعد الدولة مضطرة للشراء تحت ضغط الأسعار المرتفعة أو نقص المعروض، بل يمكنها التريث واختيار التوقيت الأنسب للاستيراد.

«رؤية استباقية.. واستقرار بأسعار الخبز»

النتيجة الأهم لهذا المشروع تجلت فى الحفاظ على استقرار أسعار الخبز، السلعة الأكثر حساسية للمواطنين، فتوفر مخزونًا استراتيجيًا كافيًا ساهم فى تجنب تقلبات حادة كان يمكن أن تنتقل مباشرة إلى الأسواق المحلية، خاصة فى ظل أزمات دولية متلاحقة.

وما تحقق يؤكد أن الاستثمار فى البنية التحتية للتخزين لم يعد رفاهية، بل ضرورة استراتيجية، فالمشروع القومى للصوامع لم يحمِ فقط القمح، بل حَمَى الاستقرار الاقتصادى والاجتماعى، وأثبت أن التخطيط طويل المدى هو السلاح الأقوى فى مواجهة عالم لا يعرف الاستقرار، وبينما تتصاعد الأزمات عالميًا، تثبت المشروعات القومية ومنها المشروع القومى لصوامع القمح فى مصر أنها ليست مجرد مخازن للحبوب، بل حصون للأمن الغذائى.

«الدرع الإستراتيجية للدولة»

الدكتور خالد الشافعى، خبير الاقتصاد، يؤكد أن المشروع القومى للصوامع نجح فى تأمين احتياجات مصر من القمح والحفاظ على وفرة الإمدادات دون تأثر يُذكر، رغم الاضطرابات الحادة التى ضربت سلاسل الإمداد والتوريد العالمية نتيجة تقلبات أسعار النفط وأزمات النقل والشحن، فضلًا عن تصاعد التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران.

ويوضح أن المشروع مثّل درعًا استراتيجية للدولة المصرية، حيث أسهم بفاعلية فى امتصاص الصدمات السلبية التى طالت أسواق القمح عالميًا، فى وقت عانت فيه العديد من الدول من نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، مشيرًا إلى أن التوسع فى إنشاء الصوامع الحديثة عزز قدرة الدولة على إدارة المخزون بكفاءة، ورفع درجة الأمان الغذائى فى مواجهة الأزمات الدولية المتلاحقة.

وحول وصول السعة التخزينية إلى ما يزيد على 5 ملايين طن من القمح، يشدد الشافعى على أن هذا شكّل نقطة تحول حاسمة، إذ أتاح للدولة تأمين احتياجاتها لعدة أشهر، ما وفر مظلة حماية قوية ضد تقلبات الأسعار العالمية والاضطرابات المفاجئة فى الأسواق، مشددًا على أهمية مواصلة التوسع فى إنشاء الصوامع وزيادة الطاقة التخزينية، بهدف تعزيز المخزون الاستراتيجى، مختتمًا بالتأكيد أن هذه الجهود تعكس صلابة الاقتصاد المصرى وقدرته على التكيف والصمود، وتبعث برسائل طمأنة قوية إلى الداخل والخارج بأن مصر قادرة على مواجهة الأزمات العالمية بثقة وثبات.

«شبكة تخزين عملاقة ومتطورة»

أما الدكتور يوسف إبراهيم، المستشار الاقتصادى، فيرى أن المشروع القومى للصوامع فى مصر، الذى انطلق منذ عام 2014 فى عهد الرئيس عبدالفتاح السيسى، ساهم فى تعزيز قدرة الدولة على مواجهة التوترات الدولية المؤثرة على سلاسل إمداد القمح، عبر إنشاء شبكة تخزين متطورة تغطى مختلف أنحاء الجمهورية، خاصة فى مناطق الإنتاج الزراعى مثل الدلتا والصعيد، إلى جانب الموانئ الرئيسية، وقد ركزت الدولة على ربط الصوامع بالموانئ والمناطق اللوجستية لتسهيل الاستيراد وتقليل زمن وتكلفة النقل، بما يدعم توجه تحويل مصر إلى مركز إقليمى لتجارة الحبوب.

وأضاف أن المشروع شهد إدخال التكنولوجيا الحديثة، مثل ميكنة منظومة استلام القمح، واستخدام أنظمة رقمية لمراقبة الجودة «درجات الحرارة والرطوبة»، وربط الصوامع بشبكات معلومات مركزية، ما أدى إلى تقليل الفاقد وتحسين كفاءة الإدارة، ونتيجة لذلك، ارتفعت القدرة التخزينية من 1.5 مليون طن عام 2014 إلى نحو 5 ملايين طن عام 2024، بزيادة تقارب 230%، وقد مكنت هذه السعة الدولة من تخزين احتياطى يكفى أشهر عدة من الاستهلاك المحلى، الذى يبلغ تقريبًا نحو 18 مليون طن سنويًا، ما خفف الاعتماد الفورى على الاستيراد وقلل من تأثير الأزمات العالمية واضطرابات سلاسل الإمداد.

«تقليل الفاقد وتحسين كفاءة المنظومة»

وفيما يتعلق بالاستراتيجيات المستقبلية، تتبنى مصر 3 محاور رئيسية: التوسع الكمى فى إنشاء الصوامع، والتطوير النوعى عبر الرقمنة والتكنولوجيا، وتعزيز التكامل اللوجيستى بين مناطق الإنتاج والموانئ، وقد أسهمت هذه الاستراتيجية فى تقليل الفاقد وتحسين كفاءة المنظومة، ومع ذلك، تبرز أهمية توسيع الشراكة مع القطاع الخاص، كما حدث فى 2023 من خلال إنشاء شركة “فيروم مصر” لإنتاج الصوامع بالشراكة بين جهات مصرية وشركات دولية، ما يدعم نقل التكنولوجيا وتعزيز الكفاءة التشغيلية.

كما ينبغى ربط التوسع فى إنشاء الصوامع بخطط التوسع الزراعى، خاصة فى المناطق الجديدة مثل الدلتا الجديدة، بما يساهم فى تحقيق الاكتفاء الذاتى، إذ يساعد توزيع الصوامع بشكل متوازن على دعم المناطق المستهدفة للزراعة، وتقليل الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.

وقبل 2014، كانت مصر تعتمد على الشون المفتوحة بطاقة تخزينية تتراوح بين 1.2 و2.1 مليون طن، مع فاقد يصل إلى 10–15%، أما بحلول 2024، فقد ارتفع عدد الصوامع إلى ما يتجاوز 80 صومعة مقارنة بنحو 40 سابقًا، وزادت السعة التخزينية إلى أكثر من 5 ملايين طن، مع انخفاض الفاقد إلى أقل من 5%، ما أدى ذلك إلى تحسين الكفاءة وزيادة الكميات المتاحة للاستهلاك المحلى دون الحاجة لزيادة الاستيراد.

وبالتوازى، ارتفع الإنتاج المحلى من القمح من نحو 8 ملايين طن إلى نحو 9 ملايين طن، ما ساهم فى تقليل الواردات من نحو 12 مليون طن سنويًا إلى ما بين 9 و10 ملايين طن، أى بانخفاض يتراوح بين 20 و25%، وعلى مستوى الحوكمة، فلا يزال قطاع الصوامع يهيمن عليه الطابع الحكومى، حيث تسيطر الجهات العامة على معظم الطاقة التخزينية، بينما يقتصر دور القطاع الخاص على التنفيذ والدعم الفنى.