دبلوماسية القاهرة تطفئ نيران الحرب
أمانى عزام
فى ليلة استثنائية، حبست فيها شعوب المنطقة أنفاسها، بدا العالم وكأنه يقف على حافة فاصلة بين التصعيد والانفراج، انتهت بإعلان هدنة مفاجئة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى.
لحظة بدت وكأنها تعيد رسم ملامح المشهد الإقليمى والدولى، بعد 6 أسابيع من التوترات المتصاعدة والتهديدات المتبادلة التى كادت تدفع المنطقة إلى مواجهة مفتوحة.
هذه الهدنة، التى جاءت فى توقيت بالغ الحساسية، لم تكن مجرد وقف مؤقت لإطلاق النار، بل حملت فى طياتها إشارات سياسية عميقة، ورسائل متعددة الاتجاهات، تعكس إدراك الأطراف كافة لخطورة الانزلاق نحو صراع أوسع، قد تتجاوز تداعياته حدود المنطقة إلى العالم بأسره.
وبين الحذر والترقب، يظل السؤال معلقًا: هل تمثل هذه الليلة بداية تهدئة حقيقية، أم مجرد استراحة قصيرة فى صراع لم ينته بعد؟
فى قلب هذا المشهد المعقد، برز الدور المصرى كركيزة أساسية فى هندسة التهدئة، حيث تحركت القاهرة بخطى دبلوماسية دقيقة لاحتواء التصعيد وتقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة.
لم يكن هذا الدور وليد اللحظة، بل امتدادًا لخبرة مصرية طويلة فى إدارة الأزمات الإقليمية، ما منحها قدرة على التواصل مع مختلف الأطراف والحفاظ على قنوات مفتوحة فى أكثر اللحظات توترًا، وقد أسهمت التحركات المصرية فى خلق أرضية مشتركة مهدت لإعلان الهدنة، لتؤكد مجددًا أن الدبلوماسية الهادئة لا تزال قادرة على منع الانزلاق إلى سيناريوهات أكثر خطورة.
يرى الباحث المتخصص فى الشأن الإيرانى، هانى سليمان، أن التوصل إلى هدنة مؤقتة لمدة أسبوعين يعد خطوة متوازنة ومقبولة لكافة الأطراف، إذ يسهم فى تخفيف حدة الضغوط السياسية والعسكرية، ويمنح جميع اللاعبين فرصة لإعادة ترتيب حساباتهم دون خسائر مباشرة.
ويوضح سليمان، أن هذا الاتفاق شكل مخرجًا مناسبًا للرئيس الأمريكى دونالد ترامب، الذى كان قد رفع سقف التهديدات تجاه إيران بشكل غير مسبوق، ما كان سيضعه فى مأزق سياسى حال التراجع أو عدم تنفيذ تلك الوعود.
وفيما يتعلق بالموقف الإيرانى، لفت سليمان إلى أن طهران وجدت فى هذه الهدنة فرصة لالتقاط الأنفاس، وفتح المجال أمام إنهاء الحرب أو تحقيق مكاسب نسبية، خاصة فيما يتعلق بمضيق هرمز ووقف التصعيد على الجبهات المختلفة، إلى جانب الاحتفاظ بخيارات الرد فى حال عدم التزام الطرف الآخر.
وبين أن إسرائيل تعد الطرف الأقل حماسًا لهذا المسار، فى ظل رغبة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو فى استمرار التصعيد، إلا أن التنسيق المسبق مع الإدارة الأمريكية فرض التزامًا بالاتفاق، مرجحًا أن تحدد المرحلة المقبلة مسار التهدئة، سواء بالاستمرار نحو تسوية شاملة أو العودة إلى التصعيد.
سليمان أكد أن الدور المصرى كان محوريًا وفعالًا خلال هذه المرحلة الدقيقة، مشيرًا إلى إشادات دولية بالدور الذى لعبته القاهرة فى تقريب وجهات النظر وسد الفجوات بين الأطراف، بالتوازى مع أدوار إقليمية أخرى، مؤكدًا أن التحرك المصرى اتسم بالحكمة والتركيز على التهدئة والدبلوماسية بعيدًا عن التصعيد العسكرى.
واعتبر أن بنود التسوية المطروحة تعكس توازنًا نسبيًا بين المصالح، حيث تم الاتفاق على نقاط أقل حساسية مثل تهدئة الجبهات وفتح مضيق هرمز، مع تأجيل الملفات الأكثر تعقيدًا، وعلى رأسها البرنامج النووى والصاروخى الإيرانى، إلى جولات تفاوض لاحقة، مشيرًا إلى أنها قد تمهد الطريق نحو اتفاق أوسع وأكثر استدامة إذا ما استثمرت بشكل إيجابى خلال الفترة المقبلة.
من جهته قال الكاتب اللبنانى على المرعبى إن إعلان وقف إطلاق النار المؤقت لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يمثل مرحلة انتقالية حاسمة قد تفتح الباب أمام مسارين متناقضين.
وأوضح أن هذه المرحلة قد تتحول إلى فرصة حقيقية لتوقيع اتفاق شامل ودائم، حال نجاح التفاهمات، خاصة بين واشنطن وطهران، حول مختلف التفاصيل العالقة، لكنه حذر فى الوقت نفسه من أن تعثر المفاوضات، قد يجعل من فترة الهدنة مجرد مهلة لإعادة ترتيب الصفوف والاستعداد لجولة جديدة من التصعيد العسكرى.
وأشار المرعبى إلى أن وقف إطلاق النار، رغم طابعه المؤقت، يظل خطوة إيجابية لوقف نزيف الدم والحد من عمليات التدمير التى طالت البنية التحتية ومرافق الحياة، لافتًا إلى أن بعض الدول العربية، خصوصًا الخليجية، تضررت رغم عدم انخراطها المباشر فى الصراع.
وتنطلق الجولة الأولى من المفاوضات فى باكستان غدا الجمعة، ومن المتوقع أن يرفع كل طرف سقف مطالبه فى البداية، تمهيدًا لعملية تفاوضية تقوم على التنازلات المتبادلة وصولًا إلى تسوية محتملة، ويحذر المرعبى من أن تعنت أى طرف قد يؤدى إلى انهيار المفاوضات وعودة العمليات العسكرية.
ويلفت إلى وجود تباين واضح بين البنود التى أعلنتها باكستان وتلك التى طرحها دونالد ترامب، إضافة إلى الرواية الإيرانية، موضحًا أن كل طرف يسعى لتقديم صيغة تعكس مصالحه ومواقفه التفاوضية.
وينتقد المرعبى تجاهل بنود التسوية لعدد من الملفات الإقليمية المهمة، وعلى رأسها عدم الإشارة إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، فضلًا عن التصريحات الصادرة عن بنيامين نتنياهو التى تفيد بأن الهدنة لا تشمل لبنان، وهو ما تزامن مع تنفيذ غارات إسرائيلية عقب الإعلان، فى تأكيد على استمرار العمليات خارج إطار الاتفاق.
كما أشار إلى أن الاتفاق لم يتطرق كذلك إلى الوضع فى قطاع غزة، سواء فيما يتعلق بوقف العمليات العسكرية أو انسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التى تسيطر عليها.
ويرى اللواء طيار أحمد كمال المنصورى، أحد أبطال القوات الجوية المصرية خلال حرب أكتوبر1973، أن هناك أبعادا عسكرية وتقنية جديدة تتجاوز ظاهر حادثة إسقاط إيران لطائرتين أمريكيتين مؤخرًا، مؤكدًا أن ما جرى لا يمكن اعتباره مجرد واقعة عسكرية عابرة.
وأوضح المنصورى أن تكرار الواقعة بذات التوقيت وبهذه الدقة يستبعد تمامًا فرضية الصدفة، مشددًا على أن هذه العملية قد تدفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى إعادة النظر فى استراتيجياتها القتالية، مؤكدًا أن الحروب لم تعد تحسم عبر الطائرات كما كان فى السابق، بل أصبحت تعتمد بشكل متزايد على الصواريخ والتكنولوجيا المرتبطة بها.
وفى تقييمه للمآلات المحتملة، شدد اللواء المنصورى على أن الطبيعة الجغرافية والبشرية لإيران تختلف جذريًا عن دول الجوار، معتبرًا أن أى مواجهة عسكرية لن تحسم إلا عبر تدخل برى مباشر، وهو السيناريو الذى حذر من نتائجه، مرجحًا أن يؤدى إلى خسائر كبيرة، على غرار ما حدث فى تجارب سابقة خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية فى مناطق أخرى.
واستبعد المنصورى اللجوء إلى الأسلحة النووية، مؤكدًا أنها تظل ضمن إطار الردع الاستراتيجى أكثر من كونها خيارًا عمليًا.
أما اللواء محمد عبد الواحد، خبير الأمن القومى، فيرى أن هناك تحولًا ملحوظًا فى قدرات الدفاع الجوى لدى إيران خلال الفترة الأخيرة، وهو ما انعكس بوضوح فى سلسلة من الوقائع الميدانية التى تشير إلى تغير فى قواعد الاشتباك الجوى.
ويوضح أن هذا التطور بدأ فى الظهور منذ 19 مارس الماضى، حينما تم استهداف طائرة شبحية أُصيبت إصابة مباشرة، لكنها تمكنت من الهبوط داخل إحدى القواعد العسكرية القريبة من مسرح العمليات، وهو ما اعتبره مؤشرًا أوليًا على تحسن القدرة الإيرانية على التعامل مع أهداف جوية عالية التقنية.
أضاف أن هذا التطور تواصل لاحقًا مع حادث إسقاط طائرات متعددة، من بينها طائرة مقاتلة من طرازF-15E Strike Eagle، إلى جانب طائرات نقل عسكرى من طراز C-130 Hercules، بالإضافة إلى طائرة هليكوبتر، مع وجود أحاديث غير مؤكدة عن استهداف طائرات أخرى، ما يعكس –حسب وصفه –قفزة نوعية فى كفاءة منظومات الدفاع الجوى الإيرانية.
واختتم عبدالواحد تصريحه بالتأكيد على أن ما يجرى حاليًا يعكس مرحلة انتقالية فى طبيعة الصراع، حيث لم تعد السيطرة الجوية مطلقة كما كانت فى السابق، بل أصبحت خاضعة لمعادلات تكنولوجية معقدة تتداخل فيها القدرات الدفاعية والهجومية، بما ينذر بإعادة رسم ملامح التوازنات العسكرية فى المنطقة خلال المرحلة المقبلة.
ومن الأردن، قال اللواء الطيار المتقاعد مأمون أبونوار، خبير الشئون الدفاعية والاستراتيجية، إن الحديث عن قدرات الدفاعات الجوية الإيرانية يجب أن يُقرأ فى سياقه الفنى والعملى، موضحًا أن امتلاك إيران منظومات مثل «إس-300» وبطاريات «باور 373» لا يعنى بالضرورة تحقيق تكامل فعال فى منظومة الكشف والرصد.
وحول المشهد الاستراتيجى الأوسع، يحذر أبونوار من أن أى تصعيد يستهدف البنية التحتية قد يقود إلى رد مماثل من الجانب الإيرانى، ما يفتح الباب أمام مواجهة من نوع “بنية تحتية مقابل بنية تحتية”، وهو ما قد يؤدى إلى تداعيات اقتصادية خطيرة على مستوى المنطقة والعالم، خاصة فى حال إغلاق مضيق هرمز أو باب المندب، مؤكدًا أن مثل هذه الخطوات قد تتسبب فى ركود عالمى واسع النطاق.
ويؤكد أن الحل الدبلوماسى يظل الخيار الأكثر واقعية لإنهاء الصراع، فى ظل اتساع الفجوة بين الأطراف، وتعقيد المشهدين الإقليمى والدولى.






