أطباء: أمراض الاضطراب النفسى الحاد من أسباب الانتحار
الصحة النفسية قضية أمن مجتمعى
حنان عليوه وسمر حسن
داخل النفس البشرية توجد معارك لا يعرف أحد عنها شيئًا، حربا يخوضها الملايين من البشر ضد أمراض واضطرابات نفسية لم يختاروها ولم تكن يوما دليلاً على ضعف أو نقص فى شخصيتهم، فالمرض النفسى ليس جريمة يقترفها الإنسان، ولا سقطة فى الأخلاق أو ضعفا فى الشخصية، بل هو معركة صامتة يخوضها الشخص ضد اضطرابات كيميائية أو ضغوط حياتية تفوق طاقة الاحتمال، ومن هنا، يصبح التعامل مع المريض النفسى اختبارًا حقيقيًا لمدى تحضر المجتمعات وإنسانيتها، فالواجب على تلك المجتمعات مساندة هؤلاء الأشخاص، بعيدًا عن الوصم الاجتماعى أو التنمر أو الإحباط، لكى لا ندفع بهؤلاء الأشخاص نحو زوايا مظلمة من اليأس قد تنتهى بمأساة إيذاء النفس أو الانتحار.. فالمرض النفسى قدر ودعم المريض حق له وواجب على المجتمع.
فى ظل عالم تتسارع فيه الأزمات وتتزايد فيه الضغوط النفسية، لم يعد الحديث عن الصحة النفسية ترفًا، بل ضرورة ملحة تبدأ من الطفولة، فالأمن النفسى يمثل حجر الأساس فى بناء شخصية سوية قادرة على التكيف مع تحديات الحياة، كما أنه خط الدفاع الأول ضد الاضطرابات النفسية مستقبلًا، وعلى رأسها الاكتئاب والقلق، فبين دور الأسرة والمجتمع والمؤسسات التعليمية والدينية، تتكامل الجهود لصناعة بيئة داعمة تحتضن الطفل وتحميه من الانهيار النفسى.
قال الدكتور أمجد جبر، أستاذ الطب النفسى بجامعة الأزهر الشريف، إن الانتحار يمكن أن يكون لأسباب مرضية أو أزمات عارضة، وأحيانا يكون من بين الأعراض المرضية للاضطراب النفسى الشديد مثل الاكتئاب والفصام، وبعض الحالات قد يظهر فيها أعراض الانتحار أو الأفكار الانتحارية بشكل تدريجى والبعض قد تظهر لديهم فكرة الانتحار بشكل مفاجئ، ويعد الاكتئاب والانفصام من أسباب الانتحار، وقد تؤدى الأعراض الناتجة عن المرض إلى الإعاقة التامة للشخص فى الحياة الاجتماعية والوظيفية مما يزيد من مضاعفات المرض وقدرة الشخص على الإنتاج، متابعًا: «أما الأسباب المؤدية للانتحار، فهناك أسباب عضوية مثل الخلل بالنواقل الكيميائية الخاصة بالمخ والحالة النفسية، وهناك حالات سجلت لديها تاريخ عائلى للانتحار، وقد تكون هناك عوامل اجتماعية وبيئية مثل حالات الطلاق والضغط الأسرى».
وأوضح أن من أسباب الإصابة بالمرض النفسى غياب الدعم الاجتماعى وضغوط الحياة الدائمة، حيث إن هناك بعض العلامات التى إذا استمرت فترة زمنية، قد تشير إلى تغيير مرضى أو بداية الإصابة بالمرض النفسى مثل تغير المزاج الواضح عن طبيعة الشخص السابقة، أو عدم قدرة الشخص على تلبية احتياجاته يوميا، والعزلة الاجتماعية، وإهمال المظهر العام بشكل دائم، أو ظهور بعض التصرفات الغريبة أو السلوكيات غير المقبولة اجتماعيا بشكل دائم، مؤكدا أنه فى حالة ظهور المرض لابد أن يكون للأسرة دور داعم ومتفهم ومحاولة تشجيعه على الكلام أو المشاركة مع الآخرين فى مشاعره أو الأفكار أو التحديات التى يمر بها.
أما عن الآثار الناتجة عن الحروب وانعكاساتها الاقتصادية، فأكد أن الضغوط المادية أو الاجتماعية أو البيئية قد تعيق قدرته على التكيف أو التعامل مع الضغوط الحياتية بشكل مباشر، فقد يشعر البعض بالقلق العام أو الخوف الشديد تجاه المستقبل، موجها بعض النصائح العامة التى قد تساعد على الحفاظ على الصحة النفسية منها نمط الحياة الصحى، والنوم الجيد والمشاركة الاجتماعية بشكل فعال، فضلا عن ممارسة الرياضة والتعرض للبيئة الطبيعية، والجانب الروحى.
وأوضح الدكتور أيمن القرنفيلى أستاذ علم الاجتماع بجامعة بنها، أن ظاهرة الانتحار من الظواهر القديمة الحديثة بمعنى أنها مرت على المجتمعات الغربية وتناولتها الدراسات والبحوث فى مجالى علم النفس والاجتماع، لذا فإنها ظاهرة ليست جديدة على المجتمعات ولكنها دائما ما ترتبط بحدوث تحول وتغير فى المجتمعات، وهناك أبعاد مختلفة، وفكرة تناول الظاهرة باعتبارها مسألة نفسية بحتة أرى أنها فكرة خاطئة، فهى مركب متداخل من عوامل نفسية واجتماعية واقتصادية، متابعا: «هناك عوامل متعلقة بالجانب الأخلاقى، لذلك نعتقد أنها ظاهرة نفسية، فما يتداول على مواقع التواصل الاجتماعى والحديث عن تقديم الدعم، فى تصورى الشخصى هى معالجة جزئية مبتورة وليست معالجة كلية للظاهرة.
وأشار الدكتور محمد مرسى، أستاذ ورئيس قسم علم النفس كلية الآداب جامعة بنها، إلى أنه لم يعد الانتحار مجرد خبر عابر، بل تحوّل إلى جرس إنذار يومى يعكس حجم الألم الصامت داخل كثير من النفوس، ومع تكرار الحوادث، تتجدد الحاجة لفهم أعمق لا يكتفى بالتعاطف، بل يسعى للاكتشاف المبكر والتدخل الفعّال، فكل حالة انتحار ليست فقط نهاية مأساوية، بل قصة بدأت بإشارات كان يمكن قراءتها لو انتبهنا.
وأكد رئيس قسم علم النفس جامعة بنها، أن الاكتشاف المبكر مفتاح النجاة، فى مختلف دول العالم هو قراءة ما بين السطور، الانتحار غالبًا لا يحدث فجأة، بل تسبقه إشارات يمكن ملاحظتها، حيث يشير علماء النفس والاجتماع إلى أن ضعف الاندماج الاجتماعى يزيد من هشاشة الفرد، بينما يرى آرون بيك عالم النفس الشهير أن الأفكار السلبية المتكررة حول الذات والمستقبل تمثل إنذارًا مبكرًا، وتشير معظم الدراسات إلى أن الشخص الذى يفكر فى الانتحار لا يرغب دائمًا فى الموت بقدر ما يرغب فى إنهاء الألم، وهنا تكمن أهمية الاكتشاف المبكر، حيث يرى علماء النفس الاجتماعى أن ضعف الروابط الاجتماعية يجعل الفرد أكثر عرضة للانهيار، بينما يوضح آرون بيك أن التفكير السلبى المزمن قد يدفع الإنسان لرؤية الحياة بلا قيمة.

وأضاف: «التدخل السريع إنقاذ فى اللحظة الحرجة ولحظة فارقة، ففى كثير من الحالات، يكون الفارق بين الحياة والموت مجرد لحظة دعم حقيقية، وتؤكد دراسات علم النفس أن الانتحار يحدث عندما تجتمع العزلة، مع الإحساس بأن الشخص عبء على الآخرين، لكن التدخل السريع يمكن أن يهدم هذين الشعورين، لكن كيف يكون التدخل؟ يتم ذلك من خلال التحدث بصراحة مما يخفف من الألم وسؤال الشخص عن مشاعره، والاحتواء أحيانًا ثم الاستماع أهم من تقديم النصائح، والاستعانة بمتخصص فالطبيب النفسى ليس رفاهية بل ضرورة، علاوة على المتابعة المستمرة، فالتدخل لا يحتاج إلى خبرة بقدر ما يحتاج إلى إنسانية لأن دقيقة قد تصنع فرقًا».
وأكد مرسى، أن خط الدفاع الأول هى الأسرة، فالأسرة ليست فقط بيئة معيشية، بل شبكة أمان نفسية، فالاحتواء لا يعنى الحلول السريعة، بل الاستماع الحقيقى دون تقليل من الألم، وغياب هذا الدور قد يدفع الفرد للبحث عن بدائل قد تكون مدمرة، لافتا إلى دور المجتمع من الوعى إلى الفعل، فالمجتمع مسئول عن كسر وصمة المرض النفسى، حيث يتطلب ذلك نشر الوعى بالصحة النفسية، وتوفير خدمات دعم نفسى ميسّرة ومواجهة التنمر بالمرضى، مع إدماج برامج دعم فى المدارس والجامعات، كما أن وزارة الصحة والسكان المصرية لديها خطوط ساخنة ونجدة مباشرة للتعامل مع تلك الحالات.
من جانبه قال الدكتور أحمد فخرى، أستاذ علم النفس الإكلينيكى ورئيس قسم العلوم الإنسانية بجامعة عين شمس، إن مفهوم الأمن النفسى يمثل أحد أهم الأسس التى تُبنى عليها شخصية الطفل منذ سنواته الأولى، حيث يستمد الطفل شعوره بالأمان من البيئة الأسرية الداعمة التى توفر له الحب والرعاية والاستقرار، مشيرًا إلى أن السنوات الخمس الأولى تُعد المرحلة الأكثر تأثيرًا فى تشكيل نمط الشخصية لاحقًا، فكلما كانت البيئة أكثر احتواءً ودفئًا وابتعادًا عن الصراعات، نشأ الطفل بشخصية متزنة نفسيًا واجتماعيًا.
وحذر «فخرى»، من أن البيئات الأسرية المضطربة أو التى يغيب عنها الاستقرار العاطفى قد تؤدى إلى ظهور اضطرابات نفسية وسلوكية لدى الأطفال والمراهقين، مثل الاكتئاب، العزلة، اضطرابات النوم والأكل، والتبول اللاإرادى، إضافة إلى السلوكيات الإدمانية المرتبطة بالهواتف والألعاب الإلكترونية، ومع استمرار الإهمال، قد تتطور الحالة إلى انسحاب اجتماعى وعدوانية أو سلوكيات خطرة على الذات أو الآخرين، مشددًا على ضرورة المتابعة المبكرة لأى تغيرات سلوكية أو نفسية تستمر لأكثر من أسبوعين، مع أهمية الحوار الأسرى الداعم وطلب المساعدة من المتخصصين عند الحاجة، مؤكدًا أن تكامل دور الأسرة والمدرسة والإعلام ومؤسسات المجتمع هو السبيل الأمثل لتحقيق بيئة آمنة نفسيًا للأطفال والمراهقين.
وأكد الدكتور أحمد على، استشارى الطب النفسى وعلاج الإدمان، أن الأمن النفسى للطفل يتحقق من خلال شعوره بالحب غير المشروط، والتقبل، والاستقرار الأسرى، إلى جانب توفير بيئة خالية من العنف اللفظى أو الجسدى، متابعًا:» تلعب لغة الحوار دورًا أساسيًا فى بناء الثقة، حيث يحتاج الطفل إلى من يستمع إليه بصدق دون تهوين أو تهويل، خاصة أن تعزيز ثقة الطفل بنفسه، وتشجيعه على التعبير عن مشاعره، يساعده على تكوين مناعة نفسية قوية ضد الضغوط المستقبلية».
واستكمل:» الاكتئاب ليس ضعفًا بل مرض يحتاج احتواء وعلاجا، فهو مرض عضوى نفسى معقد، وليس مجرد حالة حزن عابرة أو ضعف فى الشخصية كما يعتقد البعض»، موضحًا أن الأمن النفسى، خاصة لدى الأطفال، مسئولية مشتركة تبدأ من الأسرة ولا تنتهى عند حدود المجتمع، فبقدر ما ننجح فى بناء إنسان آمن نفسيًا، نكون قد وضعنا حجر الأساس لمجتمع أكثر تماسكًا وقدرة على مواجهة أزمات الحاضر وتحديات المستقبل.
وتابع: التعامل مع المريض يجب أن يكون قائمًا على الفهم العلمى والدعم النفسى، إلى جانب العلاج الطبى إذا لزم الأمر، إذ يلعب المحيط الأسرى دورًا محوريًا فى رحلة التعافى، حيث يحتاج المريض إلى بيئة آمنة خالية من الأحكام المسبقة أو اللوم، فالتقليل من معاناته أو مطالبته «بالتحمل» قد يؤدى إلى تفاقم الحالة، بينما الاحتواء والتشجيع على طلب المساعدة يمثلان خطوة حاسمة نحو الشفاء، مشيرًا إلى أن معدلات الاضطرابات النفسية تزايدت فى السنوات الأخيرة نتيجة الأزمات الدولية المتلاحقة، والضغوط الاقتصادية، وارتفاع تكاليف المعيشة، ما انعكس بشكل مباشر على الاستقرار النفسى للأفراد، علاوة على أن الشعور بعدم الأمان، والخوف من المستقبل، وضغوط الحياة اليومية، كلها عوامل تساهم فى زيادة معدلات القلق والاكتئاب.
ونصح بضرورة اتباع استراتيجيات مواجهة فعالة، من بينها تنظيم نمط الحياة، وممارسة النشاط البدنى، والابتعاد عن مصادر التوتر المستمر، إلى جانب طلب الدعم النفسى من المتخصص عند الحاجة، مشددا على أهمية الحديث عن المشاعر بدلا من كبتها، لتخفيف حدة الضغوط النفسية.






