السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
القانون الأخطر فى مصر

القانون الأخطر فى مصر

هو القانون الأخطر فى مصر بلا مبالغة، بل دستور الأسرة المصرية، والإطار التشريعى، المنظم لنشأة العلاقة الزوجية، وانفصامها، وحقوق وواجبات أطرافها، والفصل فى نزاعاتهم.



 

وما أدراك ما الأسرة؟ فهى المؤسسة الاجتماعية المنوط بها إنتاج النشء، والحاضنة الأولى لتربية أجيال المُستقبل، وتماسكها وسلامتها، تنعكس بشكل مُباشر على تماسك نسيج المجتمع، وتعزيز القدرة على تنشئة أجيال صحيحة اجتماعيًا ونفسيًا.

 

إن تحديات الواقع المعاش وما شابته التشريعات القائمة من ثغرات، جعلت من مشروع القانون المقترح من الحكومة ضرورة ملحة، لإقرار تشريعات تعالج الثغرات، وتحقق توازنًا بين الحقوق والواجبات، وتكفل الضمانات اللازمة لحماية حقوق الأطفال.

 

ولعل الفلسفة التشريعية تعكسها المذكرات الإيضاحية المرفقة، بمشروعات القوانين الثلاثة التى أرسل منها تباعًا لمجلس النواب: الأسرة للمصريين المسيحيين، والأسرة للمصريين المسلمين، ومشروع قانون إنشاء صندوق دعم الأسرة المصرية، الذى انتهت منه الحكومة ومرتقب إحالته للبرلمان، تكشف أن الهدف صياغة قانون للأسرة والأحوال الشخصية، ومواكبة متغيرات المجتمع، ومعالجة ثغرات التشريعات السابقة، وجمع ما تفرق من قوانين، لتحقيق الهدف الأسمى وهو تحقيق أعلى درجات الاستقرار للأسرة وحماية حقوق الطفل والحيلولة دون افتئات طرف على حقوق الآخر. 

 

لا خلاف حول فلسفة القوانين الثلاثة، وأهدافها فى خلق مجتمع أكثر استقرارًا وأسر أكثر قدرة على الاستمرار، بل والاستقرار بحفظ الحقوق حال الانفصال، لكن هذا الهدف فى تقديرى لن يتحقق إلا بحوار مجتمعى موسع، حول نصوص مشاريع الثلاثة قوانين المقترحة، للوقوف على مدى قدرة كل نص على تحقيق فلسفته وأهدافه، حتى لا تصدر قوانين، بين طياتها نصوص لا تحقق الأهداف بالمستويات المطلوبة، أو أن تحدث آثارًا عكسية على المجتمع.

 

هذا القانون يمس بشكل مُباشر، حياة ملايين المصريين المقبلين على الزواج، والمتزوجين، وآباء لديهم أبناء ينتظرون الزواج فى المستقبل، وأسر بها نزاعات، وحقوق الولاية على النفس، من الخطبة مرورًا بشروط عقود الزواج وتوثيقها، مرورًا بحقوق النفقة، وتنظيم الانفصال، طلاقًا كان أو تطليقًا، أو بطلان العقد أو فساده أو الخلع، والنفقة والولاية على المال.

 

وغير ذلك من القضايا التى أرهقت آلاف الأسر، فى تشريعات الأحوال الشخصية فى مصر، ضاربة بجذورها مسافة 106 أعوام، فقد شهدت مصر أول قانون خاص بالأحوال الشخصية 15 مايو 1920 والخاص بالنفقة، وتوالت التشريعات وتعديلاتها وصولًا إلى القانون 4 لسنة 2005 بشأن تعديلات سن الحضانة.

 

قطعًا تناول مشاريع القوانين الثلاثة، لا يمكن أن نجمله فى مقال واحد، لذا فإن هذا المقال بداية فى سلسلة، أتطرق فيها لأبرز المواد الأكثر تأثيرًا فى القانون وآثارها المجتمعية.

 

ولنبدأ بمشروع قانون الأسرة للمصريين المسلمين، والذى جاء فى ست مواد تضمنها قرار الإصدار الصادر، و355 مادة فى ثلاثة أجزاء.

 

أولًا: لا شك فيما بذل من جهد عظيم، وصياغات دقيقة جامعة مانعة، من لجان إعداد مشاريع القوانين المقدمة للبرلمان، والحرص فى مواد القرار، على تحقيق أهداف ثلاثة: 

 

-1 يعمل فيما لم يرد فيه نص فى مسائل الأحوال الشخصية للمصريين المسلمين، بأرجح الأقوال من مذهب الإمام أبى حنيفة، وهو المذهب الذى أخذ به المشرع المصرى واطمأن له منذ عام 1930.. وفى السياق ذاته لم يرد فيه نص فى قانون الأسرة للمصريين المسيحيين بشأن الأحوال الشخصية يعمل فيه بتعاليم الكنيسة المختصة.

 

-2 أحكام الولاية على المال تطبق على جميع المصريين على حد سواء.

 

-3 تستمر محكمة النقض فى نظر الطعون المرفوعة أمامها قبل تاريخ الأول من أكتوبر 2004، عن الأحكام والقرارات الصادرة من المحاكم الاستئنافية فى الدعاوى الصادرة فى الأحوال الشخصية. وتستمر فى نظر ما يوجد لديها من دعاوى تصبح مع إقرار القانون المقترح، من اختصاص محاكم أخرى.

 

هنا الهدف إحداث حالة من الاستقرار، وضمانات القضاء بموجب القانون المعمول به عند إقامة الدعاوى المتطورة، ومن ثم يقضى فيها بموجبه حتى صدور الحكم النهائى.

 

ويعزز المشرع ذلك بوضع موعد لبداية العمل بالقانون المقترح الأول من أكتوبر التالى على تاريخ الإقرار، وهنا أتاحت مدى زمنيا بين نشره فى الجريدة الرسمية والعمل به، لتمكين المجتمع من الإلمام بأحكامه والاستعداد بما يلزم من قرارات لازمة من وزير العدل بالتنسيق مع الجهات المعنية، وما يستلزم من إجراءات تنفيذية.

 

ثانيًا: من حيث النصوص الموضوعية: 

 

-1 الخطبة: هى كما عرفها المشرع وعد بزواج رجل بامرأة ولا يترتب عليها ما يترتب على الزواج من آثار.

 

استفاض المشرع فى وضع ضوابط الحقوق حال عدل أحد الطرفين عن الخطبة، وفى اعتقادى أن الفقرة «ب»، من المادة «2» من الفصل الأول بالقسم الأول «الولاية على النفس»، بهذا القانون لم تكن موفقة فى مراعاة واقع الحال.

 

فقد نصت على: «تعتبر الشبكة من الهدايا إلا إذا اتُفق على غير ذلك، أو جرى العرف على اعتبارها من المهر».

 

وفى المادة «3»: «إذا عدل أحد الطرفين عن الخطبة بغير سبب مقبول فليس له حق فى استرداد شىء مما أهداه للآخر، وإن كان العدول من الآخر فله أن يسترد ما أهداه إن كان قائمًا أو قيمته يوم استرداده، ويستثنى من ذلك ما جرت العادة على استهلاكه».

 

المادة «3» بها توازن وتعالج مشكلات تحدث لدى بعض القطاعات وحالات الخطبة التى لا يقدر لها الاستمرار، بينما المادة «2»، فضفاضة لا تحمل أحكامًا جامعة مانعة تحد من المشكلات بل تزيدها بين الأطراف.

 

فقد اعتبرت الشبكة هدية، ومن ثم لا ترد حال العدول، ثم استثنت الاتفاق على غير ذلك أو اعتبار العرف أنها جزء من المهر، ومن غير المنطقى أن يذهب خاطب ليقدم الشبكة، ويشترط على أنه حال العدول يحصل عليها، كما أن القانون تشريع لجموع المصريين لا ينبغى أن يترك فيه الأمر للعرف.

 

وبالتالى هذه ثغرة تشريعية تزيد من الأزمات أمام القضاء، فإذا كان عموم العرف أنها هدية، لينص على أنها هدية، بلا استثناءات، وما يلى من نصوص فصل فى حق استردادها حال كان العدول من طرف الفتاة، وهى حق لها إذا كان العدول من طرف الخاطب.

 

2- فى الفصل الثانى عقد الزواج: 

 

الزواج ميثاق شرعى بين رجل وامرأة غايته إنشاء أسرة مستقرة، برعاية الزوجين، على أسس تكفل لهما تحمل أعبائها بمودة ورحمة وفق المادة السادسة.

 

زواج اختبار الستة أشهر 

 

للحق استفاض المشرع فى علاج مسائل ومشكلات بالغة الأهمية، وشروط الزواج الصحيح وأحكامه، وحالات الطلاق الستة، بيد أن المادة «7»، فقرة «ب»: يحق للزوجة طلب فسخ عقد زواجها قضاءً، خلال مدة لا تزيد على ستة أشهر من تاريخ العقد، إذا تبين لها أن الزوج ادعى لنفسه ما ليس فيه، وتزوجته على ذلك شريطة عدم وجود حمل أو إنجاب.

 

وهى مادة مهمة، يمكن أن تكون فلسفتها التشريعية، تمكين الزوجة التى يتم التدليس عليها، أو تتكشف لها أمور على غير ما قدم الزوج نفسه به لقبول رضاها، من التخلص من تلك العلاقة قبل قدوم أبناء لأسرة غير مستقرة.

 

وقد تثير تلك المادة نقاشات موسعة، ولها من السلبيات ما لها من الإيجابيات، فقد تكون محقة بأن يدعى الزوج حصوله مثلًا على درجة علمية وتكتشف أن شهادته مزورة مثلًا، وغيرها من الأمور، لكن فى المقابل قد تستغل إذا ادعت الزوجة ما ليس فيها، فهذه المادة تجعل الزواج «ستة أشهر اختبار».

 

وكلمة إنجاب هنا مع ستة أشهر قد تثير تساؤلات لدى البعض، لكن المشرع يأخذ بآراء العلم فى حالات الولادة المبكرة أقل مدى لإمكانية بقاء المولود خارج الرحم تأتى بعد 24 أسبوعا إلى 26 أسبوع حمل، وسترى فى مواد العدة بعد الطلاق، وإثبات النسب أنها تتراوح وفق الحالات المحددة بين 60 يومًا و10 أشهر، وهو أقصى مدى يمكن لجنين أن يبقى فى رحم الأم ولدقة المشرع قال: «ويحتسب يوم الميلاد يومًا كاملًا». 

 

وهنا رغم النصوص المحدودة التى تتطلب نقاشات موسعة، للوقوف على تطبيقاتها عمليًا، ومدى إمكانية تحقيقها لأهدافها، فهناك جهد كبير مبذول فى مشروع القانون وتحرى الدقة سواء كان فيما له علاقة بالفقه الدينى أو العلم فى الشئون الطبية، أو التحوط بإسناد الأمر للقضاء للفصل كما هو فى المادة السابقة «الطلاق قضاءً» للبت فى صحة ادعاءات الزوجة من عدمه، وهنا يجب النص على أن تلتزم بتقديم أدلة ثبوت ادعائها، حتى لا يستخدم المادة فى غير ما قصد المشرع.

 

-3 استفاض المشرع بكل دقة فى شروط الزواج والمحرمات وإجراءات إثبات الإيجاب والقبول لذوى القدرات الخاصة بأن تكون كتابة لمن لا ينطق وغير ذلك من النصوص بالغة الأهمية، من أركان وشروط الزواج الصحيح… والزواج الباطل الذى يفقد شرطًا من شروط انعقاده، والفاسد الذى تتوافر له شروط الانعقاد ولكنه فقد شرطًا من شروط صحته وما يترتب عليهما. 

 

وهنا اختصّ المشرع التفريق فى حالات الزواج الباطل أو الفاسد لقضاء القاضى.

 

-4 من المواد المهمة التى تعظم حقوق المرأة المادة «29»: «للزوجة أن تشترط فى عقد زواجها ما يحقق منفعتها ولا يتنافى مع مقاصد العقد، ولها الحق فى فسخ العقد حال إخلال الزوج بما تم الاتفاق عليه، ولها أن تسقط الشرط أو ترضى بمخالفته». 

 

ولم يفت المشرع النص فى المادة التالية «30»: «إذا اشتُرط فى الزواج شرط ينافى مقتضاه، أو كان محرمًا شرعًا، يبطل الشرط ويصح العقد». 

 

وهنا تأكيد على تحرى منح الزوجة حقوقها فى اشتراط ما تراه محققًا لمصلحتها، وللزوج أن يقبل أو يرفض، وهنا سؤال مهم يجب أن يخضع للنقاش، إذا ما كانت الشروط التى تفصح عنها العروس تالية على الخطبة، ورفض الزوج قبولها مثلًا أن تشترط ألا يتزوج بأخرى دون إذن كتابى منها وهو حق كفله المشرع لها فى مشروع القانون.

 

هل هنا رفض العريس الشرط وهو حق له، باعتبار العقد شريعة المتعاقدين، وهذا بسبب هذا الشرط المرفوض عن الخطبة، هل يفقد «الشبكة» باعتباره هو من عدل أم أن عدوله هنا مبرر بما يجعله من حقه استرداد المهر والشبكة؟! 

 

التشريع وحدة متكاملة لتحقيق أهداف موحدة تقلص الخلافات، وتنظم الاتفاقات للارتباط، والعدول عنها بمرونة، لذا يحتاج لنقاش موضوعى دقيق يراعى الواقع العملى وأنه قانون ينظم العلاقات لمجتمع متنوع مستويات القدرة المالية، الثقافية، والأعراف المجتمعية. 

 

-5 ينص مشروع القانون على توثيق الزواج وبدون ذلك التوثيق لا يعتد به فى المنازعات القضائية، وكذلك الطلاق سواء كان به رجعة أو بائنًا، بل ومن أهم ما تضمنه المقترح فرض عقوبات على الزوج تصل إلى الحبس حال التخلف عن توثيق الطلاق فى المدى الزمنى الذى حدده القانون، ويعاقب بالحبس والعزل المأذون أو الموثق حال تجاهل إخطار الزوجة، وألزم القاضى ببذل جهود للإصلاح بين المتنازعين من الأزواج والاستعانة بعلماء وإثبات حال عجز عن الإصلاح بينهم ذلك فى وثائق الدعوى.

 

كل هذه النصوص وغيرها تعكس أن الهدف الحفاظ على الأسرة، وديمومة العلاقة، والفصل فى حال ثبوت استحالة العشرة، وهذا يستوجب نقاشًا برلمانيا ومجتمعيا جادا للنص المقترح لتعزيز مستهدفاته وتلافى ما يمكن أن يسفر عنه التطبيق من سلبيات.

 

وعن ملحق عقد الزواج المرفق الذى يثبت فيه حقوق والتزامات كلا الزوجين حال انقضاء، الزوجية أو عند الطلاق وغيرها من النصوص بالغة الأهمية.

 

 وللحديث بقية بإذن الله..