« دار الإفتاء» ومرصد الأزهر العالمى للفتوى حسمت الجدل: قضاء الدين والزواج وعلاج المرضى وكفالة اليتيمات مقدم على حج النافلة
أشرف أبو الريش
حسمت دار الإفتاء المصرية الجدل المتكرر كل عام قبل موسم الحج، أن سداد الديون ورعاية المحتاجين وعلاج المرضى وتجهيز الفتيات اليتيمات للزواج، قد تتقدم على حج النافلة، بينما تبقى فريضة الحج واجبة على المستطيع مرة واحدة فى العمر.
بداية يؤكد الدكتور عاصم قبيصى وكيل وزارة الأوقاف أن التبرع للمستشفيات والمدارس وزواج اليتيمات ومساعدة طلاب العلم من الفقراء وذوى الحاجة من الصدقات الجارية التى رغبت فيها شريعتنا الغراء، ولا مانع من التبرع بأموال الحج النافلة وليس الفريضة للمستشفيات والمدارس وزواج اليتيمات وطلاب العلم، حيث إن كفاية الفقراء والمحتاجين، وعلاج المرضى، وسداد ديون الغارمين وغيرها من وجوه تفريج كروب الناس وسد حاجاتهم ودفع الفاقات عن أصحاب الحاجات، وكفالة اليتيمات والسعى على الأرامل والمساكين، وسد رمق الجوع، وعلاج المرضى، وتعليم الجاهل، وكسوة الفقراء، وإيجاد السكن لمن ليس لديه سكن.
ويوضح أن «الاشتغال بذلك مقدَّم قطعًا على نافلة الحج والعمرة بلا خلاف، وهو أكثر ثوابًا منها وأقرب قبولًا عند الله تعالى.وأفضل الصدقة ما صادفت حاجة من المتصدَّق عليه وكانت دائمة مستمرة».
يضيف قبيصى «أما إذا كان التبرع من مال حج الفريضة فالأصل وجوب أداء الحج أولًا وعدم إسقاط الفريضة بالصدقة، وذلك لأن الحج فرض على المستطيع مرة واحدة فى العمر، وذلك لحديث البخارى ومسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج فحجوا»، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، ثم قال صلى الله عليه وسلم: «لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم».
وفى رواية أحمد وأبى داود والنسائى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن السائل هو الأقرع بن حابس، وأن الرسول رد عليه بقوله «الحج مرة، فمن زاد فهو تطوع».
وبناءً على هذا فإن تكرار الحج ليس واجبًا، وإنما هو تطوع، والتطوع فى كل شىء ينبغى أن يُراعى فيه تقديم الأهم على المهم.
وعليه يجوز شرعًا التبرع بأموال الحج أو العمرة النافلة «الزائدة عن حجة الفريضة الواجبة» للمستشفيات، وعلاج المرضى، وبناء المدارس، وزواج اليتيمات، وقد تكون هناك حالات فى أشد الحاجة إلى المعونة لإنقاذ الحياة أو تخفيف الآلام، وهنا يكون الإنفاق فيها أولى، لأن المحافظة على النفس البشرية أفضل من حج التطوع.
من هذا المنطلق رصدت «روزاليوسف» العديد من فتاوى دار الإفتاء المصرية عبر أسئلة وردت فى هذا التوقيت قبل موسم الحج إلى العلماء الأجلاء والمفتين، وقد أجابت الدار عنها، وننشر بعضًا منها عبر هذا التحقيق خاصة مع اقتراب موسم الحج كل عام تتكرر تساؤلات المسلمين حول فقه الأولويات الشرعية:
وتستعرض “روزاليوسف” أبرز الفتاوى الصادرة عن علماء دار الإفتاء المصرية وكبار المفتين، التى ترسم منهجًا واضحًا للمسلم فى ترتيب واجباته الدينية والمعيشية.
من جانبه أوضح فضيلة المفتى الدكتور محمد نظير عياد فى رده على سؤال ورد الى الدار منذ بضعة أيام يقول :
ما حكم تزويج الابن قبل أداء الحج والعمرة؟
يقول السائل أنا موظف أدَّخر مبلغًا من المال، وأرغب فى أداء مناسك الحج والعمرة، لكن ابنى يريد الزواج ولا يستطيع تحمّل نفقاته بمفرده، وأنا أشفق عليه، فهل أقدّم الحج والعمرة أم أُقدِّم تزويج الابن؟
أوضح فضيلة مفتى الجمهورية أنَّ الأصل الشرعى يقضى بتقديم أداء فريضة الحج إذا كانت هذه هى المرة الأولى التى يؤدى فيها المسلم الحج، أى حَجَّة الإسلام، لأنها واجبة على المستطيع وتُقَدَّم على غيرها، غير أنَّه إذا كان الابن لا يستطيع الانتظار، وخُشِى عليه الوقوع فى الحرام، فإنه يجوز حينئذٍ تقديم تزويجه على الحج، بشرط وجود العزم الصادق على أداء فريضة الحج لاحقًا متى تيسَّرت الاستطاعة.
أما العمرة فهى سُنَّة، ويجوز للمسلم المفاضلة بينها وبين تزويج الابن، فيقدِّم ما يراه أولى وفق ظروفه وحاجته الأسرية.
الدَّيْن قبل حج النافلة
فتوى أجاب عنها فضيلة الدكتور على جمعة، أكدت الفتوى أن سداد الدَّين مُقدَّم شرعًا على حج النافلة، خاصة إذا كان الدائن محتاجًا إلى ماله.
وجاء السؤال من رجل سبق له أداء فريضة الحج، ويرغب فى الحج مرة أخرى مع والدته، رغم وجود مبلغ متبقٍ عليه لصالح خاله الذى يحتاج المال بعد إحالته إلى التقاعد ورد فضيلته: ما دام السائل قد أدَّى فريضة الحج من قبل، فإن الحج الجديد يُعد نافلة، وسداد الدَّين فى هذه الحالة أولى وأوجب.
حاجة الدائن إلى ماله تُعجِّل بوجوب السداد، ولذلك فإن الوفاء بحقوق العباد مقدَّم على التطوع بالعبادات.
الزواج أم الحج؟ أولوية تختلف باختلاف الحال..
فتوى فضيلة الإمام الدكتور محمد سيد طنطاوى شيخ الأزهر الأسبق رحمة الله عليه، والتى تناولت الفتوى سؤالًا يتكرر بين الشباب :أيهما يُقدَّم الزواج أم الحج؟
وأوضح فضيلته فى الإجابة التى تنشرها دار الإفتاء فى هذا الباب من أسئلة وفتاوى الحج، أن الحكم ليس واحدًا للجميع، بل يتغير بحسب حالة الشخص.
الحالة الأولى: الزواج واجب
إذا خشى الشاب الوقوع فى الحرام يصبح الزواج واجبًا، ويُقدَّم على الحج، لأن دفع الحرام مقدم على أداء الفريضة المؤجلة.
الحالة الثانية: الزواج مستحب
إذا استطاع ضبط نفسه يكون الزواج مندوبًا، ويُقدَّم الحج لأنه فرض على المستطيع حيث إن القاعدة الفقهية تقول :الواجب يُقدَّم على المندوب دائمًا.
دعم الجمعيات التى تُيسِّر الحج والعمرة.
فتوى فضيلة الأستاذ الدكتور نصر فريد واصل.
أجازت الفتوى قيام الجمعيات الخدمية بدعم العاملين لأداء الحج والعمرة بشروط منها :
عدم استغلال الأعضاء ماديًا، وعدم تحويل النشاط إلى تجارة أو ربح شخصى، وأن يكون الهدف التعاون على البر والتقوى.
وأكدت الفتوى أن هذه المبادرات تدخل فى قوله تعالى»:وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى”، ودعم هذه الجمعيات مشروع شرعًا بل محمود إذا التزم بالضوابط.

من مات غنيًا ولم يحج.. ما الحكم؟
فتوى فضيلة الأستاذ الدكتور شوقى إبراهيم علام
أوضحت الفتوى أن المبادرة بالحج للمستطيع أمر مستحب ومطلوب شرعًا.
أما من مات ولم يؤدِّ الفريضة فله حالتان:
إن أوصى بالحج عنه تُنفَّذ الوصية من تركته، وإن لم يوصِ فلا يجب على الورثة الحج عنه، لكن يُستحب خروجًا من الخلاف الفقهي.
حكم الوصية بحج الفريضة
أكدت الفتوى أنه إذا أوصى الميت بالحج عنه تُنفَّذ الوصية من ثلث التركة وجوبًا، ولا يُزاد على الثلث إلا بموافقة الورثة، وهذا يعكس حرص الشريعة على الجمع بين حق الله وحقوق الورثة.
هل يجوز الاقتراض للحج؟
فتوى أمانة الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أجمعت الفتوى على قاعدة مهمة وهى :
لا يجب الاقتراض للحج باتفاق الفقهاء، ولكن يجوز الاقتراض إذا غلب على الظن القدرة على السداد دون ضرر، أما إذا كان الدين سيوقع الإنسان أو أسرته فى ضيق أو مشقة فيترجح المنع أو الكراهة، فالاستطاعة شرط للحج، ولا تتحقق بالديون المرهقة.
مرصد الفتوى
فى نفس السياق يصل إلى مرصد الفتوى العالمى بالأزهر الشريف، عدد من الأسئلة المتعلقة بالحج خلال هذه الأيام منها ورد من أحد السائلين فى فتواه : هل يجوزُ لى أن أؤدّيَ فريضة الحجّ عن غيري، وما حكم الحج عن الميت؟
ورد مركز الفتوى العالمى بالأزهر الشريف، بأن الحج فريضة عظيمة تجب فى العمر مرة واحدة على القادر المستطيع، والأصل أن يؤدّيها المسلمُ عن نفسه، إلا إذا عجز عن أدائها بنفسه لكبر سنه أو مرضه مرضًا لا يُرجى شفاؤه منه، فيجوز له أن يوكِّل غيره ليحُجّ عنه بشرط أن يكون الوكيل قد حج عن نفسه على الراجح وقد ورد حديث رواه ابْنُ عَبَّاسٍ رضى الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، قَالَ: «مَنْ شُبْرُمَةُ؟» قَالَ: أَخٌ لِى أَوْ قَرِيبٌ لِى قَالَ: «حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ».أخرجه أبوداود، كما يُشتَرطُ فى الحجِّ عن الحيِّ أن يكون بإذنه.
أَمَّا الْمَيتُ فَيجُوزُ الحجّ عَنْهُ بِغَيْرِ إذْن سواء أكان حجًا وَاجِبًا أَم تَطَوُّعًا، ومن مات وعليه حجّة الإسلام، فإنّه يُستحب أن يُؤخذ من تركته نفقة الحج، ويستنيب أهلُه من يحجّ عنه من ماله، سواء أوصى بذلك قبل موته أم لم يوصِ لما رواه ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ، جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّى نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ حُجِّى عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَةً؟ اقْضُوا اللَّهَ، فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالوَفَاءِ». “ أخرجه البخارى “.
من هذا المنطلق أكد علماء الدين ان هناك ما يسمى بفقه الأولويات، ورسالة الإسلام لكل مسلم اذا اراد الذهاب الى الحج، يجب أن يطلع على الأسس والقواعد الفقهية لهذه الفتاوى مجتمعة عن مبدأ أصيل فى الشريعة الإسلامية هو فقه ترتيب الأولويات، حيث لا تُقاس العبادة بكثرتها فقط، بل بسلامة ترتيبها من خلال أداء حقوق الناس قبل النوافل، ودفع الحرام قبل أداء المستحبات، والاستطاعة الحقيقية قبل التكلف بالدين، والتعاون المجتمعى فى الطاعات وعمل الخيرات بين الناس .
ويشير علماء دار الإفتاء إلى عدة أمور يجب على المسلم الإجابة عنها قبل الذهاب إلى أداء الفريضة: وهى هل أديت الفريضة أم هو حج نافلة؟، وهل عليك ديون أو حقوق للناس؟، وهل الزواج ضرورة لك؟
هل تتحقق الاستطاعة دون مشقة أو دين؟
فالإسلام لا يريد للمسلم مجرد السفر إلى الحج لاسقاط إحدى الفرائض الواجبة على كل مسلم قادر على الحج نفقة ومال تصديقا للحديث الشريف: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بُنِىَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ البَيْتِ لمن استطاع اليه سبيلًا، وَصَوْمِ رَمَضَانَ».






