الأحد 28 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

والأضحية فى الفن المصرى

«السلام عليك أيها الإله العظيم.. لقد أتيت إليك فاستمع لندائى».. هكذا كان يدعو المصرى القديم ويردد نداءه للإله الواحد الأحد، فقد عرف المصريون فريضة الحج منذ بداية عصر الدولة القديمة واستمر خلال الدولة الوسطى والدولة الحديثة، وكانت أدعيته تطلب من المعبود العطف والرحمة والغفران، رحلة الحج المصرى القديم تبدأ فى بداية فصل الفيضان ويستمر ثمانية عشر يومًا ينتقل فيها الحجاج جماعات وأفرادا فى مراكب لعبور نهر النيل باتجاه مدينة «أبيدوس» الموجودة حتى الآن فى محافظة سوهاج بصعيد مصر ويرتحل إليها الحجاج من مختلف أنحاد مصر وهى القبلة المقدسة لدى القدماء والتى ارتبط اسمها بعقيدة البعث والخلود وأوضحت النقوش والبرديات تفاصيل شعيرة الحج وتفاصيل مناسكها لتظل شاهدة على وجدانية المصرى منذ فجر التاريخ.



المدهش أن رحلة الحج داخل الحدود المصرية تتشابه فى المعنى وأيضا فى بعض المظاهر مع فريضة الحج لدى المسلمين أولها الغاية الروحية وحرص المصريون عليها لنيل البركة فى الحياة والمغفرة بعد الموت «التوبة وتطهير النفس»، أما الملابس البيضاء فكانت أشبه بملابس الإحرام وكانت تصنع من الكتان.

وأهم طقوس الحج كانت «الطواف» حول المعبد وتقديم القرابين «ذبح الأضحية أو ما تيسر من الهدى»، وأيضا كان مسموحًا لأبناء المتوفى أن يسافروا فى تلك الرحلة نيابة عنه أو برسم طقوسها على جدران مقبرته كرمزية لإتمام المراسم وهو ما يوازى التعبير عن فرحة الحاج وأقاربه بالنقوش الشعبية على جدران المنازل وهى مظاهر ما زالت موجودة وباقية حتى الآن.

الحج فى العصور الإسلامية

رحلة الحج إلى البقاع المباركة حيث الكعبة المشرفة والمدينة المنورة الوجهة الأولى والقبلة الأولى المقدسة لدى المسلمين كافة، وأشرقت من أنوارها إبداعات فنية تجلت فى عدة مظاهر حيث صورها المسلمون فى عصور الإسلام الوسطى برسومات تعبر عن تلك الرحلة برسوم مزخرفة ومبسطة برموز نباتية وحيوانات أهمها الجمل المستخدم فى رحلة الحج قديمًا وبرع المصريون فى حياكة وتطريز كسوة الكعبة بخيوط الذهب والفضة ويحتفظ متحف الحضارات بالقاهرة القديمة بآخر كسوة صنعت للكعبة المشرفة.

أما الفنان المصرى الفطرى وثق برسوم شعبية رحلة الحج على جدران المنازل وتلوينها بنقوش زاهية ورموز مبهجة مميزة لكل عصر بدءًا من الجمل والبواخر حتى الطائرة، واعتمد هؤلاء الفنانون الشعبيون على أدوات بسيطة لإظهار الفرحة بإتمام الحاج لهذه الفريضة الدينية المقدسة حيث رسموا مظاهرها بخطوط تلقائية مع إدخال بعض عبارات مثل «حج مبرور وذنب مغفور» وبعض الآيات القرآنية: «وأذن فى الناس بالحج يأتوك رجالاً».

يعتبر هذا الفن المصرى توثيقا بصريا فريدا بما يشهد به من أثر الفريضة على المصريين ومدى ارتباطهم وتدينهم.

فى القرن الثامن عشر انتشرت رسوم المستشرقين والذين اهتموا بتصوير مظاهر الحج وأيضا الطقوس الدينية مثل الصلاة فى المساجد لعل أشهر تلك اللوحات لوحة «حجاج فى طريقهم إلى مكة» والتى رسمها الفنان الفرنسى ليون بيلى عام 1861 وصورت قافلة الحجاج تعبر رمال الصحراء فى الطريق لبيت الله الحرام.

وأيضا صور العديد من المستشرقين خروج «المحمل» الشريف من مصر حيث كان يبدأ مراسمها حاكم القاهرة وتعيين وفد لوداعها عند خروجها من الحدود المصرية باتجاه الكعبة المشرفة وسط فرحة أهالى مصر بخروج الكسوة الشريفة كل عام من القاهرة، وكان مخصصًا لها «دار الكسوة» ويتم صنعها كل عام بأيدى الفنانين المصريين المهرة.

فى العصر الحديث شهدت الفنون المعاصرة باهتمام بعض الفنانين المصريين برسم فرحة عيد الأضحى ومظاهر الحج بصور مختلفة ومدارس متنوعة مثل الفنان المصرى الكبير محمود سعيد والذى رسم لوحة عن أضحية العيد وتجهيز الخراف تمهيداً لتقديمها كرمز للفداء العظيم، وأيضا رسم الفنانون الكعبة ومظاهر فرحة الأعياد.

سيظل الفن التشكيلى خير شاهد على ارتباط المصرى القديم وتوارث أبنائه المعاصرين للدين وجوهر عقيدته وهو التوحيد منذ فجر تاريخه وإلى الأبد.