غسل العقول يبدأ بنقرة زر
مواقع التواصل.. «شبكات» مفتوحة لاصطياد الشباب وتزييف الوعى
مصطفى أمين عامر
تحولت الفضاءات الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعى من مساحات للتواصل الإنسانى والاجتماعى، إلى ساحات خفية للتجنيد لصالح التنظيمات الإرهابية وعلى رأسها جماعة الإخوان الإرهابية وداعش والقاعدة، الذين جعلوا منها ملاذًا آمنًا يتجاوزون بها حدود الجغرافيا والأمن لضرب استقرار الشعوب، وتعتمد هذه الجماعات على استغلال خوارزميات منصات التواصل الاجتماعى لاصطياد المراهقين ممن يعانون الاغتراب أو الأزمات النفسية وعزلهم فكريًا داخل «فقاعة التطرف الضيقة»، لكن تبقى قوة القانون، ورفع الوعى الرقمى هما الصخرة التى تتحطم عليها مؤامرات الإرهاب وجماعاته الظلامية.
واعتبر صبرة القاسمى الخبير فى شئون الجماعات المتطرفة، أن مواقع التواصل الاجتماعى وعلى رأسها فيسبوك وإكس وتيك توك وتليجرام وانستجرام، تحولت من منصات للتواصل الإنسانى والاجتماعى إلى ساحات معارك مستترة، ومطابخ خفية لإثارة الفتن، تُدار من غرف مظلمة فى عواصم الخارج، وبالتالى فنحن أمام مخططات مدروسة تستهدف اصطياد الشباب، وتزييف وعى الشعوب، وضرب الأمن والاستقرار داخل المجتمع.
وقال، إن جماعة الإخوان الإرهابية وضعت استراتيجية خبيثة تعتمد على بث الشائعات والأكاذيب بشكل يومى عبر لجان إلكترونية مأجورة، تستهدف بالأساس التشكيك فى المشروعات القومية، واللعب على أوتار الأزمات الاقتصادية، وصناعة أبطال من ورق لا وجود لهم، بهدف إحداث بلبلة وحالة من الإحباط واليأس داخل المجتمع المصرى.
وشدد على أن خطورة هذه الجماعات لم تعد تكمن فى الأساليب التقليدية القديمة؛ فالتنظيمات الإرهابية لم تعد تبحث عن الانتحارى الذى يحمل حزامًا ناسفًا فى الشارع، بل باتت تصنع «انتحاريًا فكريًا» يحمل هاتفًا ذكيًا فى غرفته؛ يُفجّر وعيه ويسلخ انتماءه لوطنه وهو جالس بين أهله، لتتحول لحرب غسيل العقول بنقرة زر واحدة.
وأكد، أن الجماعات الإرهابية وعلى رأسها الإخوان تستغل التكنولوجيا الحديثة لرصد اهتمامات الشباب وميولهم عبر الإنترنت، ثم يخترقون عقولهم عبر بوابات المشاكل الشخصية أو مشاعرهم الدينية البسيطة، وبداية مرحلة الاصطياد تبدأ بنقرة زر أو تفاعل بسيط ليتم بعدها عزل الشاب فكريًا واجتماعيًا عن أهله ووطنه، ثم سحبه سريعًا من المواقع العامة والمراقبة قانونيًا إلى تطبيقات غرف الدردشة المشفرة وعلى رأسها «تليجرام» لإتمام عملية غسيل عقولهم وتلقينهم الأفكار المتطرفة وتكليفهم بالعمليات الإرهابية.
ونوه إلى أن عناصر هذه الجماعات يمارسون النفاق والغدر والخيانة خلف الشاشات، وينشرون الفكر التكفيرى واستباحة الدماء لصالح جهات خارجية تدفع لهم الأموال، لكن بعد الضربات الأمنية لهم لم يتبقَّ لهم سوى العويل فى العالم الافتراضى لإثبات وجودهم أمام مموليهم، وهو ما يضعهم قانونيًا تحت طائلة «جناية التخابر مع جهات أجنبية، والتحريض على العنف، والإضرار بالمصالح العليا للبلاد».
وكشف عن أن قضايا الإرهاب المنظورة أمام القضاء المصرى تكشف عن أن أكثر من 80% من المتهمين الجدد فى قضايا الخلايا الإرهابية، تم استقطابهم وبداية التعارف بينهم وبين قيادات الجماعة عبر مجموعات سرية وغرف دردشة مغلقة على الإنترنت، وليس من خلال لقاءات على أرض الواقع، وأن الشباب من سن 16 إلى 25 عامًا هم الفئة الأكثر استهدافًا، لأنهم الأكثر تواجدًا على مواقع التواصل الاجتماعى، مما يعكس مدى خطورة هذا المخطط الذى يستهدف عقول طاقات المستقبل وتدميرها.
وأشار إلى أن الدولة المصرية تنبهت لهذا الخطر الداهم مبكرًا، وأصدرت تشريعات حاسمة لمواجهة الإرهاب الرقمى، وعلى رأسها قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات (رقم 175 لسنة 2018)، وقانون مكافحة الإرهاب (رقم 94 لسنة 2015)، حيث تفرض هذه القوانين عقوبات مشددة تصل إلى السجن المؤبد والإعدام لكل من ينشئ أو يدير موقعًا أو حسابًا يروج للأفكار الإرهابية أو يحرض على نشر العنف والفوضى.
واختتم حديثه بقوله، إن مواجهة هذا الانفلات الرقمى تقتضى منا جميعًا عدم الاكتفاء بموقف الدفاع، بل يجب كشف كذب وفضائح هذه الجماعات وتعرية صراعاتهم الداخلية فى الخارج، والصخرة التى تتحطم عليها دائمًا مؤامرات الغرف المظلمة هى قوة القانون المصرى.
وقال حسام الحداد الخبير فى شئون الجماعات المتطرفة: «تحولت منصات التواصل الاجتماعى فى العقود الأخيرة من مساحات للتواصل الإنسانى إلى أدوات استراتيجية رئيسية تعتمد عليها الجماعات الإرهابية والمتطرفة، وتوظف هذه الجماعات آليات علم النفس الاجتماعى والتطور التقنى لتحقيق الاستقطاب والتجنيد، ونشر الدعاية والتضليل»، مشيرًا إلى أن تلك الجماعات الإرهابية تتبع استراتيجيات ممنهجة للتجنيد عبر انتقاء حسابات معينة يعانى أصحابها من التهميش أو الاغتراب أو أزمات نفسية ومادية، على مواقع تيك توك وفيسبوك وإكس ويوتيوب، حيث تبدأ بالرصد وتنتهى بالتجنيد الفعلى، مستغلة فى ذلك الخوارزميات التى تغذيها بمحتوى متطرف ثم أكثر تطرفًا تدريجيًا، مما يعزل أصحابها ويضعهم داخل «فقاعة فكرية» ضيقة يتابعها المندوبون الرقميون لهذه الجماعات بالتعليقات والمنشورات وإيهام أصاحبها أنهم «أصدقاء» لتقديم الدعم والاحتواء العاطفى، حتى يتم تجنيدهم داخل تلك الجماعات الإرهابية، ثم يتم نقلهم إلى تطبيقات محادثة مشفرة كتيليجرام أو تطبيقات الألعاب الرقمية ومجتمعات الفيس بوك المغلقة وفى هذه المساحات المغلقة، يتم غسل الأدمغة بعيدًا عن رقابة الأجهزة الأمنية وإدارات المحتوى.
وكشف عن أن منصات الألعاب التفاعلية وخوادم الألعاب القتالية أصبحت بيئة خصبة لاستقطاب المراهقين والشباب، حيث تُمرر الرسائل المتطرفة عبر محادثات صوتية أثناء اللعب، كما أن الدعاية المتطرفة لم تعد تعتمد على التسجيلات الصوتية الرديئة، بل تحولت إلى إنتاج مرئى احترافى يستخدم تقنيات المونتاج الحديثة، والمؤثرات الصوتية الحماسية، وزوايا التصوير السينمائى وتوليد الصور والفيديوهات لفبركة مشاهد عن اعتداءات، أو تزوير تصريحات لمسئولين، أو تضخيم حجم عملياتهم العسكرية بهدف إثارة المشاعر الدينية وهذا الأسلوب يخاطب عواطف الشباب ويوهمهم بأنهم أمام «ملحمة بطولة» وليس عملًا إجراميًا.
وأردف: «نجحت الجماعات الإرهابية فى تحويل وسائل التواصل الاجتماعى من مجرد منابر لإلقاء الخطب إلى «منظومات تجنيد تفاعلية» و«مؤسسات إعلامية افتراضية» لتظل المواجهة الفكرية، وتطوير خوارزميات الكشف الاستباقى، ورفع الوعى الرقمى لدى المجتمعات، هى خطوط الدفاع الأساسية للحد من هذا الخطر المتجدد».
وقال مصطفى حمزة الباحث فى شئون الجماعات المتطرفة، إن الجماعات الإرهابية لجأت إلى الفضاء الإلكترونى بعد أن فقدت قدرتها على الحشد على أرض الواقع، نتيجة للرفض الشعبى من ناحية والملاحقات الأمنية من ناحية أخرى، خاصة بعد أن أدركت أن هذا الفضاء الإلكترونى يمنحها فرصة الوصول إلى ملايين المستخدمين دون قيود جغرافية أو أمنية، وبكلفة منخفضة مقارنة بوسائل التجنيد التقليدية.
وأشار إلى أنها تعتمد على استراتيجيات إعلامية متطورة تستهدف الفئات الأكثر عرضة للتأثر، خاصة الشباب والمراهقين، عبر إنتاج محتوى جذاب بصريًا ولغويًا يتناسب مع طبيعة المنصات الرقمية الحديثة، حيث يتم تقديم الخطاب المتطرف فى كثير من الأحيان بصورة غير مباشرة، من خلال استغلال القضايا السياسية أو الدينية أو الإنسانية المثيرة للجدل بهدف استقطاب المتابعين تدريجيًا قبل الانتقال إلى مراحل أكثر تطرفًا.
وشدد على أنها تتوسع فى نشر الأخبار المضللة والمعلومات المفبركة والصور والمقاطع المصورة المنتقاة بعناية لإظهار نفسها فى صورة القوة والنجاح والتأثير، كما توظف تقنيات المونتاج الحديثة والذكاء الاصطناعى والخوارزميات الرقمية لزيادة انتشار المحتوى والوصول إلى شرائح جديدة من الجمهور، معتمدة على قدرتها فى تزييف الواقع وإخفاء الجرائم والانتهاكات التى ترتكبها.
واستطرد:» الخطورة الحقيقية تكمن فى أن منصات التواصل توفر بيئة خصبة للمحتوى المتشدد، ما يعزز القناعات المتطرفة ويقلل فرص الاطلاع على الآراء المخالفة، وقد أثبت العديد من الدراسات أن مسارات التطرف الرقمى غالبًا ما تبدأ بمحتوى يبدو معتدلًا قبل أن تنتقل تدريجيًا إلى محتوى أكثر تشددًا وعنفًا».






