الأربعاء 21 أبريل 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا

فى الذكرى الثالثة لرحيل ساحر الصحراء

صبرى موسى.. رحلة الإبداع من «حادث النصف متر» إلى «حقل السبانخ»

«إن مئات الخطايا الصغيرة التى نرتكبها بسهولة ويسر فى المدينة ضد أنفسنا وضد الآخرين تتراكم على قلوبنا وعقولنا ثم تتكثف ضبابا يغشى عيوننا وأقدامنا فنتخبط فى الحياة كالوحوش العمياء. فالمدينة زحام، والزحام فوضى وتنافس وهمجية»..لم يكن واقع المدينة الذى اختزله فى سطور قليلة بغريب علينا ولكنه كان صادما فقدم بكلمات بسيطة شرحاً مبسطاً لحياتنا التى تدور بنا فى دائرة لانهاية لها من الخطايا المتراكمة حد حجب بصيرتنا عن الفضائل والأخلاق.. كشف صبرى موسى الذى تحل ذكرى رحيله علينا فى الثامن عشر من يناير الجارى عن زيف تلك الحياة وتناقضاتها   فى رائعته فساد الأمكنة.



 

مدرس الرسم السابق الذى ولد فى 19 مارس  بمحافظة دمياط عام 1932 وجد ضالته على أعتاب صاحبة الجلالة لإرضاء شغفه بالكتابة فعمل صحفيًا فى جريدة الجمهورية، ثم كاتبًا متفرغًا فى مؤسسة «روزاليوسف»، وصدر له عنها كتاب «الغداء مع آلهة الصيد»، ثم أصبح عضوًا فى مجلس إدارتها، وعضوًا فى «اتحاد الكتاب العرب»، ومقررًا للجنة القصة فى المجلس الأعلى للثقافة، وله مئات المقالات فى مجلة «صباح الخير»، ويُشهد له أنه عندما وصل إلى موقع المسئولية كان يحنو على أى موهبة شابة ويمنحها عضوية الاتحاد.

بدأت حياته الأدبية بالكتابة فى فن القصة، ومن أعماله «القميص، وجها لظهر، حكايات صبرى موسى، مشروع قتل جارة، الرجل الذى ضحك على الحصان، السيدة التى والرجل الذى لم»، وفى أدب الرحلات كتب «فى البحيرات، فى الصحراء، رحلتان فى باريس واليونان».

 

حادث النصف متر

 

ومن أشهر أعماله الروائية «حادث النصف متر»، عام 1962، وفيه أوحى لنا فكرته بأن نصف متر فقط هو ما يلزم لأن يتم تحديد مصائرنا وأقدارنا فى الحياة، ينتقد فيها الكاتب التقاليد الاجتماعية التى تنتقد المرأة عند الخطأ مع رجل فى الماضى ولكن تسامح الرجل مهما فعل، فالبطل لم يسامح حبيبته عن ماضيها ولم يتزوجها عندما حانت الفرصة فتزوجت من غيره.

 

وتحولت تلك الرواية إلى فيلمين سينمائيين بنكهتين ومعالجتين مختلفتين تبتعدان أو تقتربان عن روح الرواية الأصلية، الأول هو فيلم لأشرف فهمى من بطولة محمود ياسين ونيللي، والثانى هو فيلم للمخرج الفلسطينى سمير ذكرى بنفس الاسم، وهو فيلم لقى حفاوة نقدية فى العديد من المهرجانات..

 

«فساد الأمكنة» الواقعية السحرية للصحراء 

 

وفى عام 1963 أمضى موسى ليلة فى جبل الدرهيب بالصحراء الشرقية قرب حدود السودان، فى رحلته الأولى إلى الصحراء، وفى تلك الليلة وُلدت كيمياء غامضة معه بالمكان، ثم الزيارة الثانية كانت فى أثناء رحلة إلى ضريح المجاهد الصوفى أبو الحسن الشاذلى، وفى تلك الزيارة أدرك أنه يحتاج إلى معايشة الجبل والإقامة فيه؛ وبالفعل وافقت وزارة الثقافة على تفرغه والإقامة فى الصحراء حول الجبل لمدة عام من نوفمبر 1966 إلى نوفمبر 1967؛ وكان حصاد ذلك أن أخرج لنا أهم أعماله «فساد الأمكنة»، التى تعتبر واحدة من أهم الروايات العربية، والتى أحدثت دويًا فى الحياة الأدبية، إذ تكثفت فيها خبراته المتنوعة وتآزرت لتُقدم لنا نصًا روائيًا بالغ العمق سيظّل باقيًا حتى وإن رحل كاتبه الفذّ الذى يشبه «نيكولا» بطل روايته بسرقته للمعرفة من بحر التجوال.

 

وطرح موسى فى روايته «فساد الأمكنة» أسئلة الوجود الكبرى، وبحث الإنسان عن التوحد بالطبيعة فى الوقت الذى تتمتع فيه الطبيعة بالعنفوان والبكارة، خصوصًا المنطقة التى كتب عنها وهى جبل الدرهيب، فقد حاول بطلها نيكولا التوحد بالطبيعة وأن يشيد فردوسًا أرضيًّا فى هذا الجبل النائي، لكن لأن الإنسان محدود فقد أخفق فى مسعاه؛ بسبب فساد الأمكنة التى هرب منها البطل، وهناك شخصية بها إشارة إلى الصوفى أبى الحسن الشاذلى الذى استطاع أن يحقق ما أخفق فيه نيكولا، والسبب أن نيكولا حمل معه عالمه القديم فأخفق فى التوحد مع المكان الجديد.

 

وصف غالب هلسا الروائى الأردنى رواية «فساد الأمكنة» قائلا: «هذه رواية فذة، اقتحمت عالما عربيا صعب المسالك»، ليست العبقرية فى الرواية التى حكى فيها سيرة ذلك القادم من جبال القوقاز ليقدمه إلينا عبر وليمة جبلية، وإنما العبقرية فى جعل هذا القديس القوقازى يتوحد مع سكونية وصوفية الجبل الذى حلّ فى جسد الجد الأكبر كوكا لوانكا، ويأخذنا فى نهاية الرواية فى مشهد أسطورى لبطله الذى يجسد ملامح البطل الأغريقى وهو يقتاد ابنته إيليا التى جعلها على اسم زوجته التى قالت له فى لحظة عشق: سأتركك لمصير مفجع امتثالا لقانون المكان.

 

أما الناقدة اعتدال عثمان فقالت عن صاحب «فساد الأمكنة»: «صبرى موسى موهبة كبيرة أهم ما يميزها أنه استطاع أن يشق لنفسه مسارًا مميزًا رغم قلة أعماله، إلا أنها علامات تركت تأثيرًا كبيرًا فى مجال السرد، وبخاصة أنه أول من التفت إلى جماليات المكان وكتب رواية الصحراء «فساد الأمكنة»، هذا الرواية فتحت أفقًا أمام كُتاب آخرين لكتابة رواية الصحراء مثل إبراهيم الكونى وغيره، وقد استطاع أن يكتب بطريقة نستطيع أن نسميها نوعًا من الواقعية العجائبية الصحراوية».

 

بدوره، رأى الكاتب سعيد الكفراوى رحمه الله، صبرى موسى بصفته أحد أهم مؤرخى حقبة الستينيات والسبعينيات الأدبية، قائلا فى حوار سابق: «أنظر لصبرى موسى كواحد من أهم كتاب جيل الوسط الذى بين يوسف إدريس وجيل الستينيات، وأعتبر هذا الجيل دفع ثمنًا فادحًا فى سيرته الأدبية بسبب ظل يوسف إدريس الثقيل، ومن كتاب هذا الجيل غالب هلسا وأبوالمعاطى أبوالنجا وسليمان فياض وعبدالله الطوخى وعلاء الديب وصبرى موسى».

 

وكتب موسى سيناريوهات العديد من الأفلام السينمائية منها «البوسطجى»، أحد أهم أفلام السينما المصرية، و«قنديل أم هاشم»، و«القادسية»، و«الشيماء»، و«قاهر الظلام»، و«رغبات ممنوعة»، و«أين تخبئون الشمس».

 

وعن ملامح وخصوصية الأدب الروائى والقصصى لدى الأديب الراحل صبرى موسى، ومساهماته البارزة فى كتابة أدب الرحلة والسيناريو صدر كتاب «الكتابة على الحافة الحرجة» عن الهيئة المصرية للكتاب، وقامت بإعداده زوجته الصحافية أنس الوجود رضوان.

 

السيد من حقل السبانخ

 

يتناول «الكتابة على الحافة الحرجة» 21 دراسة لعدد من النقاد المصريين، حاولوا من خلالها استقصاء رؤى صبرى موسى المستقبلية للعالم والإنسان، التى شكلت على نحو خاص مدار روايته «السيد من حقل السبانخ» الصادرة عام 1997 فى القاهرة، وفيها تجسيد لكثير من توقعاته لما يمكن أن تكون عليه المجتمعات بعد قرون؛ حين يحقق العلم انتصاره الكامل على الطبيعة، وينتظم الفرد فى حركة صارمة لا مجال فيها للخطأ أو التجاوزات، وذلك من خلال تحولات بطل الرواية، المثقف المتمرد، المتردد، الذى يعمل فى مركز زراعة السبانخ.

وتعتبر رواية «السيد من حقل السبانخ» آخر ما صدر له عام 1982، وهى رواية تُصنف تحت بند روايات الخيال العلمى، وهى تأسيس لنوع جديد لم يقدر له الاستمرار ولم يجد من يتلقفه من الأجيال المتتالية ولم يطرقه إلا أدباء قلائل مثل يوسف عز الدين عيسى ونهاد شريف، وتُرجمت أعماله إلى عدة لغات منها الإنجليزية والصينية.