الإثنين 1 مارس 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا

فى الذكرى الخامسة لرحيل جراح الكلمات الذى غير قبلة النقد الأدبى:

«صيد الملائكة» الكاتبة عصمت قنديل – زوجة الأديب علاء الديب: روايته وحلمه الذى لم يكتمل

لتكن آخر الكلمات.. اقرأ»؛ هذه آخر كلمات الأديب الراحل علاء الديب الذى أثرى الأدب والثقافة المصرية ببابه الشهير «عصير الكتب»، وأعطى للمتلقى جرعة ثقافية بعيدة كل البعد عن التكلف والمصطلحات النقدية المعقدة، إنه الناقد الذى أيقظ الذاكرة على مساحات من الأزمنة والأمكنة، عبر مختارات قوامها مائة وأحد عشر عملاً فى القصة والرواية والشعر والموسيقى والتاريخ والسياسة.



فى ذكرى رحيله التى توافق الثامن عشر من الشهر الجارى، لم نجد أفضل من شريكته فى الحب والحياة الكاتبة عصمت قنديل، لتروى لنا الجانب الخفى من حياته، وأهم شخصيات تأثر بها، ولأول مرة تكشف عن حلمه الذى لم يكتمل.

احتفينا معها به وبصنائعه الأدبية التى غيرت مسار النقد الأدبى، وحوّلت قِبلته.

بابتسامة هادئة وصوت دافئ، تحدثت السيدة عصمت قنديل - زوجة الأديب الراحل علاء الديب، التى لم تكن قرينته وحسب، بل كانت شريكته فى الحب والحياة والثقافة والأدب لمدة 44 عاما، فهى جمهوره الأول الذى كان يستشيره فى كتاباته قبل أن تصل لأيدى القارئ.

حكت السيدة عصمت أن الأديب علاء الديب ولد عام 1939، وتخرج فى كلية الحقوق جامعة القاهرة، ثم التحق بعدها بالعمل فى مجلة صباح الخير-مؤسسة روز اليوسف، التى نشر بها العديد من قصصه، لتخرج بعدها مجموعته القصصية الأولى إلى النور عام 1964 بعنوان: «القاهرة»، وبعد ذلك توالت مجموعاته القصصية «صباح الجمعة» و«المسافر الأبدى».

كما قام بترجمة عدد من الأعمال الأدبية مثل: «لعبة النهاية» لصموئيل بيكيت، «امرأة فى الثلاثين» لهنرى ميلر، وكتابات عن شخصية السياسى «هنرى كسينجر»، فضلا عن أنه كان أحد صناع فيلم المومياء وحصل على جائزة الدولة فى الآداب من المجلس الأعلى للثقافة عام 2001.

استرجعت السيدة عصمت الديب ذكرياتها مع زوجها، قائلة: إن شخصية علاء الديب العامة لم تكن تختلف عن شخصيته الخاصة، فعندما قابلته فى مجلة صباح الخير سنة 1970، حيث كنت أتدرب حينها، عهدته شخصا دمث الأخلاق، صادقا فى تواضعه، ودائما ما كانت لديه رسالة وهى مساعدة كل من حوله، ومن هنا جاءت فكرة عصير الكتب التى أراد بها مساعدة الشباب على تقديم أعمالهم الأدبية فى الوقت الذى لم يكن فيه فيس بوك أو أى وسيلة أخرى لنشر الأعمال، وهؤلاء الشباب آنذاك أصبحوا فيما بعد من أهم الأدباء فى الوطن العربى.

لقد كان الجميع ينتظر بلهفة يوم الاثنين حتى يروا الصفحة الأخيرة لمجلة صباح الخير، ومن الذى كتب عنه علاء الديب هذا الأسبوع. والحقيقة أن علاء لم يكن يكتفي بذلك، بل كان يبحث عن صاحب العمل حتى لو كان فى الأقاليم حتى يشجعه على الاستمرار وظل هكذا طوال 44عاما، فكان صديقا للكل.

تصف السيدة عصمت الديب زوجها بأنه كرّس حياته لهذا الباب، ورغم أن ذلك أثر على إنتاجه الأدبى لكنه كان سعيدا به بشكل كبير لأن ذلك مكّنه من ممارسة القراءة دائما، فكان يقرأ العمل مرتين كأنه سيمتحن فيه، ثم يكتب ملاحظاته، ويتركها جانبا، ثم يكتب صفحته فى المجلة.

وعن أكثر الشخصيات الأدبية والنقدية التى كان يحبها ويتأثر بها، أكدت أن الأدباء الغربيين كانوا يلفتون نظره، وهو دائم الشغف بالاطلاع على الآخر، وكان يقرأ أعمالهم جميعا نظرا لإجادته الترجمة، وخاصة كتابات دوركا ودوستويفسكي، والأدباء العرب كان يقرأ لهم أيضا، فكل من أصبحوا من المشاهير الآن، هو من قدمهم، مثل: جمال الغيطانى، وإبراهيم أصلان، ورضوى عاشور، وغيرهم.

تحكى لنا شريكة الحياة عن مشوار زوجها الأدبى الذى لم ينته بعد خروجه على المعاش عام 2000، فقد طلبه صلاح عيسى أن يحرر فى جريدة القاهرة صفحتين؛ امتدادا لفكرة عصير الكتب، فاختار أن يقدم فيهما الأعمال الأدبية الوليدة لشباب الأقاليم، وظل هناك حتى جاء شخص آخر فى الجريدة رأى أن تلك الصفحتين غير مهمتين، فلم ييأس واستمر فى مقاله «كتاب فى كلمة وكلمة فى كتاب» بالمصرى اليوم، والتى كان يخصصها أيضا لكتابات الشباب.

وظل علاء الديب يقرأ ويكتب حتى اليوم الذى دخل فيه المستشفى، وتوفى فكان ممسكا بيديه كتابا يقرأه ويكتب عرضا له.

وعن حلمه الذى لم يكتمل، قالت عصمت الديب: إنه كان يحلم دائما بـ» الرواية الأفيش» وهى الرواية الصغيرة، لأنه كان يقول دائما إن الرواية الطويلة التى تدور فى 500 صفحة قد عكف عليها الزمن، ولم تعد تناسب هذا العصر، والحقيقة أنه قد بدأها فى أعماله، فروايته «زهر الليمون»، و«أطفال بلا دموع»، وغيرهم لم تتخط 120 صفحة، فكان يلجأ للتكثيف والإيجاز، فلو قمت بتجزئة فقرة من النص، سيختل المعنى بعكس التفاصيل الكثيرة التى يلجأ إليها بعض الكتاب، وتثير الملل فى نفس القارئ.

هناك أيضا روايته التى لم تكتمل، فكان يعكف على كتابتها وبالفعل قد انتهى من حوالى سبعين صفحة منها، لكنه توفى قبل أن تكتمل، وقد أطلق عليها عنوان» صيد الملائكة».

 «الكاتب يكتب نفسه، وإلا ما يبقاش صادق»، تلك المقولة لعلاء الديب، أكدت لنا الزوجة والشريكة أنها عقيدته الراسخة، فالتأليف عند أى كاتب لا يعتمد فقط على الخيال، وإنما الجزء الأساسى فيه يستقيه المؤلف من حياته والتجارب التى يعايشها مع الناس حوله، فعلى سبيل المثال: «زهرة الليمون» استقى فكرتها من هزيمة 67، و«أيام وردية» تحدث فيها عن أيام الانفتاح وتلك الفترة من حياتنا وتاريخنا، وشخصيات تلك النصوص الأدبية كان عمودها الفقرى هم أفراد المجتمع، أبناء الطبقة المتوسطة الذين كان يركز عليهم دائما فى كتاباته.

كان علاء الديب الكاتب والإنسان دائما ما يدين نفسه، كما تؤكد لنا عصمت الديب، فعلى الرغم من سعيه الدائم لمساعدة من حوله سواء أن كان الشباب الأدباء أو حتى الأشخاص العاديين، لكنه كان يجلد ذاته، ويطلب منها المزيد، ولم يكن ينافق أو يسعى فى أى مرحلة من حياته أن يتقرب من السلطة، فكانت فكرته المطلقة أن الأديب لابد أن يكون حرا.

(قِبلة النقد الأدبى)

عند قراءة أعمال الأديب علاء الديب؛ نجد أنه منذ اليوم الأول لدخوله عالم الأدب والنقد، انتبه إلى خصوصية الأدب، والتفت إلى أن النقد يحتاج إلى شيئين: دراسة فلسفة الجمال وفلسفة الفن، وكانه يرى أنه لكى يقدم كتابا؛ لابد من نظرية فنية تنطلق من حركة الفن الموجودة فى العصر ذاته، تقول ما اتجاهها، وما القضايا المطلوبة التى تلائم البيئة، والناس الذين يعيشون بها، والزمان الذى يتواجدون به والأزمة الاجتماعية، فكل تلك العوامل تؤثر تأثيرا كبيرا فى عرض كتاب ما.

كان تقديمه لكتاب أو رواية فى بابه «عصير الكتب» هو اسمى جائزة يفوز بها مؤلفها آنذاك، فقد قدم إبراهيم أصلان من خلال روايته «بحيرة المساء»، وصنع الله إبراهيم ورائعته» ذات»، وبهاء طاهر «أنا الملك جئت»، و«رأيت النخيل» لرضوى عاشور، كما تناول كتاب «العالم الإسلامى المعاصر» لجمال حمدان، ولم يغفل الحديث عن أديب نوبل، فقدم عرضا نقديا لرواياته «حديث الصباح والمساء» و«الحرافيش».

ولم يكتف الأديب علاء الديب بعرض النصوص الأدبية المصرية وحسب، بل امتدت كتاباته النقدية لأعمال الكتاب العرب، كالأديب المغربى محمد برادة وروايته الشعرية «لعبة النسيان»، والكاتب جبرا إبراهيم الذى كتب عن المناضل الفلسطينى وليد مسعود، واختفائه السيموطى لوطن بأكمله، والكاتبة اللبنانية حنان الشيخ التى جسدت جراح لبنان فى صنيعها الأدبى» حكاية زهرة»، وغيرهم من الأدباء فى الوطن العربي.

والملفت للنظر أن الروايات التى كتبها علاء الديب مثل: «زهر الليمون» ، وثلاثيته الأشهر؛ «أطفال بلا دموع»، «قمر على المستنقع»، «عيون البنفسج» تعّرض فيها بخصوصية شديدة إلى ماهية النفس المغتربة التى تتجسد فى أسرة، ليصبح الديب أول مؤلف يقوم بعمل بانوراما سردية لعائلة واحدة، يكون البطل فى كل جزء منها هو أحد شخصيات تلك الأسرة لنرى من خلالهم مسار الأحداث ورؤيتهم للتيمة الأساسية للثلاثية التى سيطرت عليها الغربة بشقيها المادى والمعنوى، فكان بطل «عيون البنفسج» أب العائلة منير، وبطلة» أطفال بلا دموع» الأم سناء، أما فى «عيون البنفسج» فالابن الشاعر تامر هو الراوى العليم، فيطلعنا كل منهم على الغربة  من منظاره الخاص.

(ثورة تنويرية)

كانت لعلاء الديب آراء تنويرية خاصة بكل ما يتعلق بعلوم القرآن، وهى أن الأمة العربية تحتاج فى تفسير القرآن إلى ما هو أكبر من الموجود فى كتب التراث، فكان ينادى بضرورة إعادة روح البحث العلمى الدقيق فى التاريخ واللغة وفى الأنظمة الاجتماعية التى كانت سائدة فى فترة الوحي، وما قبله، وما بعده.

وكما ذكر فى كتابه «عصير الكتب» أن الأبحاث العلمية حول القرآن وفى خدمته، فريضة واجبة على الأمة، لأن هذه المحاولات تمثل الإنقاذ الوحيد الذى يريد أن يشعله مستغلو الإسلام الذين يريدون أن يصنعوا منه قوة للهدم لا للبناء.

وأن الوسيلة المثلى للاقتراب من القرآن هو العمل والدراسة التى تبعث فى روح الأمة وقدة النار المقدسة التى تبغى الجمال والكمال.