الأربعاء 21 أبريل 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا
محمد على باشا الكبير.. النهضة الزراعية (4)

محمد على باشا الكبير.. النهضة الزراعية (4)

لم يكن محمد على باشا واليًا عثمانيًا تقليديًا شأن الولاة الذين كانت اسطنبول ترسلهم إلى مصر ولا يفعلون شيئًا سوى تحصيل الأموال وإرسالها إلى السلطان مع مخصوص يقال له «الصرجى» أى حامل صرة المال، فقد أيقن منذ توليه السلطة فى مصر عام 1805 أنه لبناء دولة قوية لا بد أن تعتمد مصر على نظام اقتصادى قوى حديث يقوم على الاكتفاء الذاتى وأدرك أيضًا أن قوة الدولة تتحقق من الصادرات وليس من الواردات وأن التصدير يعنى زيادة الإنتاج وتنويعه, فأقام محمد على اقتصادًا مخططًا وكان قوام هذا النظام هو استيلاء الدولة على كل الفائض المتاح وإنشاء قطاع دولة كبير، واقتباس أفضل ما كان باستطاعة الغرب أن يقدمه إلى مصر فى مجال المعرفة العلمية والتكنولوجيا. 



فبعد أن استقرت السلطة السياسية فى يد محمد على تفرغ لبناء اقتصاديات مصر فى الزراعة والصناعة والتجارة، وما يرتبط بكل منها من مجالات. ولذلك كان من الطبيعى أن تأتى الزراعة فى المكان الأول فى إطار الإصلاحات الاقتصادية.

لقد أدى انفراد محمد على بالحكم إلى انتهاجه سياسة مختلفة لتشغيل آليات جديدة دفعت الاقتصاد قدمًا إلى الأمام وربطته باقتصاد السوق، وفى خلال ستة أعوام 1808» - «1814 قام محمد على بسلسلة من الإجراءات انتهت إلى تغيير أوضاع حيازة الأرض الزراعية , فاستبدل النظام الموجود لتملك الأراضى إلى نظام« الاحتكار» الذى جعل من محمد على المالك الوحيد لأراضى القطر المصرى, وبذلك ألغى الملكية الفردية للأراضى، وجعله أيضًا التاجر الوحيد لمنتجاتها، والصانع الوحيد لمصنوعاته, واستحدث أساليب جديدة فى الزراعة من شأنها زيادة الإنتاج، حيث استقدم مدربين خاصة من بلاد اليونان، وأنشأ مدرسة للزراعة وعمل على استغلال مياه نهر النيل الاستغلال الأمثل عن طريق شق القنوات والترع وإقامة القناطر للاستفادة بالمياه طوال العام، فقد أمر بحفر ثلاث وثلاثين ترعة خاصة ترعة المحمودية التى أمدت الإسكندرية بمياه النيل ومشروعات كبرى لتنظيم الرى والمياه, كالقناطر الخيرية وأقام خمسة عشر جسرًا وثلاثة وعشرين سدًا فوق النيل للتحكم فى الماء وقت الفيضان, وأيضًا نوع محمد على المحاصيل الزراعية وأدخل نباتات جديدة لم تعرفها التربة المصرية من قبل سواء لأهميتها للسوق العالمية أو لأهميتها للإنتاج المحلى بدلا عن الاستيراد، ومن ذلك نبات الفوه الأحمر الذى يستخدم فى الصباغة ونبات النيلة الهندية الزرقاء والكندر «نوع من التيل» والقرطم الذى يستخرج منه العصفر والسلجم والسمسم والحناء وقصب السكر والزئبقى والبن وأشجار التوت لتربية دودة القز لصناعة الحرير. 

وكذلك اعتنى محمد على بتربية النحل, فعمل على نشرها فى القرى وزيادة الخلايا كل سنة, كما جلب بعض الخبراء من الأجانب لتعليم المصريين الطريقة المثلى فى تربية النحل وصناعة الخلايا, وأرسل البعثات إلى فرنسا لتعلم صناعة شمع العسل.... إلخ.

ومن جانب آخر فقد كثف زراعة القطن وفى عام 1821، أدخل زراعة صنف جديد من القطن يصلح لصناعة الملابس حتى بدأ تصديره من عام 1827 والذى حقق للدولة صاحبة الاحتكار فى مجال التجارة الخارجية دخولًا هائلة, وقد ألزم محمد على الفلاح بزراعة ما يقرره من الحاصلات النقدية على وجه الخصوص وتحقيقًا لتنظيم الزراعة والاطمئنان إلى ما تدره كانت الحكومة تزود الفلاح الحائز بلوازم الزراعة من بذور وأدوات تخصم قيمتها من حجم المحصول عند تسليمه وتوريد الباقى لشونة الحكومة بالسعر الذى تحدده الحكومة لتطرحه فى السوق المحلية والخارجية بسعر منافس لتحقيق فائض لخزينة الدولة.

اهتم محمد على أيضًا بالثروة الحيوانية والدواجن, فجلب الماشية من الخارج وشجع التجار على استيرادها ومنع ذبح الإناث بلا عذر مقبول وأدخل أغنام المرينوس فى مصر، وللرعاية الطبية لهذه الحيوانات أرسل البعثات إلى فرنسا فى الطب البيطرى وأنشأ مدرسة الطب البيطرى لتخريج الأطباء البيطريين لعلاج ووقاية الماشية من الأمراض والعمل على زيادة الثروة الحيوانية بمصر, واهتم أيضًا بالإكثار من معامل الدواجن.

لقد وفرت سياسة محمد على الزراعية رأس المال اللازم لتحويل الاقتصاد الزراعى المصرى من اقتصاد غذائى إلى اقتصاد يقوم على محصول نقدى وذلك دون التضحية بإنتاج الحبوب التى كان يقوم عليها الاقتصاد الزراعى المصرى منذ البداية.

لقد كانت أبرز ملامح التغير فى الاقتصاد المصرى على يد محمد على هى تحول الاقتصاد المصرى من اقتصاد اكتفاء إلى اقتصاد تبادل يتجه إلى السوق العالمية بعد أن كان يستهدف السوق المحلية أساسًا، وكذلك بدأ عصر الزراعة الكثيفة بدلًا من الزراعة الواسعة نتيجة لإدخال الرى الدائم وارتفاع الرقعة الزراعية من مليونى فدان سنة 1805 إلى 3.856.000 فدان سنة 1840 حيث كانت معظم هذه المساحات تخضع لنظام الرى الدائم كما تركز أغلبها حول الدلتا.

وهكذا أحدث محمد على ثورة فى النظام الزراعى فى مصر والذى ظهرت أثاره واضحة فى بناء اقتصاد قوى كان له الأثر الكبير فى بناء مصر الحديثة.