الثلاثاء 18 مايو 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا

قرأنا لك

«تهافت الفلاسفة».. منطق «الغزالى» حول الغيبيات وطبيعة الخالق

جميع محاسن الدين ومكارم الأخلاق ثمرة الحب، وما لا يثمره الحب فهو اتباع الهوى وهو من رذائل الأخلاق.. ليس بالضرورة أن تكون الكلمات معقدة موزونة مقفاة لتقنع العقول بسلامة المنطق والحجة.. غاية ما يجب أن تكون عليه هو الوضوح بعيدًا عن الجدل العقيم نجح الإمام الغزالى بالحجة والمنطق أن يدحض ادعاءات الفلاسفة بالتوصل إلى الحقيقة فى المسائل الغيبية بعقولهم إذ أعلن الإمام أبو حامد الغزالى فى كتابه تهافت الفلاسفة فشل الفلسفة فى إيجاد جواب لطبيعة الخالق وصرح إن الفلسفة يجب أن تبقى مواضيع اهتماماتها فى المسائل القابلة للقياس والملاحظة مثل الطب والرياضيات والفلك واعتبر الغزالى محاولة الفلاسفة فى إدراك شيء غير قابل للإدراك بحواس الإنسان منافيا لمفهوم الفلسفة من الأساس.



عرض محتويات كتاب كتهافت الفلاسفة هو مشكلة حقيقية بما يحويه من تفاصيل وردود وحجج معظم قرائه من غير المهتمين بعلم الفلسفة قد يجدون صعوبة فى الإلمام بكامل المضمون لأنه ردود على معتقدات معقدة بعض الشيء لأنه نقد واضح لفلسفة أرسطو التى طورت فى وقت لاحق فى أوروبا فى القرن الرابع عشر، وعكف ابن رشد على الرد عليه فى كتاب مستقل باسم تهافت التهافت لذا فهو يعد علامة بارزة فى تاريخ الفلسفة يعتبر نقطة تحول فى التاريخ الإسلامي.

كتاب الإمام الغزالى تهافت الفلاسفة يتضمن نقدا لمحاولات الفلاسفة للوصول إلى إجابات حول طبيعة الخالق، حتى أن الفلاسفة المسلمين مثل ابن سينا والفارابى مدانين فيه، لأنهم يتبعون الفلسفة اليونانية حتى عندما تتعارض من الإسلام.

ويدور الكتاب حول فكرة الاعتقاد بأن جميع الأحداث والتفاعلات السببية ليست نتاج ارتباطات مادية بل هى إرادة الله الفورية والحاضرة، ويُفضل الإيمان على الفلسفة فى الأمور الروحية والمتعلقة بالميتافيزيقا أو معرفة الإله (الخالق).

يعتبر كتاب مقاصد الفلاسفة للغزالى ما هو إلا مقدمة لكتاب تهافت الفلاسفة كما أوضح الغزالي، الذى ذكر أيضا أنه يجب على المرء أن يكون على دراية بأفكار الفلاسفة قبل الشروع فى دحض أفكارهم.

وفيه خلص الغزالى إلى فكرة أنه من المستحيل تطبيق قوانين الجزء المرئى من الإنسان لفهم طبيعة الجزء المعنوى وعليه فإن الوسيلة المثلى لفهم الجانب الروحى يجب أن يتم بوسائل غير فيزيائية.

كان الغزالى أول الفلاسفة المسلمين الذين أقاموا صلحا بين المنطق والعلوم الإسلامية حين بين أن أساسيات المنطق اليونانى يمكن أن تكون محايدة ومفصولة عن التصورات الميتافيزيقية اليونانية. توسع الغزالى فى شرح المنطق واستخدمه فى علم أصول الفقه، لكنه بالمقابل شن هجوما عنيفا على الرؤى الفلسفية للفلاسفة المسلمين المشائين الذين تبنوا الفلسفة اليونانية فى كتاب تهافت الفلاسفة، رد عليه لاحقا ابن رشد فى كتاب تهافت التهافت. اعتبر الغزالى محاولة الفلاسفة فى إدراك شيء غير قابل للإدراك بحواس الإنسان منافيا لمفهوم الفلسفة من الأساس.

ويقول الغزالى فى مقدمة الكتاب: ابتدأت لتحرير هذا الكتاب، ردًا على الفلاسفة القدماء، مبينًا تهافت عقيدتهم، وتناقض كلمتهم، فيما يتعلق بالإلهيات، وكاشفًا عن غوائل مذهبهم، وعوراته التى هى على التحقيق مضاحك العقلاء، وعبرة عند الأذكياء. أعني: ما اختصوا به عن الجماهير والدهماء، من فنون العقائد والآراء.

و«تهافت الفلاسفة» هو كما نعرف كتاب يدحض فيه الغزالى “تهافت” الفلاسفة المسلمين، مؤكدًا “تناقض كلمتهم فى ما يتعلق بالإلهيات»، وقد حفزه على ذلك ما رآه من “انصراف طائفة من النظار عن وظائف الاسلام وإعراضهم عن الدين جملة مقلدين فى ذلك شرذمة يسيرة من ذوى العقول المنكوسة والآراء المعكوسة ممن هالهم سماع اسماء ضخمة كسقراط وأبقراط وأفلاطون وأرسطو، فتصنعوا الكفر لكى يتميزوا عن سواد الناس الغالب، ظنًا منهم ان الكفر من أمارات الفطنة والعلم. وهم لو تدبروا الأمر قليلًا وفحصوا آراء الفلاسفة الذين تكلفوا التشبه بهم، لاتضح لهم مقدار جهلهم وشططهم وتبين لهم اتفاق كل مرموق من الأوائل والأواخر على التسليم بأصول الدين الكبرى وهى الإيمان بالله واليوم الآخر». وفى هذا السياق يقول الباحثون ان الغزالى كان يرى، بعد كل شيء، ان زعماء الفلاسفة كانوا متفقين مع الشرع على أمهات المسائل لكنهم مختلفون فى الفروع «فهم براء مما ينسبه اليهم هؤلاء الجهلاء». أما «زعماء الفلاسفة»الذين يذكرهم الغزالى هنا فعلى رأسهم افلاطون وأرسطو، وأما “الجهلاء” فعلى رأسهم الفارابى وابن سينا.

لم يشكك أحد من دارسى فكر الغزالى وحياته، فى حقيقة ان أبا حامد انما ألّف “مقاصد الفلاسفة” قبل تأليفه “التهافت” مباشرة، ذلك انه يقول ذلك بكل وضوح فى مقدمته. ومن هنا فثمة إجماع على انه كتبه حوالى العام 488هـ. (1095 م) وهو شاع كثيرًا، وخصوصًا كما قلنا ككتاب يعرض بكثير من الحيادية، تفاصيل الفلسفة اليونانية. ويرى الباحث الاسبانى الأب مانويل ألونسو ان “مقاصد الفلاسفة” كان له أثر كبير فى فلاسفة العصور الوسطى الأوروبية ومفكريها، ويقدم ثبتًا بالمؤلفين الذين أشاروا اليه، وعدد المرات التى ورد فيها ذكره - وهذا الثبت يورده د. عبدالرحمن بدوى فى كتابه «مؤلفات الغزالي»، وفيه أسماء نحو 45 مؤلفًا وباحثًا أوروبيًا من العصور الوسطى، تحدثوا عن الكتاب، وعدد المرات التى تحدث عنه فيها كل منهم «147 مرة لألبرتوس مانيوس، مثلًا، و31 مرة للقديس توما الاكويني، و24 مرة لجان لوى دور دى باري، و12 مرة لبيدرو دى ابانو...»

وكتاب تهافت الفلاسفة يضم 20 فصلا، حيث يحاول الغزالى دحض مذاهب ابن سينا، ويذكر أن ابن سينا وأتباعه قد أخطأوا فى 17 نقطة (أفرد فصل كامل لكل واحدة منها أى تناولهم فى 17 فصل) من خلال الوقوع فى البدعة، ولكن فى ثلاثة فصول أخرى يتهمهم بأنهم غير متدينين تماما.

من بين التهم التى وجهها ضد الفلاسفة هى عدم قدرتهم على إثبات وجود الله وعدم قدرتهم على إثبات استحالة وجود إلهين، ونعرض بعض النقاط الأساسية التى دارت حولها فصول الكتاب فيما يلي:

دحض عقيدة ما قبل الأبدية فى العالم كذلك دحض عقيدة ما بعد الخلود فى العالم.

إظهار الالتباس فى تصريحين: الله هو خالق العالم، العالم هو خلق الله.

عدم قدرة الفلاسفة على إثبات وجود الخالق.

عجزهم عن إثبات استحالة وجود إلهين.

عقيدة الفيلسوف المتمثلة فى إنكار وجود سمات لله.

مناقشة مذهبهم المادى يستلزم إنكار الخالق.

تكذيب لمذهبهم الذى ينص على: «أن السماء هى حيوان يتحرك بمحض إرادته».

وتكذيب ما يقولون عن سبب تحرك السماء.

تكذيب عقيدتهم التى تقول أن السماء هى أرواح تعرف التفاصيل.

تكذيب مذهبهم بأن تعطيل السببية أمر مستحيل.

دحض وتكذيب تأكيدهم لاستحالة إبادة الروح الإنسانية.

تكذيب ودحض إنكارهم لإحياء جسد الموتى، والملذات المرافقة للجنة أو آلام الجحيم.