الأربعاء 22 مايو 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
«أم الدنيا».. أرض الأعياد

المصرى القديم احتفل بـ 169 عيدا فى العام

«أم الدنيا».. أرض الأعياد

تحظى الحضارة المصرية بسجل كبير من المناسبات الاجتماعية والدينية التى حددها المصرى القديم فى جبانة طيبة (الأقصر الحالية) بنحو 169 عيدًا على مدار العام، انعكست على سلوكياتنا وحياتنا حتى الآن.



وتحتفل مصر هذه الأيام بـ3 أعياد تمثل أبعادًا دينية وسياسية وشعبية، أما أول الأعياد فهو القيامة المجيدة للسيد المسيح، ونقول لأهلنا المسيحيين (إخريستوس أنيستي)، أما ثانى الأعياد حسب الترتيب فهو عيد العمال، ويتحدث العالم عن قيام مؤتمر الاتحاد الأمريكى للعمال عام 1885 بتبنى فكرة تحديد العمل بـ8 ساعات يوميًا اعتبارًا من الأول من مايو لعام 1886، وتجاهل أصحاب فكرة العيد، إن الحضارة المصرية قدمت النموذج الأول لقانون العمل وحماية حق العامل.

الملك خوفو فى الأسرة الرابعة طلب من بعض عمال الزراعة الاشتراك فى بناء هرمه فى موسم الفيضان، وهو الوقت الذى كانت تغرق بيوت العديد من الفلاحين فكانوا يقيمون بجانب هرم الملك يعملون ويتناولون الطعام ويتم إيواؤهم، فإذا انحسر الفيضان يعودون إلى عملهم المعتاد، وبهذا قدم لنا خوفو نموذجًا رائعًا لعلاج مشكلة البطالة.

ثم كانت مدينة العمال فى اللاهون بالفيوم، والتى حصل العمال فيها على كل الحقوق، وعاشوا حياة رغدة ليس فيها من سمات العبودية كما يدعى البعض بهتانًا على حضارتنا.

خرج من بين عمال دير المدينة من كتب أجزاء من أسطورة أوزوريس وست الخالدة، وبعضها قدم شروحًا لبعض أمراض النساء، والعلاج البيطرى وقدمت لنا مدينة العمال كذلك إحدى أقدم الوثائق القانونية المعروفة حتى الآن.

ثم كانت المكانة الأعظم للعمال فى دير المدينة (غرب النيل فى الأقصر)، إذ تم تجميع نحو 70 عاملًا من التخصصات كافة، للمشاركة فى بناء مقابر الملوك فى منطقة وادى الملوك، وكانوا من المهارة بما يكفى أن نزور أى مقبرة ملكية فى وادى الملوك لنعلم مهارة وحرفية النحات بأزميله، والرسام بريشته ولوحته والدقة فى رسم وتصويب المناظر.

 يحكى العمال فى كتاباتهم عن الكثير من رفاهية الحياة، والحصول على حقوقهم وإجازاتهم بشكل كامل فكان من أسباب الغياب المصرح بها البقاء بجوار الزوجة المريضة، المشاركة فى احتفالات المعبد، زواج الأبناء، وفاة أحد الأقارب. 

وبلغ متوسط أيام الإجازات القانونية للعمال نحو 42 يومًا على مدار العام، وكان العمال يجتمعون فى نهاية أسبوع العمل (الأسبوع عند المصرى 10 أيام، يعمل العمال بشكل منتظم من الصبح حتى المساء لنحو 8 ساعات لمدة 8 أيام، ويحصلون على يومين إجازة) وفى عهد الملك رمسيس الثالث من ملوك الأسرة العشرين، وأحد أعظم الملوك المحاربين قام الملك باستقدام عدد غير قليل من الأجانب للعمل والحياة فى مصر.

مع مرور الوقت بدأ هؤلاء الأجانب يحصلون على حقوقهم على حساب تأخر مستحقات المصريين، فكيف كان رد الفعل؟ تواصل العمال المصريون مع رؤسائهم دون جدوى، فقاموا وللمرة الأولى فى التاريخ بالإضراب عن العمل وكان هذا فى العام التاسع والعشرين من حكم رمسيس الثالث (حوالى 1153 قبل الميلاد) من نحو 3200 عام قبل التفكير فى جعل ساعات العمل مقننة وفقًا للمؤتمر الأمريكي، وجاء الملك وأرضى العمال، وقرر منحهم جزءًا من حقوقهم المتأخرة فكان هذا بمثابة النموذج الذى ينبغى أن يتعلم العالم منه أدب حصول العامل على حقه.

ثالث الأعياد هو شم النسيم، وهو عيد شعبى مصرى ربما ظهر فى مرحلة تالية لعصر الأسرات (3000 ق.م-332 ق.م)، ذلك لأن الأعياد التى كان عددها يصل لنحو 169 عيدًا لم تذكر عيد شم النسيم، ولا يوجد أدنى ربط مصرى قديم بين اسم شم أى استنشاق وبين الفعل المصرى القديم شمو ( كان المصرى يقسم السنة إلى ثلاثة فصول: الفيضان وسموه أخت، البذر وسموه برت، والحصاد وسموه شمو) ونلاحظ جميعًا ارتباط شم النسيم بعيد القيامة المجيد، ووفقًا لحسابات الأقباط الذى تحدد به الكنيسة المصرية موعد عيد القيامة، يكون شم النسيم فى اليوم التالى، ويبدو أن العيد كان مرتبطًا بالوضع فى مصر خلال القرنين السادس والسابع الميلاديين، وكان الاحتفال يتم فى اليوم التالى لعيد الفصح عند اليهود أى مع بداية أسبوع الآلام، ومع دخول العرب يبدو أن الاحتفال انتقل لليوم التالى لعيد القيامة ليكون احتفالًا للجميع.

أما الأطعمة التى تقدم فيه، فهى أطعمة متوارثة من مصر القديمة شأنها شأن غيرها من الأطعمة، وعلى سبيل المثال الفسيخ الذى كان طعامًا محببًا للمصريين حتى أن الإمبراطور الرومانى فسبسيان (69-79 ميلادية) قرر فرض ضريبة على المصريين سماها ضريبة السمك المملح لملاحظته ولع المصريين بهذا الأمر، فسخر المصريون منه وقالوا إن الألهة غضبت عليهم، وحكمهم إمبراطور كان فى الأصل بائع سمك مملح (فسخانى فى لغتنا الدارجة). 

أما الخس فيمثل رمزًا للخصوبة وكان عيد المعبود “مين” رب الخصوبة والنماء ينتهى دائًما بتقديم نبات الخس للإله، ويعنى هذا بداية الخصوبة من جديد، وفيما يخص البصل فهو رمز من رموز عودة الحياة ولا يزال هذا الاستخدام شائعًا حتى الآن لمن يصاب بإغماء، ولذا ففى عيد المعبود “سوكر” رب الجبانة كان المعبود يخرج من العالم الآخر لبداية الحياة، ويطوق عنقه إكليل من البصل رمزًا لبداية الحياة.

أما عن البيض فهو رمز لتجدد الحياة فمنه يخرج الوليد الجديد، ولذا كانت الملكة حتشبسوت تتفاخر فى نصوصها: إنها البيضة الطاهرة التى خرجت من رحم الأرباب، كما أن بعض نظريات الغلق فى مصر القديمة أكدت أن المعبود الخلق قد جاء من الأزل من بيضة كونية.

هكذا قدمت مصر للعالم نموذجًا للعلوم والفنون وحقوق المواطنة والأعياد قبل أن يدرك الكثيرون ماذا تعنى هذه المفردات، ليس هذا تعصبًا لحضارتنا ولكنها حقيقة وثقتها النصوص والمناظر المختلفة.