السبت 15 يونيو 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
الحكومة تعفى «روزاليوسف» من دفع مائة وخمسين جنيهًا

الحكومة تعفى «روزاليوسف» من دفع مائة وخمسين جنيهًا

لم تهنأ أو تسعد السيدة روزاليوسف بالتعديل الذى أجراه إسماعيل صدقى باشا رئيس الوزراء على قانون المطبوعات، الذى أباح لمن يملك جريدة سبق أن تم إلغاؤها أن يعيد إصدارها بشرط أن يدفع تأمينًا قدره مائة وخمسون جنيها نقدا أو يقدم ضمانا من أحد البنوك!



وتمضى السيدة روزاليوسف قائلة: هذا الشرط ظاهره رحمة وباطنه قسوة، حرية ولا حرية، قيد ولكن من المخمل الحرير الناعم يشهد لصدقى باشا ضمن ما يشهد بالبراعة فى غل المعارضة وخنقها، وأنه إذا اعتدل منه المزاج، فإنه يعدل عن قتل خصومه رميا بالرصاص حتى لا يعكر مزاجه برؤية الدماء، إنه يفكر إذ ذاك فى إماتتهم بالخنق أو بالذباب السام وهذا نوع من الرفق لا يقدره غير صاحبه!!

الصحف الملغاة كلها للمعارضة، وأين لهذه الصحف أن تدفع هذا الضمان بعد أن لاقى أصحابها أنواع الاضطهادات قبل أن تغلق صحفهم، وبعد أن كابدوا ألوان التشريد وضيق ذات اليد بعد صدور الأمر بالإغلاق، هذا والصحافة فى مصر تعيش من كد يومها وليس أصحابها من ذوى اليسار.

من أين أدفع المائة وخمسين جنيها هذه المشار إليها بالبنان!!

كنت فى ذلك الوقت أنفق كل ما يصل يدى من المال فى تدعيم المجلة، ولم يكن ممكنا أن يعطينى أى بنك ضمانا وليس لى حساب فى أى واحد منها!!

عقدت بعد ذلك مجلسا أعلى من تاجر الورق وتاجر الحروف وبعض متعهدى المجلة، وبعد أن قام بعضهم بفحص سيارتى التى هى مظهر «أبهتى» قبلوا أن يقرضونى المبلغ لأننى «ست بنت حلال»، وقبلت أننى بنت حلال ولكننى رفضت أن أكون «ست» أى امرأة ضعيفة مهيضة الجناح جديرة بالإشفاق، وكان أن صرفتهم مع الشكر والرفض التام.

وزارنى فى المساء صديقى القديم الدكتور «فؤاد رشيد بك» الذى هو شقيق الأستاذين «إبراهيم وحمود رشيد» السكرتيرين الخصوصين لصدقى باشا، وكنت أعرف الدكتور «فؤاد رشيد» لاهتمامه القديم بفن التمثيل، فعرفنى بشقيقه الأستاذ إبراهيم رشيد، وكان شابا شديد الذكاء، ولم يكن مدير مكتب إسماعيل صدقى «فحسب» بل كان قطعة ناطقة منه ويملك أن يتصرف ويتكلم باسمه!!

وبعد أن وقف «فؤاد رشيد» على حقيقة أمرى أعطانى حفنة من «الفستق» الذى يعشش دائما فى جيبه! وطيب خاطرى ووعدنى بأنه سيتدخل فى الأمر!

وفى صباح اليوم التالى، إذ بى أرى الأستاذ «إبراهيم رشيد» يدخل علينا فى مكتبى وعلى فمه ابتسامة مؤنسة ليخبرنى بأن صاحب الدولة «صدقى» باشا على الرغم مما بينى وبينه من الحب المفقود والأمل الخائب فإنه يقدر جهادى ويعجب بعنادى ولهذا فهو يعفينى من دفع المائة والخمسين جنيها، ويعيد إلىّ رخصة مجلتى «روزاليوسف» مكتفيا بضمان كائنا من كان من أصحاب الأملاك، ولكن بشرط صغير يعرضه الباشا ولا يقضى به!!

وتعترف السيدة روزاليوسف: لم نسمع الشرط وفى لمحة مخاطر كان الشاب الأنيق فريسة بين يدى وأيدى زملائى فى التحرير، هذا يقبله وذاك يحتضنه ثم يقذف به إلى الآخر وانجلت هذه المعركة التى هى من نوع «أحبك لله فى لله» عما لا أود أن أذكره من بهدلة ثياب الأستاذ الأنيق إبراهيم رشيد.

وقد عجبت لتصرف إسماعيل صدقى.. هذا وكنت أسأل نفسى كيف يتبرع لى بهذا التسهيل، وأنا أشن عليه حملات بالغة العنف والقسوة! ثم مرت سنوات وقد علمت بعد ذلك أن صدقى كان يحترم «روزاليوسف» احتراما شديدا، إذ كانت المجلة الوحيد التى تقتصر فى هجومها على تناول المسائل السياسية العامة فقط دون أن تتعرض للشخصيات كما كانت تفعل سائر الصحف!

وما هو شرط الباشا صاحب الدولة «صدقى» باشا هذا، هو بالضبط ما لم تسمعه روزاليوسف فى لحظتها لكنها سرعان ما استبدت بها الدهشة وهى تسمع الشرط من «إبراهيم رشيد» سكرتير رئيس الوزراء!

وللذكريات بقية!