مصحات علاج الإدمان غير المرخصة.. بيوت للتعافى أم مقابر للأحياء؟!
محمود جودة
فى ظل الحاجة إلى خدمات الصحة النفسية وعلاج الإدمان فى مصر، يبرز ملف شائك يتمثل فى انتشار مصحات غير مرخصة، تعمل بعيدًا عن الرقابة الرسمية، مستغلة معاناة الأسر، ورغبتها الصادقة فى إنقاذ أبنائها من دائرة الإدمان، وتنتشر هذه المنشآت فى بعض المناطق الشعبية والريفية، حتى أنها تحولت لسوق موازٍ يفتقر للمعايير الطبية والإنسانية.
ويلجأ كثير من الأسر للاستدانة أو بيع ممتلكاتها، أملًا فى علاج ابن أو أخ أو قريب يعانى من الإدمان، لتفاجأ بوقوعه فى مصحة تفتقر لأبسط قواعد الرعاية الصحية، وتعتمد على أساليب غير علمية، وتحتجز المرضى قسريا، مما يضاعف الأزمة بدلا من حلها. مؤخرا، انتشر فيديو على مواقع التواصل الاجتماعى، لعشرات المدمنين، فى هروب جماعى من مصحة غير مرخصة، فى منطقة المريوطية بالجيزة، وتتضمن اتهامات حول سوء المعاملة بداخلها، وشكلت الصحة حملة، بالتنسيق مع الجهات الأمنية، وتم إغلاقها نهائيا، لأن المنشأة غير مرخصة، وتمارس نشاطًا غير قانونى، وانتحالًا لصفة منشأة طبية.
جريدة «روزاليوسف»، ترصد أسباب اللجوء إلى مثل هذه المصحات، وطبيعة العمل بها سواء كانت مرخصة أو غير مرخصة، وضوابط ترخيصها وشكل الرقابة عليها من وزارة الصحة، وأسعار الخدمات بها، وغيرها من المعلومات التى سردها متخصصون ومسئولون عن الطب النفسى وعلاج الإدمان.
من جانبه، قال د. هشام ماجد، استشارى الطب النفسى، نائب مدير مستشفى العباسية للصحة النفسية سابقا، إن علاج الإدمان، وفقا للمعايير الطبية العالمية والمصرية، يمر بـ4 مراحل أساسية ومتكاملة، لضمان تعافٍ حقيقى ومستدام، المرحلة الأولى: التقييم والكشف، وتبدأ بتوقيع الكشف الطبى والنفسى على المريض، بواسطة طبيب نفسى متخصص، يتم خلالها تقييم الحالة العامة، وتحديد شدة الإدمان، ونوع المواد المخدرة، ووضع الخطة العلاجية، ويدخل المريض إلى مركز طبى أو مستشفى نفسى، حكومى أو خاص، أما المرحلة الثانية فتتمثل فى مرحلة سحب السموم، حيث يحصل المريض على أدوية تساعده على تجاوز أعراض الانسحاب، يتراوح متوسطها عادة بين أسبوعين و3 أسابيع، والمرحلة الثالثة، التأهيل، وتهدف لتأهيل المريض لمواجهة الحياة دون اللجوء إلى المخدرات، والعمل على تعديل الأفكار والسلوكيات المرتبطة بالإدمان، وتستمر من 3 إلى 6 أشهر، أما المرحلة الرابعة المتابعة، فهى من أخطر وأهم المراحل، حيث يحتاج المتعافى إلى متابعة لا تقل عن سنة إلى سنتين، تشمل حضور اجتماعات دعم، وإجراء تحاليل مخدرات مفاجئة، إلى جانب المتابعة الدورية مع المركز الذى تلقى فيه العلاج، وتكتسب المتابعة أهمية خاصة فى فترات عالية الخطورة، مثل رأس السنة، والأعياد، والمصايف، نظرا لارتباط هذه المناسبات ذهنيا لدى بعض المتعافين بتجربة التعاطى.
وأشار استشارى الطب النفسى، إلى أن عدد الأسرة فى المركز الطبى المرخص لا يتجاوز 25 سريرا فقط، وهو ما يدفع بعض المستثمرين إلى العمل خارج الإطار القانونى بدعوى عدم تحقيق الربحية، مضيفا أن المصحات غير المرخصة غالبا ما تكون فى أماكن بعيدة ومعزولة، وتضم أعدادا ضخمة من المرضى قد تصل إلى 200 أو 250 مريضا، دون أى معايير إنسانية، حيث ينام المرضى على الأرض، ويتلقون غذاء غير صحى، فى ظل غياب كامل للأطباء النفسيين.
وأوضح أن التعامل مع المرضى يتم غالبا بواسطة متعافين غير مؤهلين طبيا، يقومون بإعطاء أدوية وحقن دون إشراف متخصص، مع استخدام العنف الجسدى فى حالات الهياج، وهو ما أدى إلى تسجيل حالات وفاة عديدة داخل هذه الأماكن، مضيفا أن بعض الأسر يلجأ إلى هذه الأماكن بسبب انخفاض التكلفة، أو الخوف من الوصمة الاجتماعية، أو الاعتقاد الخاطئ بأن عدم طلب بطاقات الهوية يضمن سرية أكبر، مؤكدًا أن هذا اعتقاد بالغ الخطورة.
ولفت د. تامر العمروسى، المدير الأسبق لإدارة الإدمان بالأمانة العامة للصحة النفسية، إلى أن الواقعة الأخيرة تعيد فتح ملف شديد الخطورة، يتعلق بضوابط ترخيص المنشآت الصحية، وخاصة المصحات النفسية، وغير المرخصة لعلاج الإدمان، فى ظل مشكلة أعمق تتمثل فى ندرة الأماكن العلاجية الحكومية والخاصة، مشيرا إلى أن إجمالى عدد الأسرة المتاحة لعلاج الإدمان فى مصر، سواء الحكومية أو الخاصة، لا يتجاوز 10 آلاف سرير، ولا تزيد الحكومية منها على %20، مقابل نحو %80 من الأسرة فى مراكز ومستشفيات القطاع الخاص، وهى نسب لا تتناسب مع حجم المشكلة.
وأضاف أن إجراءات ترخيص منشآت علاج الإدمان بالغة التعقيد، رغم اتفاقه على أهمية الاشتراطات التى تضمن سلامة وأمان المرضى، مثل عدم وجود زجاج أو أدوات حادة فى أماكن إقامة المرضى، وتأمين النوافذ والأبواب، إلا أن بعض الاشتراطات الأخرى تمثل عبئا ماليا ضخما، مثل اشتراط إنشاء شبكة حريق كاملة شبيهة بالفنادق، بدلا من الاكتفاء بطفايات الحريق كما كان معمولا به سابقا.
وأوضح أن من بين الاشتراطات أيضًا أن يكون المكان مرخصا كمنشأة إدارية، وهو ما يستلزم موافقات من الحى ورسوما مرتفعة، واشتراط وجود مبنى مستقل، ويصدر الترخيص من 3 جهات، هى نقابة الأطباء، والمجلس القومى للصحة النفسية، وإدارة العلاج الحر بوزارة الصحة، وتستغرق ما بين 6 أشهر وعام كامل.
وأضاف أن هناك اشتراطات تتعلق بالكوادر الطبية، وهى اشتراطات منطقية، مثل وجود طبيب نفسى مسئول، واستشارى، وإخصائيين، ونواب، وتمريض، وإخصائيين نفسيين واجتماعيين، بنسبة تتناسب مع عدد الأسرة، إلا أن ارتفاع التكلفة يدفع البعض إلى العزوف عن الترخيص بالكامل.
وأشار إلى أن تكلفة العلاج فى الأماكن المرخصة تتراوح بين 30 و40 ألف جنيه شهريا، بينما تقدم المصحات غير المرخصة أسعارا تتراوح بين 3 و15 ألف جنيه، وهو ما يغرى بعض الأسر، رغم أن ما يحدث داخل هذه الأماكن لا يعد علاجا، بل حبس قسرى دون خطة دوائية أو نفسية، مع استخدام العنف فى بعض الحالات.
د. أحمد النحاس رئيس الإدارة المركزية للأمانة الفنية للمجلس القومى للصحة النفسية، أكد أن عدد المنشآت المرخصة لعلاج الصحة النفسية وعلاج الإدمان فى مصر يبلغ 281 منشأة حكومية وخاصة، وتمتلك الدولة سعة سريرية مناسبة داخل هذه المنشآت، مع وجود عدد من الأسرة الشاغرة سواء فى القطاع الحكومى أو الخاص.
وأضاف أن إجراءات الترخيص، تبدأ بتقديم طلب المعاينة وسداد الرسوم المقررة، على أن تتم المعاينة خلال مدة لا تتجاوز أسبوعين، ويتم على أساسها إما منح المنشأة موافقة مبدئية لاستكمال إجراءاتها لدى إدارة العلاج الحر، أو رفض المعاينة حال عدم استيفاء الاشتراطات الفنية، مع منح المنشأة فى هذه الحالة مهلة 6 أشهر لتصحيح الأوضاع وإعادة التقدم بطلب المعاينة.
وأشار النحاس إلى أن المجلس القومى للصحة النفسية، بالتعاون مع المجالس الإقليمية التابعة له، يباشر دورا رقابيا فنيا وإداريا على المنشآت المرخصة، من خلال التفتيش الدورى للتأكد من الالتزام بالقوانين واللوائح المنظمة، بجانب فحص الشكاوى المقدمة من المرضى أو المواطنين، وتقصى الحقائق بشأنها، فضلا عن متابعة عمل لجان رعاية حقوق المرضى داخل المنشآت.
وفيما يتعلق بالمنشآت غير المرخصة، أوضح النحاس أن المجلس يرصد أى أماكن تقدم خدمات الطب النفسى أو علاج الإدمان دون أن تكون مقيدة بسجلاته، ويتم جمع المعلومات من خلال متابعة الإعلانات، والمحتوى المنشور على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعى، واستقبال استفسارات وشكاوى الأهالى والمرضى عبر الهاتف أو بوابة الشكاوى الحكومية، بالإضافة لحصر الأماكن التى تبدأ إجراءات الترخيص ولا تستكملها خلال المدة القانونية.
وأكد أن المجلس يشارك فى حملات المداهمة على المنشآت غير المرخصة، وذلك بالتنسيق مع الجهات المختصة، وعلى رأسها الإدارة العامة لمكافحة المخدرات، مشيرا إلى أن هذه الحملات تستهدف حماية المرضى ووقف الانتهاكات.
وحذر من المخاطر الجسيمة للعلاج داخل المراكز غير المرخصة، مؤكدا أن هذه الأماكن تعتمد فى الغالب على مدمنين متعافين دون وجود فريق طبى متخصص، ولا تقدم أى خطط علاجية حقيقية، مع غياب كامل للإشراف الطبى والمعاملة الآدمية، مشيرًا إلى أن بعض هذه الأماكن تضم أعدادا كبيرة من المرضى داخل شقق، أو بدرومات مغلقة، لا تمت للعلاج النفسى بصلة. وأضاف أن الخطورة تتضاعف فى حالات الفتيات، نظرا لغياب الرقابة داخل هذه الأماكن، ما يعرضهن لانتهاكات جسدية وأخلاقية جسيمة، فضلًا عن تحول بعض هذه المراكز أحيانًا إلى أماكن لتداول وتعاطى المخدرات بدلًا من علاجها.
بينما أكد الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمى باسم وزارة الصحة والسكان، أن الدولة تتعامل مع ملف علاج الإدمان باعتباره أحد ملفات الأمن الصحى والاجتماعي، وتعمل على إدارته بشكل استباقى يضمن حماية المرضى، وتقديم خدمات علاجية آمنة وإنسانية وفق أعلى المعايير الطبية والقانونية، موضحا أن لجوء بعض مرضى الإدمان أو أسرهم إلى مراكز علاج غير مرخصة، يرجع فى الغالب لمخاوف غير مبررة، على رأسها الخوف من الوصمة المجتمعية أو القلق بشأن سرية البيانات، مؤكدا أن المنظومة الرسمية لعلاج الإدمان فى مصر، تضمن السرية الكاملة وحقوق المرضى، وفقا لقانون الصحة النفسية.
وكشف «عبدالغفار»، أن الحملات الرقابية المكثفة التى نفذتها الوزارة خلال عام 2025 أسفرت عن إغلاق 112 منشأة خلال النصف الأول من العام، و25 منشأة فى يوليو، و15 منشأة أخرى خلال شهر أكتوبر، لعدم استيفائها معايير السلامة والتراخيص.
وفى هذا السياق، أكد أن الدولة لا تكتفى بالرقابة، بل توفر بدائل علاجية آمنة، حيث تتوافر خدمات علاج الإدمان مجانا، وبسرية تامة داخل مستشفيات الأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان المنتشرة بجميع المحافظات، مع إتاحة الاستعلام والدعم عبر الخط الساخن 16023، والإبلاغ عن أى مخالفات عبر الخط الساخن للمجلس القومى للصحة النفسية على رقم 01207474740، أو من خلال الصفحات الرسمية للمجلس على مواقع التواصل الاجتماعى.






