«الفيتو» يكبّل مجلس الأمن
ابتهال مخلوف
أثارت المغامرة الأمريكية “العزم المطلق” فى فنزويلا- والعالم لم ينته بعد من احتفالات العام الجديد - تساؤلات عدة عن مدى شرعيتها، وما موقف الكونجرس الأمريكى؟ وهل تستطيع الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولى “معاقبة” واشنطن؟ وكيف ستتأثر صناعة النفط العالمية؟.
فقد استيقظ العالم على وقع الغارة الأمريكية على العاصمة الفنزويلية “كاراكاس” فى جنح الليل واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته ونقله إلى الولايات المتحدة بزعم محاكمته بتهم التآمر لتهريب المخدرات والإرهاب، وحيازة أسلحة رشاشة وأجهزة متفجرة ضد الولايات المتحدة.
القانون الدولى يرفض
ناقشت صحيفة “الجارديان” خبراء بارزين فى مجال القانون الدولى لاستطلاع آرائهم حول الأحداث الجارية فى فنزويلا وشرعية العملية العسكرية الأمريكية، حيث اتفق الخبراء على أن واشنطن انتهكت ميثاق تأسيس الأمم المتحدة عام 1945 لمنع نشوب حرب عالمية ثالثة.
وينص أحد البنود الرئيسية لهذا الاتفاق، المعروف بالمادة 2(4)، على وجوب امتناع الدول عن استخدام القوة العسكرية ضد الدول الأخرى واحترام سيادتها.
وقال د. جيفرى روبرتسون، الرئيس السابق لمحكمة جرائم الحرب التابعة للأمم المتحدة فى سيراليون: إن الهجوم على فنزويلا يُخالف المادة (42) من الميثاق.
وأضاف: “انتهكت أمريكا ميثاق الأمم المتحدة.. لقد ارتكبت جريمة العدوان، التى وصفتها محكمة نورمبرج بأنها الجريمة الأعظم، بل هى أسوأ جريمة على الإطلاق”.
ووصفت إلفيرا دومينجيز- ريدوندو، أستاذة القانون الدولى فى جامعة كينجستون، العملية بأنها “جريمة عدوان واستخدام غير مشروع للقوة ضد دولة أخرى”.
الكونجرس ضحية للعملية
وعن الصراع بين الإدارة الأمريكية والكونجرس حول الهجوم على فنزويلا وخطف رئيسها وقرينته، ذكرت د. سارة بيرنز، أستاذة العلوم السياسية بمعهد روتشستر للتكنولوجيا، أن الغارة الليلية على كاراكاس تفرض تساؤلات حول الدور الذى لعبه الكونجرس - أو كان ينبغى أن يلعبه - فى العملية.
وأشارت بيزنز- مؤلفة كتاب “سياسات صلاحيات الحرب”- إلى الصراع التاريخى بين الكونجرس ورؤساء الولايات المتحدة بشأن من يملك سلطة تفويض العمل العسكرى.
وذكرت أن مجلس النواب الأمريكى فشل مؤخرًا بفارق ضئيل فى تمرير “قانون صلاحيات الحرب”، ينص على عدم السماح للرئيس دونالد ترامب باتخاذ أى إجراء ضد فنزويلا، نتيجة للانقسام بين الديمقراطيين والجمهوريين.
وأرجعت غياب الكونجرس مع تصعيد ترامب العسكرى ضد فنزويلا إلى طغيان السياسة الخارجية على السلطة الدستورية فى أمريكا.
وقرار صلاحيات الحرب، الذى تم إقراره مرة عام 1973 فى حرب فيتنام، هو وسيلة مشروعة لمحاولة كبح جماح الرئيس الأمريكى فى شن حروب خارجية أو الاستمرار فيها دون تفويض من الكونجرس، واستثنى القرار خوض الحروب القصيرة والمحدودة من 60 إلى 90 يومًا دون تفويض مجلسى النواب والشيوخ والاقتصار على الإبلاغ فقط وهو ما استغله الرئيس باراك أوباما ذلك فى التدخل العسكرى فى ليبيا، وكذلك ترامب فى الهجوم على فنزويلا.
وأكدت صحيفة “لوموند” الفرنسية أن الكونجرس الأمريكى، الذى يفترض الحصول على تفويضه قبل أى عمل عسكرى خارجى، “ضحية جانبية” لاعتقال الرئيس الفنزويلى ، بعد تجاوز دوره الدستورى دون استشارته أو حتى إبلاغه مسبقا.
معضلة حق الفيتو
أما موقف الأمم المتحدة من العملية العسكرية الأمريكية فى كاراكاس واعتقال رئيسها وإعلان واشنطن أنها “ستدير” شئون البلاد، فقد شهدت جلسة طارئة لمجلس الأمن انقسامات حادة.
ودعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش إلى احترام “الاستقلال السياسى” للدول، بينما دافع المندوب الأمريكى عن موقف بلاده، مؤكدًا أن مادورو “إرهابى وتاجر مخدرات ومسئول عن قمع شعبه ومعاداة الولايات المتحدة”.
وأدان مندوب روسيا ما وصفه بـ”العدوان المسلح” ضد فنزويلا، داعيا الولايات المتحدة إلى الإفراج عن مادورو وزوجته، مؤكدا أنه “لا يوجد مبرر لجرائم أمريكا فى فنزويلا”.
من جهته، قال نائب المندوب الصينى لدى الأمم المتحدة: إن بكين “مصدومة بشدة” وتدين “الأعمال الأحادية وغير القانونية” لواشنطن فى فنزويلا.
ورغم أن مجلس الأمن يستطيع فرض عقوبات تجارية أو حظر السفر أو حظر توريد الأسلحة إلا أن حق النقض “الفيتو”، الذى تتمتع به خمس دول أعضاء فى المجلس هى أمريكا والصين وروسيا والمملكة المتحدة وفرنسا، يجعل قراراته عديمة الجدوى.
ووصفت دومينجيز -ريدوندو فرض عقوبات على واشنطن بالأمر المستحيل جراء حق النقض ما يُضعف مجلس الأمن وقالت: “كان مجلس الأمن آلية منع اندلاع حرب عالمية ثالثة.. لقد تم تفكيكه بالكامل، من قبل واشنطن ولندن عندما شنّتا حربًا على العراق دون تفويض”.
مبدأ “دونرو” و لائحة اتهام أمريكية
وإذا لم تواجه الولايات المتحدة أى عواقب لغزوها فنزويلا، يعتقد الخبراء أن ذلك قد يشجع دولًا أخرى على القيام بأعمال تخالف القانون الدولى، واعتبر د. روبرتسون أن هذه هى الفرصة الأمثل لغزو تايوان بالنسبة للصين.. يدعمها سابقة غزو ترامب لفنزويلا، وبالطبع استرضاؤه لروسيا فى غزوها لأوكرانيا.
وعملية “ العزم المطلق” نسخة حديثة من مبدأ “مونرو” الذى صدر فى القرن التاسع عشر والذى حذرت فيه واشنطن القوى الأوروبية من الاقتراب من خاصرة نفوذها فى أمريكا الجنوبية، ويطلق على النسخة الحديثة “مبدأ دونرو” نسبة لدونالد ترامب.
ما حدث فى فنزويلا يعد نموذجًا لتهديدات تواجهها دول لاتينية مثل، كوبا ونيكاراجوا وبنما وكولومبيا والمكسيك وبوليفيا وأيضًا جرينلاند وكندا فى الشمال.
فقد حذر الرئيس ترامب من أن كوبا أصبحت أكثر ضعفًا بعد اعتقال مادورو وأيضًا ونيكاراجوا، الخاضعتين بالفعل لعقوبات أمريكية قاسية وتعتمدان بشكل متزايد على الدعم الروسى والصينى.
أما كولومبيا، التى تقودها حاليًا حكومة يسارية فانتقدت بشدة سياسة الولايات المتحدة تجاه فنزويلا، وتجد نفسها تحت ضغطٍ متزايد.
وتتعرض بنما، التى تعد قناتها شريانًا حيويًا للتجارة العالمية ولحركة البحرية الأمريكية لضغوط شديدة من ترامب للتصدى للتغلغل الصينى فى موانئها وشبكات الاتصالات
وبشأن جرينلاند، حذرت صحيفة “التايمز” البريطانية من أن اعتقال الولايات المتحدة للرئيس الفنزويلى يثير مخاوف متزايدة فى أوروبا من أن تتحول تهديدات واشنطن بضم جرينلاند من خطاب سياسى لخطوات عملية.
ويصر الرئيس الأمريكى أن بلاده “بحاجة” إلى جرينلاند لأسباب دفاعية، فى سياق أوسع يعكس أولوية استعادة الهيمنة الأمريكية فى نصف الكرة الغربى وفق الاستراتيجية الأمنية الأمريكية المحدثة.
المقامرة والنفط
وعن ثروات فنزويلا النفطية، اعتبرت دورية “فورين آفيرز” أن عملية “العزم المطلق” تحمل رؤية ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو التى تعلى من شأن الحسم والاستعراض والمكاسب - السياسية والاقتصادية على حد سواء.
وأضافت “افورين آفيرز” أن فنزويلا تمثل للرئيس الأمريكى موردًا اقتصاديًا، وهو ما يبرر إصراره على أن تدير واشنطن البلاد وتستخرج النفط الفنزويلى وتبيعه، وتحوّل النفوذ الجيوسياسى إلى عائدات ملموسة.
ووفقًا للدورية ستعود شركات أمريكية مثل كونوكو فيليبس - الغارقة منذ فترة طويلة فى الديون إلى جانب شركة شيفرون، لمجال النفط الفنزويلى، الذى يمثل أعلى احتياطى فى العالم بنسبة 18% من النفط الخام الثقيل، بنحو 303 مليارات برميل.










