د.عزة بدر
الرواية واللوعة الدفينة
من الروايات الجديدة التى تثير أسئلة عديدة حول تأثير الذكاء الاصنطاعى على الإبداع، رواية «المشّاء العظيم» لأحمد الفخرانى والتى صدرت حديثا عن دار الشروق.
بطل الرواية روائى يبحث عن الشهرة، وهو متأثر بموهبة أستاذه فرج الكفراوى والذى توفى منسيا ومغمورًا، وأراد محمد الأعور أن يتجنب مصير أستاذه، وكتب رواية هى عبارة عن كتابين الأول بعنوان: «همس الجنون»، وهو من تأليف أستاذه فرج الكفراوى، والثانى بعنوان «المسخ»، هو تأليف جماعى من جوقة الذاكرة وكورال النسيان، ويقصد به التأليف عبر تقنية الذكاء الاصطناعى، فيضعنا أحمد الفخرانى أمام موقف التفكير العميق والبحث عن الأصالة وسط كتابات هجين، تموج بالاقتباس أحيانا، أو نسخ أعمال الآخرين حيث يختفى الصوت الخاص، والإبداع المتفرد.
يتوتر عالم محمد الأعور بين رغبته فى الحصول على الشهرة، وتواضع موهبته، ومحاولته استلاب أعمال أستاذه المخطوطة والتى لم تر النور، لكن تظهر شخصيات أخرى فى الرواية تساعد على تطورها وتكثيف الموقف الدرامى الذى يُحكم قبضته على محمد الأعور، فتظهر ابنة أستاذه التى تواجهه بسرقته لست روايات لوالدها، وأن عليه أن يعيد إليه اعتباره بتأليف رواية سابعة عنده ملفها الذى لم يكتمل، وأن ينسبها إلى أبيها ليعيد طيب ذكره إلى الحياة الأدبية التى بات فيها منسيا، ولا يعرفه أحد.
ويظهر أيضا من يعرف سر هذه السرقات، ويهدده بأنه سوف يُفشى ذلك على الإنترنت، ثم يعده بأن «سره فى بير» إذا امتثل لمطالبه، وهنا تتأزم حياة محمد الأعور، وخاصة بعد أن تتطلع زوجته أيضا إلى أن تصبح كاتبة مشهورة مثله، وتنتظر دعمه، فيفكر محمد الأعور فى مشروع جديد يستفيد فيه من إمكانيات الذكاء الاصناعى، ويؤسس شركة لمنتجات الرواية، وخدمات ما بعد البيع، ويستعين الفخرانى فى روايته بمشهد يصف طريقة الحصول على منتج روائى جيد فيتخلل الرواية مشهد من نص للكاتب الإيطالى «ايتالو كالفينو» من روايته «لو أن مسافرا فى ليلة شتاء»، ومن نص عنوانه: «ذو الرداء الأبيض» يصف فيها «كالفينو» غرفة مراقبة بها قارئة مُقيدة من معصميها فى مقعد مع «مانومترات» قياس الضغط، وسماعة صدر، فوداها تحت هامة شعر، محكمة الربط بالأسلاك الملتوية لجهاز تصوير المخ بالأشعة، والذى يحدد مدى قوة تركيزها، وذبذبات التنبه، واختبارات سيطرة يتعرض فيها المرء للقراءة بلا هوادة، ومتغيرات قصص كما خرجت من الكمبيوتر، لذا اشترط مشروع محمد الأعور وجود شخص حاد البصر، وقوى الأعصاب فإذا سجل مؤشر الانتباه فى القراءة ارتفاعًا مؤكدا مع استمرار متحقق فإن المنتج الروائى قابل للحياة، ويمكن طرحه فى السوق أما لو استرخى الانتباه وتحوَّل فإن التركيبة الروائية تُرفض أو تُطحن عناصرها، ويُعاد استخدامها فى سياقات أخرى ويصل الخيال بالسارد أن يصف كيف يمكن أن تصنع برامج الذكاء الاصطناعى كاتبا، وذلك من خلال مشهد مهم فى روايته: «أعطته كتيبا ليساعده، كتالوج ودليل إلى الرحلة التى تبدأ بوعد أن تصنع منك الروائى الذى تريده: بلزاك، ستندال، نجيب محفوظ، كافكا، ماركيز، فرجينيا وولف، دوستويفسكى، أو أى هجين تختاره من عدة كُتاب مع أسعار خاصة!، ووعد باللمسة السحرية التى تجعلك أكثر خفة وإثارة مع الإيحاء بأنك تملك عمقهم، وتدريب دقيق على الوصفة توحى بأنها تتفوق على النسخ الأصلية، وقد أعيد إنتاجها وفق قوالب السوق المحددة سلفا، ثم يصور الكاتب أزمة بطله والذى يشعر بعمق أنه يقدم أدبا يفتقر إلى الحيوية، فيحاول استلاب الطزاجة من الخبّاز العجوز، ويتصور فى أحلامه الكابوسية أنه ينزع الطزاجة من روح بائع حلوى بشق حنجرته! ورغم أن محمد الأعور لم يخرج من منزله فقد رأى خدوشا على وجهه، ورأى زوجته كومة من الزجاج المكسور، لقد حاصرته الرسائل المجهولة بمقاطع تشبه تماما ما استلبه من مسودات روايات أستاذه، وملخصات لحبكات وأفكار أخرى تشير إلى كُتاب آخرين لم يظن أنها تكاد تبين، مما يدعوه للتفكير برموز الأصالة فيستعين السارد بمقطع من رواية «اللص والكلاب» لنجيب محفوظ، وكأنه يصف محمد الأعور الذى يشعر فى داخله بأنه لص: «أنت تعيس جدا يا بُنى، نمت نوما طويلا، ولكنك لا تعرف الراحة كطفل مُلقى تحت نار الشمس، وقلبك المحترق يحن إلى الظل، ولكنه يمعن فى السير تحت قذائف الشمس».
وتنتهى الرواية بانتحار محمد الأعور الذى لا نعرف إن كان روائيا حقيقيا أم مُتخيلا أم هجينا؟ لكن يبقى ما طرحه الروائى الإيطالى «كالفينو» سؤالا حيويا: «أليس الإلحاح على أن المرء يمكنه الآن أن يسأل عن الرواية فقط لاستثارة أعماق اللوعة الدفينة باعتباره الشرط النهائى للصدق الذى سينقذها من أن تكون منتجا لخط تجميع، كمصير لم يعد بالوسع الهروب منه».
وهذه اللوعة الدفينة هو ما كان يُطلق عليه نجيب محفوظ: الصدق الفنى، وأضيف.. أنها تلك القطعة من قلب الصدق، ومن فلذة الحقيقة الفنية التى لا تزول، والتى تجعل للكاتب سمته المميز، وطابعه الخاص، وتلك الروح التوّاقة لتحقيق القيم الجمالية والفنية للنص الأدبى.






